٥٠ - بَابُ الْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ غَيْرَ مُسْتَأْمَنٍ (٩٣ آ) ٥٥٣ - وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ الَّذِي لَا أَمَانَ لَهُ الْحَرَمَ فَإِنَّهُ لَا يُهَاجُ لَهُ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ.
وَهَذَا أَصْلُ عُلَمَائِنَا أَنَّ مَنْ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ خَارِجَ الْحَرَمِ يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ بِدُخُولِ الْحَرَمِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
وَقَالَ - عَزَّ مَنْ قَائِلٍ -: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وَقَالَ - ﵇ - فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْفَتْحِ: «إنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي. وَلَمْ تَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ أُنَاسًا وَهُمْ غَيْرُ مُقَاتِلِينَ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْ كَانُوا مُقَاتِلِينَ لَهُ لَمْ تَظْهَرْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِمَا قَالَ، لِأَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّ الْحَرَمَ يَسْتَحِلُّ مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَهُ.
[ ٣٦٦ ]
قَالَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -: لَوْ وَجَدْت قَاتِلَ عُمَرَ فِي الْحَرَمِ مَا هِجْتُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُقْتَلْ أَبُوهُ.
وَلَكِنْ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ أَحَدٍ فِي الْحَرَمِ ابْتِدَاءً، وَكَمَا لَا يُقْتَلُ لَا يُؤْسَرُ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافَهُ حُكْمًا فَالْحُرِّيَّةُ حَيَاةٌ وَالرِّقُّ تَلَفٌ، وَحُكْمُ حُرْمَةِ الْحَرَمِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّيْدَ كَمَا لَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ لَا يُتَمَلَّكُ بِالْأَخْذِ.
٥٥٤ - فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ كَانَ آمِنًا حُرًّا مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ. وَقَدْ تَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُ بِالْإِسْلَامِ.
وَإِنْ سَأَلَنَا أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا فَإِنْ شِئْنَا أَعْطَيْنَاهُ ذَلِكَ وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نُعْطِهِ.
لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مُشْرِفٌ عَلَى الْهَلَاكِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِنَا اخْتِيَارًا بَلْ اضْطِرَارًا، لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الْفِرَارِ. فَالرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ فِي إعْطَاءِ الذِّمَّةِ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمَأْسُورِ قَبْلَ ضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِ إذَا طَلَبَ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً.
٥٥٥ - وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ وَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يُجَالَسُ وَلَا يُطْعَمُ وَلَا يُبَايَعُ حَتَّى يَضْطَرَّ وَيَخْرُجَ.
لِأَنَّهُ بِسَبَبِ الْأَمْنِ الثَّابِتِ بِالْحَرَمِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْنَا التَّعَرُّضُ لَهُ بِالْإِسَاءَةِ، وَلَا يَلْزَمُنَا الْإِحْسَانُ إلَيْهِ. فَإِنَّ مَنْعَ الْإِحْسَانِ لَا يَكُونُ إسَاءَةً، فَلِهَذَا لَا يَجِبُ قَبُولُ الذِّمَّةِ مِنْهُ إنْ طَلَبَ لِأَنَّ ذَلِكَ إحْسَانٌ إلَيْهِ.
[ ٣٦٧ ]
إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْكَلَأُ وَمَاءُ الْعَامَّةِ.
لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ. فَقَدْ أَثْبَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِيهِ شَرِكَةً عَامَّةً بَيْنَ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْكَلَأِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ» .
وَفِي مَنْعِ حَقِّهِ مِنْهُ إسَاءَةٌ إلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَوْ كَانَ لَك أَنْ تَمْنَعَهُ الْمَاءَ كَانَ لَك أَنْ تَقْتُلَهُ.
٥٥٦ - فَإِنْ قَالَ الْأَمِيرُ: إنِّي لَا آسِرُهُ وَلَكِنْ أَحْبِسُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا.
لِأَنَّ فِي الْحَبْسِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أُخْرِجُهُ مِنْ الْحَرَمِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْأَمْنَ الثَّابِتَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ يُحَرِّمُ التَّعَرُّضَ لَهُ بِالْحَبْسِ وَالْإِخْرَاجِ كَمَا فِي حَقِّ الصَّيْدِ.
٥٥٧ - وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً دَخَلُوا الْحَرَمَ لِلْقِتَالِ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ (٩٣ ب) أَنْ يَقْتُلُوهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: الْحَرَمُ كُلُّهُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ.
أَيْ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ لَا تُلْزِمُنَا بِحَمْلِ الْأَذَى عَنْهُمْ، كَمَا لَا يَلْزَمُنَا تَحَمُّلُ الْأَذَى عَنْ الصَّيْدِ حَتَّى إنَّ الضَّبُعَ إذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ فِي الْحَرَمِ جَازَ قَتْلُهُ دَفْعًا لِأَذَاهُ.
[ ٣٦٨ ]
فَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَانْهَزَمُوا فَأَخَذُوا مِنْهُمْ الْأَسْرَى فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُمْ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرَاعُوا حُرْمَةَ الْحَرَمِ. فَيَكُونُ الْحَرَمُ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْحِلِّ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً.
بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ بَعْدَ الصِّيَالِ إذَا هَرَبَ لَمْ يَحِلُّ قَتْلُهُ.
لِأَنَّ الصَّيْدَ غَيْرُ عَاقِلٍ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ دَفْعُ أَذَاهُ عِنْدَ قَصْدِهِ حِسًّا، وَقَدْ انْدَفَعَ ذَلِكَ بِهَرَبِهِ.
فَأَمَّا الْآدَمِيُّ عَاقِلٌ يَجُوزُ دَفْعُ أَذَاهُ بِقَتْلِهِ زَجْرًا.
وَلِهَذَا شُرِعَ الْقِصَاصُ لِمَعْنَى الْحَيَاةِ. فَكَمَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ إذَا قَصَدُوا دَفْعًا لِأَذَاهُمْ وَزَجْرًا لَهُمْ عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ بَعْدَ الِانْهِزَامِ وَالْأَسْرِ لِمَعْنَى الزَّجْرِ عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ.
٥٥٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلُوا الْحَرَمَ مُقَاتِلِينَ وَمَعَهُمْ عَيَّالَاتُهُمْ، فَهُزِمُوا وَأُخِذْت عَيَّالَاتُهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْسَرُوا.
لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الْمُقَاتِلَةِ، وَحِينَ اُلْتُحِقَ الْحُرُمُ بِالْحِلِّ فِي حَقِّ الْأُصُولِ لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْأَتْبَاعِ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي حَقِّ التَّبَعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ.
٥٦٠ - وَلَوْ كَانُوا قَاتَلُوا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ انْهَزَمُوا بِعَيَّالَاتِهِمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ الْحَرَمَ فَحَصَلُوا فِي الْحَرَمِ مُنْهَزِمِينَ لَا فِئَةَ لَهُمْ، لَمْ يَحِلَّ أَنْ يُعْرَضَ لَهُمْ وَلَا لِعِيَالَاتِهِمْ.
[ ٣٦٩ ]
لِأَنَّهُمْ الْتَجَئُوا إلَى الْحَرَمِ مُعَظِّمِينَ لَهَا وَكَانُوا آمِنِينَ فِيهَا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْحَرَمَ هَاتِكِينَ حُرْمَتَهَا بِالْقَصْدِ إلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا.
٥٦١ - وَلَوْ كَانَتْ فِئَتُهُمْ تَجَمَّعَتْ بِالْحَرَمِ وَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ فَهَرَبَ هَؤُلَاءِ بِعَيَّالَاتِهِمْ إلَى فِئَتِهِمْ فِي الْحَرَمِ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ وَأَسْرِهِمْ.
لِأَنَّ الْمُلْتَجِئَ إلَى فِئَةٍ يَكُونُ مُحَارِبًا وَلَا يَكُونُ تَارِكًا لِلْحَرْبِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُنْهَزِمَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ يُتَّبَعُ فَيُقْتَلُ، إذَا بَقِيَتْ لَهُمْ فِئَةٌ. فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
٥٦٢ - وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِي أَهْلِ الْحَرْبِ هُوَ الْحُكْمُ فِي الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ. إلَّا أَنَّهُ لَا تُسْبَى ذَرَارِيِّهِمْ وَلَا نِسَاؤُهُمْ.
لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلِتَأَكُّدِ حُرِّيَّتِهِمْ بِالْإِسْلَامِ كَانُوا آمِنِينَ مِنْ السَّبْيِ.
فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَحِلُّ فِيهِ قَتْلُهُمْ، وَيَحْرُمُ فَهُمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[ ٣٧٠ ]