١٠٣ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ بِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَهُمْ يَنْدُبُونَ قَتْلَاهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ. فَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ. قَالَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَوَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَنَدَبْنَا حَمْزَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْبَيْتِ، حَتَّى سَمِعْنَا نَشِيجَهُ فِي الْبَيْتِ. فَأَرْسَلَ إلَيْنَا أَنْ قَدْ أَصَبْتُمْ، أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ» . وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَنَّ حَمْزَةَ كَانَ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَئِذٍ، لَكِنَّهُ كَانَ غَرِيبًا بِالْمَدِينَةِ فَنَدَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمَا قَالَ.
وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي «أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ - ﵁ - لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - جَمَعَ نِسَاءَ قَوْمِهِ، وَكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. فَجَاءَ كُلُّ فَرِيقٍ إلَى بَابِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَنْدُبُونَ حَمْزَةَ - ﵁ - فَاسْتَأْنَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِبُكَائِهِمْ (٣٦ ب) حَتَّى نَامَ» .
[ ١٠٨ ]
وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ جَرَى الرَّسْمُ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ يَبْدَءُونَ بِالْبُكَاءِ لِحَمْزَةَ - ﵁ -. وَالرِّجَالُ فِي تَعْزِيَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَقُولُونَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ.
١٠٤ - ثُمَّ أَعَادَ الْحَدِيثَ بِطَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - وَزَادَ فِي آخِرِهِ: «فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُنَّ يَبْكِينَ. فَقَالَ: يَا وَيْحَهنَّ إنَّهُنَّ لَهَا هُنَا مُنْذُ الْيَوْمِ. فَلْيَرْجِعْنَ وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ» .
فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ: هَذِهِ رُخْصَةٌ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ انْتَسَخَتْ بِمَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ قَدْ انْتَسَخَ وَلَا رُخْصَةَ فِيهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «النَّائِحَةُ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ مُسْتَمِعِيهَا عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
وَأَمَّا الْبُكَاءُ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - دَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - ﵁ -: أَلَيْسَ قَدْ نَهَيْتنَا عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، وَأَمَّا هَذِهِ رَحْمَةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الرُّحَمَاءِ. الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبُّ» . وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - «أَنَّهُ سَمِعَ امْرَأَةً وَهِيَ تَبْكِي عَلَى وَلَدِهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَنَهَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: دَعْهَا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْقَلْبَ حَزِينٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ» . وَلَكِنْ مَعَ هَذَا؛ الصَّبْرُ أَفْضَلُ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
[ ١٠٩ ]