٢١ - بَابٌ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ذَكَرَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ ذِي حَدَّانِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا - ﵁ - يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ أَوْ خَدْعَةٌ» بِالنَّصْبِ. وَكِلَاهُمَا لُغَةٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يُخَادِعَ قِرْنَهُ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ غَدْرًا مِنْهُ.
وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالظَّاهِرِ فَقَالُوا: يُرَخَّصُ فِي الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: فِي الصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَفِي الْقِتَالِ، وَفِي إرْضَاءِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ» . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْكَذِبَ الْمَحْضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ اسْتِعْمَالُ الْمَعَارِيضِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْمَعَارِيضِ، إذْ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَذِبِ الْمَحْضِ.
[ ١١٩ ]
وَقَالَ عُمَرُ: إنَّ فِي مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ. وَتَفْسِيرُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي " الْكِتَابِ ": وَهُوَ أَنْ يُكَلِّمَ مَنْ يُبَارِزُهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ. وَلَكِنَّهُ يُضْمِرُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُهُ لَهُ. كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ - ﵁ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ بَارَزَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ ضَمِنْت لِي أَنْ لَا تَسْتَعِينَ عَلَيَّ بِغَيْرِك؟ فَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَعَوْتهمْ؟ . فَالْتَفَتَ كَالْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ، فَضَرَبَ عَلَى سَاقَيْهِ ضَرْبَةً قَطَعَ رِجْلَيْهِ.
وَكَانَ مِنْ الْخُدْعَةِ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ قَوْلًا لِيَرَى مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ فِيهِ ظَفَرًا أَوْ أَنَّ فِيهِ أَمْرًا يُقَوِّي أَصْحَابَهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ كَاذِبًا فِيهِ ظَاهِرًا. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - فِي حُرُوبِهِ كَانَ يَنْظُرُ إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: مَا كَذَبْت وَلَا كَذَبْت. يُرِي مَنْ حَضَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخْبَرَهُ بِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ، وَأَمَرَهُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ. وَلَعَلَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا الْعَجَائِزُ. فَلَمَّا سَمِعَتْ الْعَجُوزُ ذَلِكَ جَعَلَتْ تَبْكِي، حَتَّى بَيَّنَ لَهَا صِفَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ حِينَ يَدْخُلُونَهَا» .
[ ١٢٠ ]
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُقَيِّدَ كَلَامَهُ بِلَعَلَّ وَعَسَى، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (٣٩ ا) يَخْرُجُ الْكَلَامُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً عَلَى مَا قَالَ: «بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ» .
وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَذْكُورٌ فِي الْمَغَازِي نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ] . «فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ غَدَرَتْ وَبَايَعَتْ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَمَرْنَاهُمْ بِهَذَا. فَرَجَعَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ وَقَالَ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ أَمَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِهَذَا. فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْته يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا كَذَبَ» .
وَتَمَامُ هَذِهِ الْقِصَّةِ ذُكِرَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: «أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى أَنْ جَاءَ الْأَحْزَابُ وَمَعَهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ رَأْسُ بَنِي النَّضِيرِ. فَمَا زَالَ بِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى نَقَضُوا الْعَهْدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَبَايَعُوا أَبَا سُفْيَانَ. عَلَى أَنْ يُغِيرُوهُمْ عَلَى الْمَدِينَةِ وَالْأَحْزَابُ يُقَاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ. فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِذَلِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] . فَجَاءَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ يُخْبِرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِهَذِهِ الْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ كَانَ مُشْرِكًا يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا مِنْ مُوَاطَأَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَتَّى نُحِيطَ بِالْأَحْزَابِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ
[ ١٢١ ]
يُؤْثَرُ عَنْك شَيْءٌ مِنْ أَجْلِ صَنِيعِهِمْ. فَقَالَ - ﷺ -: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ يَا عُمَرُ» . فَكَانَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ سَبَبَ تَفَرُّقِهِمْ وَتَفَرُّقِ كَلِمَتِهِمْ وَانْهِزَامِهِمْ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: «أَنَّهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ قَالُوا لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: لَا نَأْمَنُ أَنْ يَطُولَ الْأَمْرُ وَتَذْهَبَ الْأَحْزَابُ وَنَبْقَى مَعَ مُحَمَّدٍ فَيُحَاصِرَنَا وَيُخْرِجَنَا مِنْ دِيَارِنَا كَمَا فَعَلَ بِك وَبِأَصْحَابِك. فَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ: أَنَا أَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا سَبْعِينَ مِنْ أَبْنَاءِ كُبَرَائِهِمْ إلَيْكُمْ لِيَكُونُوا رَهْنًا فِي حِصْنِكُمْ. وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَهُمْ حِينَ جَرَتْ هَذِهِ الْمُحَاوَرَةُ، فَحَثَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالُوا: هُوَ الرَّأْيُ. ثُمَّ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى. فَقَالَ - ﷺ -: فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ. فَجَاءَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَسُولَ بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْأَلُهُ الرَّهْنَ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ عَلِمْت أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: إنِّي سَمِعْته الْآنَ يَقُولُ كَذَا. وَهَذَا مُوَاطَأَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، لِيَأْخُذُوا سَبْعِينَ مِنْكُمْ فَيَدْفَعُوهُمْ إلَيْهِ لِيَقْتُلَهُمْ. وَقَدْ ضَمِنَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إصْلَاحَ جَنَاحِهِمْ، يَعْنِي رَدَّ بَنِي النَّضِيرِ إلَى دَارِهِمْ. فَقَالُوا: هُوَ كَمَا قُلْت وَاَلْلَاتِ وَالْعُزَّى. وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَبَعَثَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ اُخْرُجُوا عَلَى تِلْكَ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي بَيْنَنَا فَقَدْ طَالَ الْأَمْرُ. فَقَالُوا: غَدًا يَوْمُ السَّبْتِ، وَنَحْنُ لَا نَكْسِرُ السَّبْتَ. وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَخْرُجُ حَتَّى تُعْطُونَا الرَّهْنَ (٣٩ ب) . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ كَمَا أَخْبَرَنَا بِهِ نُعَيْمٌ. وَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَانْهَزَمُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ» . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - ﵀ -: فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
[ ١٢٢ ]