ُ وَفِي نُسْخَةٍ: كَيْفَ تَغْشَاهُ ١١٢ ذَكَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ - ﵀ - قَالَ: «لَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ عَمَدَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ إلَى أَصْحَابِهِ فَعَبَّأَهُمْ فِي وَادِي حُنَيْنٍ - وَهُوَ وَادٍ حَدُورٌ ذُو شِعَابٍ وَمَضَايِقَ. وَفَرَّقَ النَّاسَ فِيهِ، وَأَوْعَزَ إلَى النَّاسِ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَى مُحَمَّدٍ (٣٨ آ) وَأَصْحَابِهِ حَمْلَةً وَاحِدَةً - أَيْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ إِلْيَهِمْ فِيهِ - وَمَالِكٌ هَذَا كَانَ صَاحِبَ الْجَيْشِ يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَكَانَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَصْحِبُوا أَهَالِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِيُقَاتِلُوا عَنْهُمْ إنْ لَمْ يُقَاتِلُوا عَنْ دِينِهِمْ فَخَطَّأَهُ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ فِي هَذَا الرَّأْيِ. وَقَالَ لَهُ: رَاعِي الضَّأْنِ مَالَهُ وَلِلْحَرْبِ؟ وَهَلْ يَرُدُّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ هَذَا الَّذِي تَسُوقُونَهُ كُلُّهُ غَنَائِمُ
[ ١١٦ ]
مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. قِيلَ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: أَنْ تَحْمِلُوا الظَّعْنَ إلَى عَلْيَاءِ بِلَادِكُمْ. وَأَنْ يَلْقَى الرِّجَالُ بِالسُّيُوفِ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ عَدُوَّهُمْ. فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أُغَيِّرُ مَا صَنَعْت. فَهَلْ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. اجْعَلْ النَّاسَ فَرِيقَيْنِ: يَمْنَةً وَيَسْرَةً، لِيَكْمُنُوا فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْمَضَايِقِ، حَتَّى إذَا دَخَلَهَا الْعَدُوُّ خَرَجُوا مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمَلَةً وَاحِدَةً. فَقَالَ: أَمَّا هَذِهِ فَنَعَمْ. وَفَعَلَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ. وَعَبَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَصْحَابَهُ فَصَفَّهُمْ صُفُوفًا فِي السَّحَرِ، وَوَضَعَ الْأَوْلَوِيَّةَ فِي أَهْلِهَا. الْحَدِيثِ إلَى أَنْ قَالَ: فَانْحَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي وَادِي حُنَيْنٍ انْحِدَارًا، وَهُوَ وَادٍ حَدُورٌ. وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ دُلْدُلَ، وَاسْتَقْبَلَ الصُّفُوفَ فَطَافَ عَلَيْهِمْ يَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَيُبَشِّرُهُمْ بِالْفَتْحِ إنْ صَدَقُوا وَصَبَرُوا» . وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْخَوْفِ. وَبِاللَّيْلِ إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَدُوِّ. قَالَ: «فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ يَنْحَدِرُونَ فِي غَبَشِ الصُّبْحِ إذْ حَمَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ تِلْكَ الشِّعَابِ وَالْمَضَايِقِ. فَانْكَشَفَتْ أَوَّلُ الْخُيُولِ
[ ١١٧ ]
خَيْلُ بَنِي سُلَيْمٍ مُوَلِّيَةً - يَعْنِي انْهَزَمَتْ رَاجِعَةً - ثُمَّ تَبِعَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَتَبِعَهُمْ النَّاسُ مُدْبِرِينَ فَلَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» .
وَفِي الْمَغَازِي أَنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ نَادَى: أَلَا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَلْيَرْجِعْ كُلُّ ذِي دِينٍ دِينَهُ. فَلِهَذَا انْهَزَمُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] وَأَمْعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الِانْهِزَامِ حَتَّى انْتَهَى إلَى مَكَّةَ. وَسَمِعَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَاحِدًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ وَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْهُ. وَكَانَ صَفْوَانُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا فَقَالَ: بِفِيك الْأَثْلَبِ. لَرَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ رَبٍّ مِنْ هَوَازِنَ إذَا كُنْت مَرْبُوبًا. قَالَ: «فَاقْتَحَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي دَابَّتِهِ حَتَّى رَأَى الْمُسْلِمِينَ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. فَثَبَتَ قَائِمًا، وَجَرَّدَ سَيْفَهُ وَطَرَحَ غِمْدَهُ. فَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ وَهُوَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ اللَّهَ اللَّهَ الْكَرَّةُ عَلَى نَبِيِّكُمْ» . وَذَكَرَ فِي الْمَغَازِي «أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا عَمُّهُ الْعَبَّاسُ - ﵁ - عَلَى يَمِينِهِ، وَسُفْيَانُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - ﵄ - (٣٨ ب) عَلَى يَسَارِهِ. وَمَا كَانَ كَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُنْذُ أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلَى هَذَا الْوَقْتِ، لِكَثْرَةِ مَا كَانَ آذَاهُ بِهِجَائِهِ. فَحِينَ رَأَى ذَلِكَ الْجِدَّ مِنْهُ كَلَّمَهُ وَعَانَقَهُ. وَبَلَّغَ اللَّهُ صَوْتَ رَسُولِهِ إلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَبَّرُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَحَمَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ حَمْلَةً وَاحِدَةً، فَانْهَزَمَ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يَطْعَنُوا بِرُمْحٍ أَوْ يَضْرِبُوا بِسَيْفٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٢٦]» . الْآيَةَ.
[ ١١٨ ]