٥٤ - بَابُ الْحَرْبِيِّ يَسْتَأْمِنُ إلَى مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ ٦٦٤ - فَإِذَا اسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ إلَى الْعَسْكَرِ مِنْ غَيْرِ حِصْنٍ وَلَا قَلْعَةٍ وَلَا مَطْمُورَةٍ فَقَالَ: أَسْتَأْمِنُ لِأَخْرُجَ إلَيْكُمْ، ثُمَّ أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي، فَآتِيكُمْ بِالتِّجَارَاتِ، فَذَهَبَ ثُمَّ جَاءَ بِتِجَارَةٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا مَالِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهُوَ آمِنٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ.
لِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ فِي حَالٍ لَمْ يَصِرْ مَقْهُورًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَأْمَنَ لِيَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ يَدْخُلُ مَالُهُ فِي أَمَانِهِ تَبَعًا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ، فَكَذَلِكَ الَّذِي اسْتَأْمَنَ إلَى الْعَسْكَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا، وَقَوْلُهُ فِي الْمَالِ مَقْبُولٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَدَ لَهُ. فَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لَهُ.
٦٦٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِامْرَأَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي، أَوْ ابْنَتِي، أَوْ أُخْتِي، أَوْ جَاءَ بِصِبْيَانٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ وَلَدِي. فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ آمِنُونَ مَعَهُ. بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ عِيَالُهُ فِي الْأَمَانِ كَمَا يَتْبَعُهُ مَالُهُ.
وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ فِيمَا قَالَ فَهُوَ فَيْءٌ.
لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ حِينَ كَذَّبَهُ فِي سَبَبِ التَّبَعِيَّةِ فِي الْأَمَانِ
[ ٤٥٣ ]
وَإِنْ صَدَّقُوهُ ثُمَّ رَجَعَ الْمُسْتَأْمَنُ فَقَالَ: لَا قَرَابَةَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَكَذَّبُوهُ فَهُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّهُمْ بِالتَّصَادُقِ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَيْهِمْ بِالرِّقِّ أَوْ بِمَا يُبْطِلُ أَمَانَهُمْ مَرْدُودٌ. وَإِنْ اتَّهَمَ الْأَمِيرُ أَحَدًا مِنْهُمْ حَلَّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ أُخِذَ مَمْلُوكًا، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِنُكُولِهِ.
٦٦٦ - وَلَوْ جَاءَ مَعَهُ رِجَالٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَادِي وَإِخْوَانِي.
فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُقَاتِلَةُ لَا يَتْبَعُونَهُ فِي الْأَمَانِ لَوْ اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْمَنَ إلَى الْعَسْكَرِ وَلَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهُمْ نَصًّا وَلَا اسْتَأْمَنُوا لِأَنْفُسِهِمْ.
٦٦٧ - وَلَوْ جَاءَ بِمَتَاعٍ أَوْ رَقِيقٍ فَقَالَ: هَذَا مَالِي، أَوْ بِامْرَأَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ عِيَالِي. فَعُلِمَ أَنَّهُ جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ قَرْيَةٍ أَوْ مَطْمُورَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْعَسْكَرِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَهْلُ الْعَسْكَرِ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَالِمٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ عَلِمُوا بِهَا كَانُوا قَاهِرِينَ لِأَهْلِهَا أَوْ لَمْ يَكُونُوا.
لِأَنَّ مَعْنَى الْقَهْرِ لَا يَتَحَقَّقُ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِمْ، وَالْقَرِيبُ كَالْبَعِيدِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ وَالْمَاءُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ بَعِيدًا؟
٦٦٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلِمَ بِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
[ ٤٥٤ ]
لِأَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ لَا يَصِيرُونَ مَقْهُورِينَ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِهِمْ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ بِالْقِتَالِ. فَإِنَّمَا جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَهْرُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ سَالِمًا لَهُ.
٦٦٩ - وَإِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْعَسْكَرِ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ بِهَا وَبِمَا فِيهَا، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِمَا فِيهَا إلَّا أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوهَا عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ.
لِأَنَّ الْعَسْكَرَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا نَزَلُوا بِسَاحَةِ قَوْمٍ غَيْرِ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ، وَعَلِمُوا بِحَالِهِمْ، كَانُوا قَاهِرِينَ لَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ قَرُبَ مِنْ خَيْبَرَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]» . وَإِذَا ثَبَتَ الْقَهْرُ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا جَاءَ بِهَذَا مِمَّا كَانَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ وَتَحْتَ قَهْرِهِمْ، وَلَا يَسْلَمُ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمَحْصُورِ الَّذِي يَسْتَأْمِنُ لِيَنْزِلَ أَوْ لِيَفْتَحَ الْبَابَ.
٦٧٠ - وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهُ مِنْ مَطْمُورَةٍ فِي قَرْيَةٍ قَدْ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ الْقَرْيَةَ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا الْمَطْمُورَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ سَالِمٌ.
لِأَنَّ مَا فِي الْمَطْمُورَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ قَهْرُهُمْ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهَا، دَخَلُوا الْقَرْيَةَ أَوْ لَمْ يَدْخُلُوهَا، فَإِنَّهُمْ عَدِمُوا آلَةَ الْوُصُولِ إلَيْهَا.
٦٧١ - وَإِنْ جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ حِصْنٍ قَدْ قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَيْهِ لِيَفْتَحُوهُ فَجَمِيعُ مَا جَاءَ فِيهِ فَيْءٌ.
[ ٤٥٥ ]
لِأَنَّ قَهْرَ الْمُسْلِمِينَ يَتَنَاوَلُ مَا فِي الْحِصْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ مُسْتَأْمَنًا لَمْ يَسْلَمْ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ. فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَسْتَأْمِنَ وَهُوَ خَارِجٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَأْمِنَ لِيَخْرُجَ فِي حَقِّ الْمَالِ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْ الْحِصْنِ. فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ لَا يَسْلَمُ لَهُ شَيْءٌ فِي الْمَالِ وَالْعِيَالِ بِدُونِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْتِئْمَانِ مِنْهُ لَهُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٤٥٦ ]