٧٩٦ -
[ ٥١٤ ]
بَابُ أَمْنِ الرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمَنِ إذَا خِيفَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى بَعْضِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ أَنَّ رَسُولَ مَلِكِ أَهْلِ الْحَرْبِ جَاءَ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ بِمَنْزِلَةِ مُسْتَأْمَنٍ جَاءَ لِلتِّجَارَةِ.
لِأَنَّ فِي مَجِيءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
٧٩٧ - فَإِنْ أَرَادَا الرُّجُوعَ فَخَافَ الْأَمِيرُ أَنْ يَكُونَا قَدْ رَأَيَا لِلْمُسْلِمِينَ عَوْرَةً فَيَدُلَّانِ عَلَيْهَا الْعَدُوَّ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْبِسَهُمَا عِنْدَهُ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ فِي حَبْسِهِمَا نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَدَفْعَ الْفِتْنَةِ عَنْهُمْ. وَإِذَا جَازَ حَبْسُ الدَّاعِرِ لِدَفْعِ فِتْنَتِهِ وَإِنْ لَمْ نَتَحَقَّقْ مِنْهُ خِيَانَةً فَلَأَنْ يَجُوزَ حَبْسُ هَذَيْنِ أَوْلَى.
٧٩٨ - فَإِنْ قَالَا لِلْإِمَامِ: خَلِّ سَبِيلَنَا وَإِنَّا عِنْدَك بِأَمَانٍ. لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُمَا.
[ ٥١٥ ]
لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ الْعَدُوَّ عَلَى مَا رَأَيَا مِنْ الْعَوْرَةِ. فَإِنَّ اعْتِقَادَهُمَا يَحْمِلُهُمَا عَلَى ذَلِكَ. وَأَيَّدَ هَذَا الظَّاهِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] .
٧٩٩ - وَإِنْ قَالَا: نَحْلِفُ أَنْ لَا نُخْبِرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لَمْ يُصَدِّقْهُمَا فِي ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ شَهِدَ الظَّاهِرُ لَهُ. وَالظَّاهِرُ هُنَا يَشْهَدُ بِخِلَافِ مَا يَقُولَانِ. فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى يَمِينِهِمَا. وَأَيَّدَ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] أَيْ لَا أَيْمَانَ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ. وَهَذِهِ الْيَمِينُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْتَمِدَهَا، وَلَكِنَّهُ يَحْبِسُهُمَا عِنْدَهُ حَتَّى يَأْمَنَ.
إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَيِّدَهُمَا وَلَا أَنْ يَغُلَّهُمَا.
لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهُمَا، وَهُمَا فِي أَمَانٍ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُمَا خِيَانَةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْحَبْسِ (ص ١٧٣) تَعْذِيبٌ أَيْضًا.
قُلْنَا: لَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا يَحْبِسُهُمَا الْحَبْسَ فِي السِّجْنِ. فَإِنَّ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ. وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ يَمْنَعُهُمَا مِنْ الرُّجُوعِ وَيَجْعَلُ مَعَهُمَا حَرَسًا يَحْرُسُونَهُمَا. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْقَدْرِ تَعْذِيبٌ لَهُمَا بَلْ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَئِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَعْذِيبٍ مِنْ حَيْثُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وَطَنِهِمَا فَالْمَقْصُودُ دَفْعُ ضَرَرٍ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ إيصَالِ الضَّرَرِ إلَى بَعْضِ النَّاسِ، تَرَجَّحَ أَهْوَنُ الضَّرَرَيْنِ عَلَى أَعْظَمِهِمَا. ثُمَّ هَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِحَرَسٍ يَجْعَلُهُ مَعَهُمَا. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا فَوْقَ ذَلِكَ بِالتَّقْيِيدِ.
[ ٥١٦ ]
فَإِنْ حَضَرَ قِتَالٌ وَشُغِلَ عَنْهُمَا الْحَرَسُ وَخَافَ انْفِلَاتَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَيِّدَهُمَا حَتَّى يَذْهَبَ ذَلِكَ الشُّغْلُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الضَّرَرِ.
فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ الشُّغْلُ حَلَّ قُيُودَهُمَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
٨٠٠ - وَإِنْ سَارَ الْإِمَامُ رَاجِعًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمَا مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ مِمَّا يَخَافُ عَنْهُمَا، ثُمَّ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُمَا.
لِأَنَّ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ دَفْعُ الْفِتْنَةِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ
٨٠١ - فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ مِنْهُمَا حَتَّى يَدْخُلَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ لَمْ يُخَلِّ سَبِيلَهُمَا حَتَّى يَدْخُلَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّ الْفِتْنَةَ فِي تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ تَعْظُمُ عَنْهُمَا. وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَحَرَّزَ وَيَجْتَهِدَ لِدَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْعَسْكَرِ.
فَإِنْ أَبَيَا أَنْ يَبْرَحَا مَكَانَهُمَا أَكْرَهَهُمَا عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّ فِي مَوْضِعِ النَّظَرِ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ الْإِكْرَاهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ النَّفِيرُ عَامًّا كَانَ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَى الْخُرُوجِ؟ وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: " لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ ".
٨٠٢ - فَإِنْ وَصَلَ إلَى مَأْمَنِهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَهُمَا بِالِانْصِرَافِ فَسَأَلَاهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا مَالًا يَتَجَهَّزَانِ بِهِ إلَى بِلَادِهِمَا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي
[ ٥١٧ ]
لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا مِنْ النَّفَقَةِ مَا يُبَلِّغُهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَبَيَا أَنْ يَصْحَبَاهُ مِنْهُ.
لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِمَا مُكْرَهَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ
، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا إلَيْهِ. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْمُؤْنَةُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ نَائِبَةٍ تَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ.
٨٠٣ - وَفِيمَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ قَدْ أَتَيَا اخْتِيَارًا مِنْهُمَا، فَلَا يُعْطِيهِمَا لِلرُّجُوعِ نَفَقَةً، وَإِنَّمَا يُعْطِي هَذِهِ النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ تُصِبْ الْجُنْدُ غَنِيمَةً، أَوْ أَصَابُوهَا وَاقْتَسَمُوهَا. فَأَمَّا إذَا أَصَابُوا غَنِيمَةً وَلَمْ تُقْسَمْ بَعْدُ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِمَا النَّفَقَةَ مِنْ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُ أَكْرَهَهُمَا عَلَى ذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِلْجُنْدِ خَاصَّةً. فَيَكُونُ الْمُؤْنَةُ مِنْ مَالٍ هُوَ حَقٌّ لِلْجُنْدِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِحَمْلِ الْغَنَائِمِ أَوْ سَوْقِهَا أَوْ حِفْظِهَا.
٨٠٤ - وَكَذَلِكَ إذَا مَنَعَهُمَا مِنْ الرُّجُوعِ وَأَكْرَهَهُمَا عَلَى الْمُقَامِ مَعَهُ.
فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ
٨٠٥ - وَإِذَا حَمَلَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ نَفْسِهِ عَلَى الدَّوَابِّ مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّهُمَا آمِنَانِ عِنْدَهُ. وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. فَإِذَا حَبَسَهُمَا لِمَنْفَعَةِ الْغَانِمِينَ أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ يُعْطَى الْكِفَايَةَ مِنْ
[ ٥١٨ ]
مَالِ الصَّدَقَةِ. وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً عِنْدَ الزَّوْجِ لِحَقِّهِ اسْتَوْجَبَتْ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ.
٨٠٦ - فَإِنْ أَرَادَ تَخْلِيَةَ سَبِيلِهَا بَعْدَ مَا أَمِنَ، وَكَانَ هُوَ فِي مَوْضِعٍ يَخَافَانِ فِيهِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْظُرَ لَهُمَا، وَلَا يُخَلِّي سَبِيلَهُمَا إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَا يُخَافُ عَلَيْهِمَا فِيهِ.
لِأَنَّهُمَا تَحْتَ وِلَايَتِهِ وَفِي أَمَانِهِ. وَهُوَ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمَا. فَكَمَا يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا يُزِيلُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ فَكَذَلِكَ يَنْظُرُ لَهُمَا.
أَرَأَيْت (ص ١٧٤) لَوْ حَمَلَهُمَا مَعَهُ فِي الْبَحْرِ. فَلَمَّا انْتَهَى إلَى جَزِيرَةٍ أَمِنَ فِيهَا، أَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُمَا فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ؟ لَا، وَلَكِنْ يَحْمِلُهُمَا إلَى مَوْضِعٍ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمَا فِيهِ الضَّيْعَةَ. ثُمَّ يُعْطِيهِمَا مَا يَكْفِيهِمَا لِجِهَازِهِمَا وَحُمْلَانِهِمَا.
٨٠٧ - وَإِنْ كَانَا لَا يَأْمَنَانِ مِنْ اللُّصُوصِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمَا قَوْمًا يُبَلِّغُونَهُمَا مَأْمَنَهُمَا. لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَكِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ فَيَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِقَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
٨٠٨ - فَإِنْ كَانَا لَا يَبْلُغَانِ مَأْمَنَهُمَا حَتَّى يَبْلُغَا مَوْضِعًا يَخَافُ فِيهِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مَعَهُمَا. فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمَا إلَى أَبْعَدِ مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُمَا لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
[ ٥١٩ ]
لِأَنَّ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَعْرِيضَ الْمُسْلِمِينَ لِلْهَلَاكِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ لِدَفْعِ الْخَوْفِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ إنْ أَجْبَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يَذْهَبُوا مَعَهُمَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخَافُونَ فِيهِ فَقُتِلُوا كَانَ هُوَ السَّاعِي فِي دَمِهِمْ. وَإِنْ تَرَكَهُمَا لِيَذْهَبَا فَأُصِيبَا لَمْ يَكُنْ هُوَ سَاعِيًا فِي دَمِهِمَا. فَكَانَ هَذَا أَهْوَنَ الْأَمْرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٥٢٠ ]