ٍ ٨٠٩ - وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا وَفِيهَا أَسِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَآمَنَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ لَيْلًا حَتَّى أَدْخَلَهُمْ الْمُعَسْكَرَ فَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الَّذِي أَمَّنَهُمْ كَانَ مَقْهُورًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ، وَأَمَانُ مِثْلِهِ بَاطِلٌ. وَلِأَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهَذَا الْأَمَانِ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ تَخْلِيصَ نَفْسِهِ. وَلَوْ صَحَّحْنَا أَمَانَ مِثْلِهِ لَمْ يَتَوَصَّلْ الْمُسْلِمُونَ إلَى فَتْحِ الْحِصْنِ مِنْ حُصُونِهِمْ قَهْرًا، فَقَلَّ مَا يَخْلُو حِصْنٌ عَنْ أَسِيرٍ فَإِذَا أَيْقَنُوا بِالْفَتْحِ أَمَرُوا الْأَسِيرَ حَتَّى يُؤَمِّنَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَسِيرٌ، أَمَرُوا رَجُلًا مِنْهُمْ حَتَّى يُسْلِمَ ثُمَّ يُؤَمِّنَهُمْ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ وَحُكْمُ الْأَسِيرِ سَوَاءً. فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي قُلْنَا: هُمْ جَمِيعًا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
٨١٠ - وَفِي الْقِيَاسِ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ رِجَالِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ الْبَاطِلَ لَا يُحَرِّمُ الْقَتْلَ، كَمَا لَوْ حَصَلَ مِنْ صَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ أَوْ مِنْ كَافِرٍ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ رِجَالَهُمْ. لِوَجْهَيْنِ:
[ ٥٢١ ]
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ - ﵇ - «يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» الْحَدِيثَ، يَعُمُّ الْأَسِيرَ وَغَيْرَهُ وَهَذَا الظَّاهِرُ وَإِنْ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ بِنَفْيِ شُبْهَةٍ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا جَاءُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ لِلِاسْتِئْمَانِ لَا لِلْقِتَالِ فَإِنَّهُمْ جَاءُوا بِاعْتِبَارِ أَمَانِ الْأَسِيرِ إيَّاهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَحْصُورَ إذَا جَاءَ عَلَى هَيْئَةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْقِتَالِ بِأَنْ أَلْقَى، السِّلَاحَ وَنَادَى بِالْأَمَانِ وَجَاءَ فَإِنَّهُ يَأْمَنُ الْقَتْلَ. فَهَؤُلَاءِ أَيْضًا يَأْمَنُونَ مِنْ الْقَتْلِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ، فَنُخَمِّسُهُمْ وَنَقْسِمُهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الَّذِي أَمَّنَهُمْ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ، أَوْ كَانَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَسْلَمَ فَالْمَعْنَى يَجْمَعُ الْكُلَّ.
٨١١ - وَلَوْ أَمَّنَهُمْ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَأَمَانُهُ جَائِزٌ.
لِأَنَّهُ آمِنٌ مِنْهُمْ، مُمْتَنِعٌ فِي عَسْكَرِهِ فَأَمَانُهُ كَأَمَانِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
٨١٢ - فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ بَعْدَ نَبْذِ الْإِمَامِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَمَّنَهُمْ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ رَأَى النَّظَرَ فِي قِتَالِهِمْ، فَإِنْ خَرَجُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ وَقَالُوا: آمَنَنَا فُلَانٌ، لَمْ نُصَدِّقْهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَ عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
[ ٥٢٢ ]
لِأَنَّهُمْ صَارُوا فَيْئًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَقَدْ ادَّعَوْا مَا يُسْقِطُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ (ص ١٧٥) عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ: إنِّي آمَنْتُهُمْ. لِأَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ هُوَ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ.
لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَلَا شَهَادَةَ لِلْمَرْءِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ
٨١٣ - فَإِنْ شَهِدَ عَدْلَانِ سَوَاء وَجَبَ تَبْلِيغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ.
لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً.
٨١٤ - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ إلَّا قَوْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ، كَانُوا فَيْئًا، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ رِجَالُهُمْ اسْتِحْسَانًا لِلشُّبْهَةِ الَّتِي تَمَكَّنَتْ فَإِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخْبَرَ بِحُرْمَةِ قَتْلِهِمْ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِلصِّدْقِ، وَحُرْمَةُ الْقَتْلِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ؛ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي أَمْرِ الدِّينِ حُجَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي إلْزَامِ الْحُكْمِ. فَلِهَذَا لَا يُقْتَلُونَ.
٨١٥ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ آمَنَهُمْ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ أَخَذَهَا مِنْهُمْ ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ وَهُمْ فِي حِصْنِهِمْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ.
[ ٥٢٣ ]
إنْ شَاءَ أَجَازَ أَمَانَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَأَخَذَ الدَّنَانِيرَ، فَكَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى النَّظَرَ فِي إنْشَاءِ الْأَمَانِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا رَأَى النَّظَرَ فِي أَنْ يُجِيزَ أَمَانَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ الْمَالُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ فَيَكُونُ فَيْئًا لَهُمْ.
وَإِنْ شَاءَ رَدَّ عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ ثُمَّ نَبَذَ إلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ آمَنَهُمْ بِنَفْسِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
- وَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ صَالَحَهُمْ الرَّجُلُ أَوْ خَرَّبُوا حِصْنَهُمْ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ أَلْفَ دِينَارٍ فَيَجْعَلَهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَرِ هَهُنَا مُتَعَيَّنٌ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ الصُّلْحِ
، فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ فِي الْعَسْكَرِ وَلَا سَبِيلَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُبْلِغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ وَإِنْ رَدَّ الدَّنَانِيرَ عَلَيْهِمْ.
فَعَرَفْنَا أَنَّ فِي أَخْذِ الدَّنَانِيرِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ
. وَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ وَيَسْلَمُ مِنْ الْعَمَلِ.
٨١٧ - وَإِذَا قَسَمَ الدَّنَانِيرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ قَالَ لَهُمْ: الْحَقُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ بِلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ.
فَيَتِمُّ بِهِ الْوَفَاءُ لِمَا شُرِطَ لَهُمْ فِي الصُّلْحِ.
٨١٨ - وَإِذَا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إنِّي كُنْت
[ ٥٢٤ ]
صَالَحْت الْقَوْمَ قَبْلَ فَتْحِ الْحِصْنِ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ.
وَصَدَّقَهُ أَهْلُ الْحِصْنِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَدِّقَهُ صَدَّقَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ الدَّنَانِيرَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِمَأْمَنِهِمْ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُكَذِّبَهُ كَذَّبَهُ وَلَمْ يَعْرِضْ لِلدَّنَانِيرِ وَجَعَلَهُمْ فَيْئًا. لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ.
فَيَنْظُرُ مَا يَكُون أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَعْمَلُ بِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَأَى النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. فَهَذَا مِثْلُهُ.
إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ رِجَالَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي دَخَلَتْ بِإِخْبَارِ الرَّجُلِ أَنَّهُ آمَنَهُمْ.
٨١٩ - وَإِنْ كَانَ حِينَ أَخْبَرَ الرَّجُلُ بِهَذَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ فِي حِصْنِهِمْ فَهُمْ آمِنُونَ، وَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ. كَمَا بَيَّنَّا إذَا أَنْشَأَ لَهُمْ الْأَمَانَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. فَإِنَّ الْإِخْبَارَ بِهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٥٢٥ ]