٩٦٢ - قَالَ: وَإِذَا نَزَلَ أَهْلُ حِصْنٍ قَدْ حُوصِرُوا فِيهِ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ، ثُمَّ اُحْكُمُوا فِيهِمْ» . وَلِأَنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِي نُزُولِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى الْحُكْمِ. فَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - ﵁ - ابْتِدَاءً، فَإِنَّ «النَّبِيَّ - ﵇ - لَمَّا حَاصَرَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَكَانَ قَالَ لَهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ - حِينَ أَخْبَرَهُ عَلِيٌّ - ﵁ - أَنَّهُمْ يَسُبُّونَهُ -: يَا إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ أَتَسُبُّونَنِي؟ انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ. فَقَالُوا: لَا يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْت فَحَّاشًا. ثُمَّ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمْرُ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ شَاءُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ.
[ ٥٨٧ ]
وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ سَيِّدَ الْأَوْسِ، فَرَضَوَا بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِهِ رَجَاءَ أَنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَنْزَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى حُكْمِهِ» .
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -. ثُمَّ «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - الْحُكْمَ فِيهِمْ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بِرِضَاهُمْ. فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ أَحَاطُوا بِرَسُولِ اللَّهِ فَكَلَّمُوهُ فِي شَأْنِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَاعَةِ. فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُرَاعَاةَ قُلُوبِهِمْ فَقَالَ: أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيكُمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ وَكَانَ لَا يُرْقَأُ الدَّمُ. فَدَعَا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَبْقَيْت مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لِذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قِتَالِ قَوْمٍ أَخْرَجُوا رَسُولَك مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تُبْقِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَاجْعَلْ هَذَا سَبَبَ شَهَادَتِي، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي فِي بَنِي قُرَيْظَة. فَلَمَّا دَعَا بِذَلِكَ رَقَأَ الدَّمُ. وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهَذَا الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ
[ ٥٨٨ ]
- ﷺ - مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ رُءُوسِ الْأَنْصَارِ حِينَ أُخْبِرَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ لِيَدْعُوَهُمْ إلَى تَجْدِيدِ الْعَهْدِ. فَأَغْلَظُوا لَهُ الْقَوْلَ وَشَتَمُوهُ. فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: أَتَشْتُمُونَنِي؟ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَهَمُّ مِنْ الشَّتْمِ وَهُوَ السَّيْفُ. فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْأَحْزَابَ وَحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ دَعَا هُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فَلَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ جَعَلَ الْحُكْمَ فِيهِمْ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَهُوَ كَانَ مَرِيضًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ. فَأَتَاهُ الْأَنْصَارُ وَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ لِيَأْتُوا بِهِ مُعَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ. فَجَعَلُوا يُكَلِّمُونَهُ فِي الطَّرِيقِ وَيَقُولُونَ: حُلَفَاؤُك وَمَوَالِيك، أَمْكَنَك اللَّهُ مِنْهُمْ فَأَحْسِنْ إلَيْهِمْ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵇ - يُحِبُّ الْإِحْسَانَ وَالْإِبْقَاءَ. وَقَدْ عَلِمْت مَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي تَخْلِيصِ حُلَفَائِهِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعِ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا مِنْ ذَلِكَ مَسَحَ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هَلَكَتْ قُرَيْظَةُ وَاَللَّهِ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ إلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمَّا أَتَى سَعْدٌ إلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ (ص ١٩٧) فَأَنْزِلُوهُ. فَلِمَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: قَدْ جَعَلْت الْحُكْمَ فِيهِمْ إلَيْك فَاحْكُمْ فِيهِمْ.
[ ٥٨٩ ]
فَأَقْبَلَ سَعْدٌ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيكُمْ مَا حَكَمْت؟ قَالُوا: نَعَمْ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -، وَهُوَ مُعْرِضٌ إجْلَالًا لِرَسُولِ اللَّهِ: وَعَلَى مَنْ هُنَا بِمِثْلِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ: نَعَمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي حَكَمْت فِيهِمْ بِأَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ، وَتُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ، وَتُقَسَّمَ الْأَمْوَالُ. فَقَالَ - ﵇ -: لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ، أَيْ سَبْعِ سَمَوَاتٍ» .
وَهَكَذَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
فَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُمْ إذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ فَجَعَلَ الْحُكْمَ إلَى غَيْرِهِ بِرِضَاهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْحُكْمَ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّ سَعْدًا أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -، لِيَسْتَرْضِيَهُمْ بِذَلِكَ. وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -، وَهَذَا لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرَّأْيِ. وَهَذَا الْحُكْمُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ. فَرِضَاهُمْ بِحُكْمِ شَخْصٍ لَا يَكُونُ رِضًا بِحُكْمِ شَخْصٍ آخَرَ، حَتَّى إذَا جَعَلَهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ فَحَكَمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْمُحَكَّمُ الْأَوَّلُ بَعْدَ مَا يَعْلَمُ بِهِ. فَحِينَئِذٍ يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ إجَازَتَهُ بِمَنْزِلَةِ إنْشَائِهِ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ الْحُكْمُ بِرَأْيِهِ وَقَدْ رَضُوا بِذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ فِيهِمْ بِأَنْ يُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ أَوْ بِأَنْ يُجْعَلُوا ذِمَّةً أَوْ بِأَنْ يُجْعَلُوا فَيْئًا فَذَلِكَ كُلُّهُ نَافِذٌ، اسْتِدْلَالًا بِمَا حَكَمَ بِهِ سَعْدٌ.
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ سَعْدًا حَكَمَ يَوْمَئِذٍ بِأَنْ يُقْتَلَ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى. وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبُلُوغَ بِاعْتِبَارِ نَبَاتِ الْعَانَةِ. وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا.
[ ٥٩٠ ]
لِأَنَّ نَبَاتَ الْعَانَةِ يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحْوَالُ النَّاسِ. أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِئُ فِي الْأَتْرَاكِ وَيَسْرُعُ فِي الْهُنُودِ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حُكْمًا. وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ عَلِمَ بِإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ إيَّاهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَامَةُ بُلُوغِ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَإِنَّمَا حَكَمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى مِنْهُمْ كَانَ مُقَاتِلًا. وَإِنَّمَا حُكِمَ بِقَتْلِ مُقَاتِلِهِمْ. وَالْمُقَاتِلُ يُقْتَلُ بَالِغًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ. وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ إنَّمَا يُقْتَلُ قَبْلَ الْأَسْرِ إذَا قَاتَلَ، فَأَمَّا بَعْدَ مَا أُسِرَ فَلَا يُقْتَلُ.
ثُمَّ ذُكِرَ: أَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ فِيهِمْ سِيقُوا حَتَّى حُبِسُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ النَّجَّارِيَّةِ وَأَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُكَتَّفُوا.
وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْنَعَ بِالْأُسَرَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] .
قَالَ: «ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِبَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى قُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ. وَسُمِّيَ مِمَّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْمَغَازِي: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَجَمَاعَةٌ. فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ قَالَ النَّبِيُّ - ﵇ -: لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلَاحِ. قَيِّلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا ثُمَّ اُقْتُلُوا مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ» .
وَفِي الْمَغَازِي ذُكِرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵇ - قَامَ وَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: شَأْنُك وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ» . وَكَانَ الَّذِينَ يَلُونَ قَتْلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ
[ ٥٩١ ]
فَقُتِلُوا عِنْدَ مَوْضِعِ دَارِ ابْنِ أَبِي الْجَهْمِ. فَسَالَتْ دِمَاؤُهُمْ حَتَّى بَلَغَ أَحْجَارَ الزَّيْتِ.
وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْكِتَابِ عَدَدَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهِ.
فَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا سَبْعَ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَتَلُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ. وَكَانَ عَدَدُ السَّبْيِ سِتَّ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ. فَكَانَ كُلُّ مَنْ يُشَكُّ فِي أَمْرِهِ يُكْشَفُ عَنْ عَانَتِهِ، عَلَى مَا قَالَ عَطِيَّةُ الْقُرَظِيّ: شَكُّوا فِي أَمْرِي يَوْمَئِذٍ فَكَشَفُوا عَنْ عَانَتِي، فَإِذَا أَنَا لَمْ أَنْبُتْ، فَجَعَلُونِي (ص ١٩٨) فِي الذُّرِّيَّةِ.
وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ اُقْتُلُوا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى، وَلَا تَسْبُوا إلَيْنَا مِنْ الْعُلُوجِ أَحَدًا.
وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا يَقْصِدُوهُمْ بِسُوءٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حِينَ لَمْ يُبَالِغُوا فِي مُرَاعَاةِ نَهْيِهِ اُبْتُلِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا وَكَانَ مَجُوسِيًّا؟ .
وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي ثُمَّ عُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَبِلَنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ» .
وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِي الْبُلُوغِ بِنَبَاتِ الْعَانَةِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَلَامَةُ بِالِاحْتِلَامِ، أَوْ بِأَنْ يَتِمَّ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً فِي رِوَايَةٍ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي رِوَايَةٍ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
تَمَّ أَبْوَابُ الْأَمَانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ آمَنَنَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ وَأَسْكَنَنَا دَارَ الْقَرَارِ.
[ ٥٩٢ ]