٥٨٧ - قَالَ: وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَأْسُ الْحِصْنِ فَقَالَ: آمِنُونِي عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْحِصْنِ عَلَى أَنْ أَفْتَحَهُ لَكُمْ. فَقَالُوا: لَك ذَلِكَ. فَفَتَحَ الْحِصْنَ. فَهُوَ آمِنٌ وَعَشَرَةٌ مَعَهُ.
لِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ نَصًّا بِقَوْلِهِ: آمِنُونِي. فَالْيَاءُ وَالنُّونُ يُكَنِّي بِهِمَا الْمُتَكَلِّمُ عَنْ نَفْسِهِ (ص ١٤٠)، وَقَوْلُهُ عَلَى عَشَرَةٍ، كَلِمَةُ عَشَرَةٍ لِلشَّرْطِ. وَقَدْ شَرَطَ أَمَانَ عَشَرَةٍ مُنَكَّرَةً مَعَ أَمَانِ نَفْسِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.
ثُمَّ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ إلَى رَأْسِ الْحِصْنِ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ، وَهُوَ لَيْسَ بِذِي حَظٍّ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي أَمَانِهِمْ، فَقَدْ اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ بِلَفْظٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلَيْسَ بِذِي حَظٍّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِأَمَانِهِمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا لِمَنْ تَنَاوَلَهُ الْأَمَانُ مِنْهُمْ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي الْمَجْهُولِ كَالْإِيجَابِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ وَجْهٍ.
٥٨٨ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: آمِنُوا لِي عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ. فَلَهُ
[ ٤٢١ ]
عَشَرَةٌ يَخْتَارُ أَيَّ عَشَرَةٍ شَاءَ. فَإِنْ اخْتَارَ عَشَرَةً هُوَ أَحَدُهُمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ اخْتَارَ عَشَرَةً سِوَاهُ فَالْعَشَرَةُ آمِنُونَ وَهُوَ فَيْءٌ.
لِأَنَّهُ مَا اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ عَيْنًا، وَإِنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ، وَلَكِنْ بِقَوْلِهِ لِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ ذَا حَظٍّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَا حَظٍّ عَلَى وَجْهِ مُبَاشَرَةِ الْأَمَانِ لَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ذُو حَظٍّ، عَلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعَيِّنُ لِلْعَشَرَةِ. وَنَفْسُهُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ كَنَفْسِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ نَصًّا.
٥٨٩ - فَإِنْ عَيَّنَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ صَارَ آمِنًا.
بِمَنْزِلَةِ التِّسْعَةِ الَّذِينَ عَيَّنَهُمْ مَعَ نَفْسِهِ.
٥٩٠ - وَإِنْ عَيَّنَ عَشَرَةً سِوَاهُ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانِ فِيهِمْ وَصَارَ هُوَ فَيْئًا.
كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ.
وَكَانَ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ: آمِنُوا لِأَجْلِي عَشَرَةً، وَأَوْجِبُوا لِي حَقَّ تَعْيِينِ عَشَرَةٍ تُؤَمِّنُونَهُمْ. وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: وَبَلَغَنَا نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ النجير.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْحَدِيثِ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ -.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْبِدَايَةُ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ بِأَنْ يَقُولَ: فَأَفْتَحُ لَكُمْ الْحِصْنَ عَلَى أَنِّي آمِنٌ عَلَى عَشَرَةٍ. أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ لِي عَشَرَةً آمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، فَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا.
[ ٤٢٢ ]
وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، أَوْ عَلَى أَنِّي آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ. فَهُوَ سَوَاءٌ، وَهُوَ آمِنٌ وَتِسْعَةٌ مَعَهُ.
لِأَنَّ حَرْفَ فِي لِلظَّرْفِ. فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ الْتَمَسَ الْأَمَانَ لَهُمْ. فَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ إلَّا تِسْعَةٌ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَ عَشَرَةً سِوَاهُ كَانَ هُوَ آمِنًا فِي أَحَدَ عَشَرَةَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَعَلَ الْعَشَرَةَ هُنَا ظَرْفًا لِنَفْسِهِ وَالْمَظْرُوفُ غَيْرُ الظَّرْفِ.
قُلْنَا: هُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الظَّرْفُ. وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ إلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَدُهُمْ وَيُجْعَلَ كَأَنَّهُ قَالَ: اجْعَلُونِي أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ تُؤَمِّنُونَهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنَى الظَّرْفِ حَقِيقَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى مَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى؛ ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أَوْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى عَلَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وَبِاعْتِبَارِ الْوَجْهَيْنِ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ سِوَاهُ.
قُلْنَا: الْكَلِمَةُ لِلظَّرْفِ حَقِيقَةً، فَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَدُهُمْ دَاخِلًا فِي عَدَدِهِمْ، فَلِهَذَا لَا نَحْمِلُهُ عَلَى الْمَجَازِ.
ثُمَّ الْخِيَارُ فِي التِّسْعَةِ الَّذِينَ مَعَهُ إلَى الْإِمَامِ هَا هُنَا، لَا إلَى رَأْسِ الْحِصْنِ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ أَحَدَ الْعَشَرَةِ، فَكَمَا لَا خِيَارَ لَهُ لِمَنْ سِوَاهُ مِنْ الْعَشَرَةِ فِي التَّعْيِينِ لَا خِيَارَ لَهُ. وَهَذَا لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانٍ الْعَشَرَةِ عَلَى أَنْ
[ ٤٢٣ ]
يَتَنَاوَلَهُ حُكْمُ أَمَانِهِمْ، لَا أَنْ يَكُونَ هُوَ مُعَيِّنًا لَهُمْ. وَقَدْ نَالَ مَا سَأَلَ. وَبَقِيَ الْإِمَامُ مُوجِبًا الْأَمَانَ لِتِسْعَةٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ فَإِلَيْهِ بَيَانُهَا.
٥٩٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي وَعَشَرَةً، أَوْ أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنِّي آمِنٌ أَنَا وَعَشَرَةٌ. فَالْأَمَانُ لَهُ وَلِعَشَرَةٍ سِوَاهُ.
لِأَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ. وَإِنَّمَا يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ.
فَفِي كَلَامِهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ هَا هُنَا
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِصْنِ إلَّا ذَاكَ الْعَدَدُ (ص ١٤١) أَوْ أَقَلُّ، فَهُمْ آمِنُونَ كُلُّهُمْ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ بِذِكْرِ الْعَدَدِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَانِ لَهُمْ بِالْإِشَارَةِ إلَى أَعْيَانِهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ كَثِيرًا فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ إلَى الْإِمَامِ.
؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ، وَإِنَّمَا عَطَفَ أَمَانَهُمْ عَلَى أَمَانِ نَفْسِهِ. فَكَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْأَمَانِ لَهُمْ فَإِلَيْهِ التَّعْيِينُ.
وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ الْعَشَرَةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فَلَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ.
٥٩٣ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي بِعَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، كَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ: وَعَشَرَةً، سَوَاءٌ.
[ ٤٢٤ ]
لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، فَقَدْ أَلْصَقَ أَمَانَ الْعَشَرَةِ بِأَمَانِهِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْعَشَرَةُ سِوَاهُ. وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ زَلَّ بِهِ قَلَمُ الْكَاتِبِ وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ (آمِنُونِي فَعَشَرَةً) .
لِأَنَّ الْفَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْوَصْلَ وَالتَّعْقِيبَ، فَيَسْتَقِيمُ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ أَمِّنُونِي وَعَشَرَةً. فَأَمَّا الْبَاءُ فَتَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَمِّنُونِي بِعَشَرَةٍ؛ بِمَعْنَى عَشَرَةً أُعْطِيكُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِي. وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَسَائِلِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُ: أَمِّنُونِي فَعَشَرَةً.
٥٩٤ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي ثُمَّ عَشَرَةً. كَانَ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءً، فَالْعَشَرَةُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَيْضًا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فَعَشَرَةً؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ مُطْلَقًا ثُمَّ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ عَلَى وَجْهِ التَّعْقِيبِ بِلَا مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ إنَّمَا هُوَ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي.
٥٩٥ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُوا لِي عَشَرَةً، فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.
لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ، وَإِنَّمَا الْتَمَسَ الْأَمَانَ بِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ.
فَكَأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ فَقَالَ: عَشَرَةٌ مِنْكُمْ آمِنُونِي عَلَى أَنْ يَفْتَحُوا. فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ. إنْ شَاءَ جَعَلَ الْمُتَكَلِّمَ أَحَدَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْعَلْ.
٥٩٦ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي مَعَ عَشَرَةٍ، فَالْعَشَرَةُ سِوَاهُ
[ ٤٢٥ ]
لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلضَّمِّ وَالْقِرَانِ. وَإِنَّمَا يُضَمُّ الشَّيْءُ إلَى غَيْرِهِ لَا إلَى نَفْسِهِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.
وَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.
لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَبْهَمَ الْإِيجَابَ وَالْمُتَكَلِّمُ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِ الْعَشَرَةِ.
٥٩٧ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ حِصْنِي. فَهَذَا وَقَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، سَوَاءٌ. وَالْأَمَانُ لَهُ وَلِتِسْعَةٍ يَخْتَارُهُمْ الْإِمَامُ.
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعْرِفَةً بِإِضَافَةِ الْحِصْنِ إلَى نَفْسِهِ؛ وَالْعَشَرَةُ مُنَكَّرَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَعْرِفَةُ فِي النَّكِرَةِ.
كَمَا قَالَ فِي " الْجَامِعِ ": إنْ دَخَلَ دَارِي هَذِهِ أَحَدٌ فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَدَخَلَهَا هُوَ لَمْ يَحْنَثْ.
قُلْنَا: هُوَ مَعْرِفَةٌ هُنَا بِإِضَافَةِ الْأَمَانِ إلَى نَفْسِهِ قَبْلَ إضَافَةِ الْحِصْنِ إلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ آمِنُونِي. وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ (فِي) .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لِلظَّرْفِ. وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ. وَالْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ هَا هُنَا مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ كَغَيْرِهِ.
٥٩٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، أَوْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ بَنِي أَبِي، كَانَ هُوَ وَتِسْعَةً سِوَاهُ.
لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَالْمُرَادُ بَيْتُ النَّسَبِ. وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ بَنِي أَبِيهِ.
فَكَانَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الظَّرْفِ هَا هُنَا مُمْكِنًا، فَلِهَذَا كَانَ الْأَمَانُ بِعَشَرَةٍ مِمَّنْ سَمَّاهُمْ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَالْبَيَانُ إلَى الْإِمَامِ.
٥٩٩ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ إخْوَانِي، فَهُوَ آمِنٌ وَعَشَرَةٌ سِوَاهُ مِنْ إخْوَانِهِ.
[ ٤٢٦ ]
لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِمَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ الظَّرْفِ هُنَا. وَالْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ مِنْ إخْوَانِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ حَرْفُ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ، كَمَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الْكَلِمَةِ وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَارَفٌ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ الْمَجَازِ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ.
٦٠٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ وَلَدِي.
؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ وَلَدِ نَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَمِّنُوا عَشَرَةً مِنْ إخْوَانِي أَنَا فِيهِمْ، أَوْ قَالَ: عَشَرَةً مِنْ أَوْلَادِي أَنَا مِنْهُمْ فَالْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ سِوَاهُ. (ص ١٤٢) .
٦٠١ - وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَنَا فِيهِمْ، أَوْ عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ حِصْنِي أَنَا فِيهِمْ، فَالْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ وَهُوَ أَحَدُهُمْ.
لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْفَرْقِ.
٦٠٢ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ بَنِيَّ، فَهُوَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ بَنِيهِ سِوَاهُ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ.
٦٠٣ - فَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا كُلُّهُمْ أَوْ مُخْتَلِطِينَ فَالْإِمَامُ يُعَيِّنُ أَيَّ عَشَرَةٍ شَاءَ مِنْ ذُكُورِهِمْ أَوْ إنَاثِهِمْ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَكَرٌ فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ، سِوَى الرَّجُلِ الْمُسْتَأْمَنِ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِبَنِيهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ هَذَا الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ.
[ ٤٢٧ ]
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ فَعَيَّنَ الْإِمَامُ عَشَرَةً مِنْ الْإِنَاثِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ اسْمُ الْبَنِينَ فَكَيْفَ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ مَا آمَنَ عَشَرَةً وَهُمْ بَنُوهُ، وَإِنَّمَا آمَنَ عَشَرَةً هُمْ مِنْ بَنِيهِ.
وَعِنْدَ الِاخْتِلَاطِ الْبَنَاتُ الْعَشَرَةُ هُمْ عَشَرَةُ مِنْ بَنِيهِ. فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَهُمْ.
فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الِاخْتِلَاطِ فَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ لَسْنَ مِنْ بَنِيهِ فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُهُنَّ الْأَمَانُ؟ .
٦٠٤ - وَلَوْ كَانُوا بَنِينَ وَبَنَاتٍ، وَبَنِي بَنِينَ وَبَنِي بَنَاتٍ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ عَشَرَةً: إنْ شَاءَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَإِنْ شَاءَ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ بَنِي الْبَنِينَ فِي الْأَمَانِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْبَنِينَ اسْتِحْسَانًا.
ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ " بَنِي الْبَنَاتِ "، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ، وَالصَّحِيحُ: بَنَاتِ الْبَنِينَ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ يُطْلَقُ اسْمُ الْبَنِينَ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنِينَ. وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ.
إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ إخْوَانِي وَلَهُ أَخَوَاتٌ مُنْفَرِدَاتٌ وَبَنُو إخْوَةٍ فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْإِخْوَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَخَوَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ وَلَا بَنِي الْإِخْوَةِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، بِخِلَافِ بَنِي الْبَنِينَ. فَالِاسْمُ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُهُمْ مَجَازًا، فَإِذَا اخْتَلَطَ ابْنُ الِابْنِ بِالْبَنَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ يَتَنَاوَلُهُمْ اسْمُ الْبَنِينَ مَجَازًا.
٦٠٥ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِي. فَالْعَشَرَةُ سِوَاهُ.
لِأَنَّ أَصْحَابَهُ غَيْرُهُ، وَلَا وَجْهَ لِإِعْمَالِ حَرْفِ " فِي " هَا هُنَا لِلظَّرْفِ.
٦٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ رَقِيقِي، أَوْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ مَوَالِي.
[ ٤٢٨ ]
وَلَوْ نَظَرَ الْإِمَامُ إلَى فَارِسٍ مِنْهُمْ فَقَالَ: أَنْتَ آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ مِنْ فُرْسَانِكُمْ. فَهُوَ آمِنٌ وَتِسْعَةٌ سِوَاهُ.
فَإِنَّ حَرْفَ " فِي " هَا هُنَا لِلظَّرْفِ. فَإِنَّهُ بِصِفَةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ آمَنَهُمْ الْإِمَامُ.
فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هُوَ أَحَدُهُمْ.
٦٠٨ - وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ مِنْ الرَّجَّالَةِ. فَالْعَشَرَةُ مِنْ الرَّجَّالَةِ سِوَاهُ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةِ الْعَشَرَةِ، فَإِنَّهُ فَارِسٌ، فَعَرَفْنَا أَنَّ حَرْفَ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ هُنَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى عَكْسِ هَذَا.
قَالَ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي هَذَا بِمَا عَلَيْهِ كَلَامُ النَّاسِ.
يَعْنِي الَّذِي سَبَقَ إلَى فَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ.
٦٠٩ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشْرٍ مِنْ بَنَاتِي، وَلَهُ بَنُونَ، فَالْأَمَانُ، لِلْبَنَاتِ خَاصَّةً.
لِأَنَّ اسْمَ الْبَنَاتِ لَا يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ بِحَالٍ.
٦١٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ بَنَاتُ بَنِينَ، فَهُوَ عَلَيْهِنَّ دُونَ الْبَنِينَ.
لِأَنَّ اسْمَ الْبَنَاتِ لَا يَتَنَاوَلُهُنَّ مَجَازًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَنَاتُ بَنَاتٍ، فَلَيْسَ يَدْخُلْنَ فِي الْأَمَانِ.
[ ٤٢٩ ]
وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يُنْسَبُونَ إلَى آبَائِهِمْ لَا إلَى أَبِي أُمِّهِمْ. إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى مُقَدِّمَةٌ بِأَنْ يَقُولَ: لِي بَنَاتُ بَنَاتٍ، وَقَدْ مَاتَتْ أُمَّهَاتُهُنَّ، فَأَمِّنُونِي فِي بَنَاتِي. فَحِينَئِذٍ يُعْرَفُ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لَهُنَّ.
وَالرُّجُوعُ إلَى دَلَالَةِ الْحَالِ لِمَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ بِالْكَلَامِ أَصْلٌ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ.
٦١١ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي مَوَالِيَّ. وَلَهُ مَوَالٍ وَمَوَالِي مَوَالٍ، كَانُوا آمِنِينَ اسْتِحْسَانًا.
لِأَنَّ الِاسْمَ لِمُعْتِقِهِ حَقِيقَةً، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَحْيَاهُمْ بِالْإِعْتَاقِ حُكْمًا. أَوْ لِمُعْتِقِ مُعْتِقِهِ مَجَازًا، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حِينَ جَعَلَ الْمُعْتِقِينَ أَهْلًا لِإِيجَابِ الْعِتْقِ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِعْتَاقِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمَانَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ صُورَةِ اللَّفْظِ يَكْفِي لِثُبُوتِ حَقْنِ الدَّمِ بِهِ احْتِيَاطًا، وَإِنَّمَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَأَمَّا فِي مَحَلَّيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ (ص ١٤٣) الْمَجَازُ مُعَارِضًا لِلْحَقِيقَةِ فِي إدْخَالِ الْجِنْسِ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِيقَةِ، وَفِي الْأَمَانِ لَا يُؤَدِّي إلَى هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ. وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى؛ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] حَتَّى يَتَنَاوَلَ الْأُمَّ وَالْجَدَّاتِ جَمِيعًا.
٦١٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي مَوَالِيَّ. وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُ وَمَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ، فَالْأَمَانُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَرِيقَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ.
لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ طَلَبِ الْأَمَانِ لِلْأَعْلَى مُجَازَاتُهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَلِلْأَسْفَلِ التَّرَحُّمُ وَالزِّيَادَةُ فِي الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ. وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَغَايَرَانِ. وَلَا عُمُومَ
[ ٤٣٠ ]
لِلِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ اجْتِمَاعُ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَغَايِرَيْنِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. فَلِهَذَا كَانَ الْأَمَانُ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ كَالْوَصِيَّةِ، إلَّا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمَجْهُولِ لَا تَصِحُّ، فَكَانَتْ بَاطِلَةً بِهَذَا اللَّفْظِ. وَالْأَمَانُ لِلْمَجْهُولِ صَحِيحٌ.
فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مَا نَوَاهُ الَّذِي أَمَّنَهُمْ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
فَإِنْ قَالَ: مَا نَوَيْت شَيْئًا. فَهُمْ جَمِيعًا آمِنُونَ اسْتِحْسَانًا.
لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ عَمَّهُمْ فَالْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمَانَ يَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يُعْرَفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ. وَعِنْدَ اخْتِلَاطِ الْمُسْتَأْمَنِ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ احْتِيَاطًا كَمَا بَيَّنَّا.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِيَارُ التَّعْيِينِ إلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْمَجْهُولِ، فَإِلَيْهِ الْبَيَانُ.
قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ غَيْرُ الْمُجْمَلِ. وَاللَّفْظُ الَّذِي أَوْجَبَ الْأَمَانَ هُنَا لَيْسَ بِمُجْمَلٍ حَتَّى يَرْجِعَ فِي الْبَيَانِ إلَى الْمُجْمَلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرَكٌ. بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ، كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
وَفِي مِثْلِ هَذَا لَا بَيَانَ لِلْمُوجِبِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْبَيَانُ بِالتَّأَمُّلِ فِي صِفَةِ الْكَلَامِ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ كَانُوا جَمِيعًا آمِنِينَ، لِاخْتِلَاطِ الْمُسْتَأْمَنِ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ. وَهَذَا لِأَنَّ بَيَانَ الْمُشْتَرَكِ بِمَا يَكُونُ مُقَارِنًا. فَأَمَّا مَا يَكُونُ طَارِئًا فَهُوَ نَسْخٌ، فَلَا جَرَمَ إذَا قَالَ: نَوَيْت الْأَسْفَلِينَ أَوْ الْأَعْلَيْنَ، كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا.
لِأَنَّهُ بَيَانٌ بِمَا اقْتَرَنَ بِالْكَلَامِ. فَأَمَّا إذَا قَالَ: أَخْتَارُ الْآنَ، فَهَذَا لَيْسَ بِبَيَانٍ، إنَّمَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّسْخِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ.
[ ٤٣١ ]
وَإِنْ قَالَ الْمُتَكَلِّمُ: أَنَا نَوَيْت الْأَسْفَلَيْنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: أَنَا نَوَيْت الْأَعْلَيْنَ. فَهُوَ عَلَى مَا عَنَى الْإِمَامُ.
لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ بِالصِّيغَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: آمِنِّي عَلَى قَرِيبِي عَبَّاسِ بْنِ عُمَرَ. فَقَالَ: آمَنْتُك. وَلَهُ قَرِيبَانِ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَذَا الِاسْمِ. فَقَالَ الْإِمَامُ: عَنَيْتُ هَذَا. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: عَنَيْت الْآخَرَ. كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا عَنَى الْإِمَامُ.
وَإِنْ قَالَ الْأَمِيرُ: لَمْ أَعْنِ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ كَذَلِكَ فَهُمَا آمِنَانِ. لِاخْتِلَاطِ مَنْ صَارَ آمِنًا بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ.
وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: عَنَيْت هَذَا. وَقَالَ الْأَمِيرُ: لَمْ أَعْنِ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ، إنَّمَا أَجَبْته إلَى مَا طَلَبَ. فَالْأَمَانُ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَأْمَنُ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ بَنَى الْإِيجَابَ عَلَى كَلَامِهِ، وَأَحَدُهُمَا فِي ذَلِكَ عُيِّنَ بِإِرَادَةِ الْمُسْتَأْمَنِ إيَّاهُ. فَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْمُعَيَّنِ فِي جَوَابِ الْإِمَامِ أَيْضًا.
٦١٤ - وَلَوْ قَالَ: آمِنِّي عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ مَوَالِي الْأَسْفَلِينَ. فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْمُسْتَأْمَنِ هُنَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ حِصْنِي.
لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ، بِذِكْرِ كَلِمَةِ الشَّرْطِ بَعْدَ أَمَانِ نَفْسِهِ.
٦١٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّي. فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ إذَا كَانَ لَهُ ابْنَا عَمٍّ.
وَلَوْ قَالَ: عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّي زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو. فَإِذَا كَانَ لَهُ ابْنَا عَمٍّ كُلُّ وَاحِدٍ
[ ٤٣٢ ]
مِنْهُمَا بِهَذَا الِاسْمِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْتَأْمَنُ وَاَلَّذِي أَمَّنَ أَنَّهُمَا لَمْ يُعَيِّنَا وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَهُمَا آمِنَانِ.
لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ كَالتَّعْرِيفِ بِالْإِشَارَةِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ الْأَمَانُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّا لَا نَعْرِفُهُ (ص ١٤٤)، فَاخْتَلَطَ الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ. وَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا أَوْجَبَ الْأَمَانَ فِي مُنَكَّرٍ مَجْهُولٍ. فَكَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ مِنْ عَبِيدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ.
٦١٦ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي عَشَرَةِ أَنْفُسٍ مِنْ بَنِيَّ. فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا. إلَّا أَنَّ هُنَا لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَيِّنَ عَشَرَةً مِنْ بَنَاتِهِ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ.
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ هُمْ بَنُوهُ. وَهَذَا لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ أَوْجَبَ الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ هُمْ مِنْ بَنِيهِ، وَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ مِنْ بَنِيهِ إذَا كَانَ لَهُ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ.
٦١٧ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى مَوَالِيَّ. وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مُوَالِيَاتٌ إنَاثٌ لَا ذَكَرَ فِيهِنَّ. فَهُنَّ آمِنَاتٌ مَعَهُ اسْتِحْسَانًا
وَفِي الْقِيَاسِ هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْبَنِينَ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: ٦١٨ - وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَسْتَجِيزُونَ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَوَالِي عَلَى الْإِنَاثِ
[ ٤٣٣ ]
الْمُفْرَدَاتِ، وَيَعُدُّونَ قَوْلَ الْقَائِلِ مَوَالِيَاتٍ مِنْ بَابِ التَّكَلُّفِ، بَلْ يَقُولُونَ لِلْمُعْتَقَاتِ: هُنَّ مَوَالِي بَنِي فُلَانٍ، كَمَا يَقُولُونَ لِلْمُعْتَقِينَ، وَلِلْعُرْفِ عِبْرَةٌ فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ بِالِاسْمِ.
فَلِهَذَا تَنَاوَلَ هَذَا اللَّفْظُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ فِي الْأَمَانِ وَالْوَصِيَّةِ بِخِلَافِ اسْمِ الْإِخْوَةِ وَالْبَنِينَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٤٣٤ ]