٧٢١ -
[ ٤٨٠ ]
٥٨ - بَابُ السَّرِيَّةِ تُؤَمِّنُ أَهْلَ الْحِصْنِ ثُمَّ تَلْحَقُهَا السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى قَالَ: وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً صَالَحُوا أَهْلَ حِصْنٍ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ صَحَّ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ لَوْ أَمَّنُوهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ جَازَ فَمَعَ الْعِوَضِ أَجَوْزُ؛ لِأَنَّ فِي الْأَمَانِ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاص.
٧٢٢ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرُوا بَعْدَ هَذَا الصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُمْ خَصُّوا بِالْأَمَانِ أَهْلَ الْحِصْنِ. وَدَخَلَ فِي أَمَانِهِمْ أَمْتِعَتُهُمْ وَمَوَاشِيهِمْ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُمْ، لِيُقِيمُوا فِي حِصْنِهِمْ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرِضُوا لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا مَا كَانُوا أَخَذُوهُ قَبْلَ الصُّلْحِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ صَارَ غَنِيمَةً لَهُمْ، وَمَا أَمَّنُوهُمْ لِيَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الْغَنَائِمَ إنَّمَا أَمَّنُوهُمْ لِيَتْرُكُوا التَّعَرُّضَ لِأَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ خَرَجَ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهِمْ.
[ ٤٨١ ]
فَإِنْ مَضَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَدَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَى الْحِصْنِ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ الصُّلْحِ، وَشَهِدَ عَلَى ذَلِكَ عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِأَهْلِ الْحِصْنِ بِشَيْءٍ.
لِأَنَّ عَقْدَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى نَافِذٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً. قَالَ - ﵇ -: «الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ يَعْقِدُ عَلَيْهِمْ أَوْلَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» .
قِيلَ الْمُرَادُ بِعَقْدِ أَوَّلِ السَّرَايَا الْأَمَانُ. فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
٧٢٤ - وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ حُكْمُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى، وَهُمْ لَوْ رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِأَهْلِ الْحِصْنِ بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ الْمَقْبُوضَةِ عَلَيْهِمْ. فَكَذَلِكَ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ الَّتِي أَخَذَهَا أَصْحَابُهُمْ ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ.
وَهَذَا لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا الدَّنَانِيرَ لِيَأْمَنُوا إلَى وَقْتِ خُرُوجِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَمَا لَمْ يَخْرُجُوا كَانُوا فِي أَمَانٍ.
وَلَوْ قَاتَلْنَاهُمْ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ الدَّنَانِيرِ كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ وَغُرُورٌ وَهُوَ حَرَامٌ.
وَإِنْ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ الْتَقَوْا هُمْ وَالسَّرِيَّةُ
[ ٤٨٢ ]
الْأُولَى فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي أَخَذَتْهَا السَّرِيَّةُ الْأُولَى.
لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَنِيمَةٌ. وَقَدْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَذَلِكَ سَبَبُ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ فِيهَا.
إلَّا أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ إنْ كَانُوا غَرِمُوا الدَّنَانِيرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَخَذُوهَا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
لِأَنَّهُمْ تَوَصَّلُوا إلَى هَذِهِ الْأَمْوَالِ بِرَدِّ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ، وَمَا كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانُوا مُتَطَرِّقِينَ بِهَا إلَى الْوُصُولِ إلَى هَذِهِ الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ حَقُّهُمْ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْغَانِمِينَ.
ثُمَّ الْبَاقِي مَقْسُومٌ بَيْنَ الْكُلِّ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. فَإِنْ كَانُوا غَرِمُوهَا مِنْ غَنِيمَةٍ أَصَابُوهَا لَمْ يَأْخُذُوهَا؛ لِأَنَّ مَا أَدَّوْا مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا تَوَصَّلُوا بِهِ إلَى أَخْذِهِ.
وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَضَى بَعْضُ الْوَرَثَةِ دَيْنًا بِهِ رَهْنٌ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ. فَإِنْ قَضَاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ رَجَعَ بِهِ عَلَى التَّرِكَةِ، وَإِنْ قَضَاهُ مِنْ التَّرِكَةِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْهُ.
٧٢٥ - وَإِنْ لَمْ تَلْتَقِ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَلِمَتْ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى الدَّنَانِيرُ الَّتِي أَخَذُوهَا وَلِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ غَنَائِمُهُمْ الَّتِي غَنِمُوا
[ ٤٨٣ ]
لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَّ بِإِحْرَازِ ذَلِكَ بِدَارِنَا.
وَلَيْسَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَأْخُذُوا الدَّنَانِيرَ مِنْ السَّرِيَّةِ الْأُولَى. وَإِنْ غَرِمُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
لِأَنَّهُمْ اخْتَصُّوا بِمَنْفَعَةِ مَا أَدَّوْا حِينَ سَلِمَتْ لَهُمْ غَنَائِمُ أَهْلِ الْحِصْنِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَقَدْ اشْتَرَكَتْ السَّرِيَّتَانِ هُنَاكَ فِي الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ غَنَائِمُ أَهْلِ الْحِصْنِ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ. فَهُنَاكَ رُجُوعُهُمْ فِي غَنَائِمِ أَهْلِ الْحِصْنِ خَاصَّةً، وَهُنَا غَنَائِمُ أَهْلِ الْحِصْنِ سَالِمَةٌ لَهُمْ.
٧٢٦ - وَإِنْ لَمْ تَظْفَرْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِالْحِصْنِ فَالْتَقَوْا مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَكُنْ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ دَنَانِيرِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَحْرَزُوا بِدَارِنَا مِنْ الْغَنَائِمِ.
؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى فِيمَا رَدُّوا مِنْ الدَّنَانِيرِ حِينَ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهَا إلَى غَنَائِمِ أَهْلِ الْحِصْنِ فَكَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِي حَقِّهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْغُنْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُرْمِ. فَإِذَا ظَهَرَتْ الْمَنْفَعَةُ لَهُمْ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَا رَدُّوا مِنْ الدَّنَانِيرِ، نَفَذَ الرَّدُّ فِي حَقِّ الْكُلِّ. وَإِذَا لَمْ تَظْهَرْ الْمَنْفَعَةُ لَا يَنْفُذُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الَّذِينَ رَدُّوا.
٧٢٧ - وَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ غَنِمَتْ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ فَأَرَادُوا أَخْذَ دَنَانِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ هَذِهِ الْغَنَائِمَ كَانُوا يَتَوَصَّلُونَ إلَيْهَا بِدُونِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ، فَلَا يَظْهَرُ حُكْمُ رَدِّ الدَّنَانِيرِ فِي حَقِّهَا، كَمَا لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُولَى،
[ ٤٨٤ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا غَنِمُوا مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، فَإِنَّ وُصُولَهُمْ إلَى تِلْكَ الْغَنَائِمِ بِاعْتِبَارِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ فَيَرْفَعُونَ دَنَانِيرَهُمْ مِنْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
٧٢٨ - وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ أَخْبَرُوا السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بِالْأَمَانِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُمْ. وَلَكِنْ قَاتَلُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ عَلِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَمَانِ فَعَلَيْهِمْ رَدُّ مَا أَخَذُوا وَضَمَانُ مَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَدِيَاتُ مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ.
لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ، وَأَنَّ نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ كَانَتْ مَعْصُومَةً مُتَقَوِّمَةً. فَكُلُّ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا فَإِنَّمَا قَتَلَهُ خَطَأً، فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
بَلَغَنَا أَنَّ «رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ جَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُسْتَأْمِنَيْنِ فَأَجَازَهُمَا بِحُلَّتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَهُمَا قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُمَا. ثُمَّ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ، فَعَرَفَهُمَا وَعَرَفَ الْحُلَّتَيْنِ، فَوَدَاهُمَا بِدِيَةِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ» هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - الْحَدِيثَ.
وَفِي كُتُبِ الْمَغَازِي أَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا مِنْ بَنِي عَامِرٍ. قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ حِين انْصَرَفَ مِنْ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَقَدْ فَعَلَ بَنُو عَامِرٍ بِأَصْحَابِهِ مَا فَعَلُوا.
[ ٤٨٥ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ قَالُوا لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى: آمِنُونَا أَنْتُمْ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُؤَمِّنُونَهُمْ، سَوَاءٌ صَرَّحُوا بِقَوْلِهِمْ أَنْتُمْ أَوْ لَمْ يُصَرِّحُوا.
٧٣٠ - وَلَوْ قَالُوا: عَلَى أَنْ لَا تَعْرِضُوا أَنْتُمْ لَنَا حَتَّى تَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ، فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحِصْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا.
لِأَنَّهُمْ إنَّمَا اسْتَأْمَنُوا مِنْهُمْ خَاصَّةً لِيُزِيلُوا تَعَرُّضَهُمْ عَنْهُمْ. وَمَقْصُودُهُمْ مِنْ أَدَاءِ الدَّنَانِيرِ هُنَا أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْهُمْ السَّرِيَّةُ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهِمْ، وَقَدْ حَصَلَ هَذَا الْمَقْصُودُ لَهُمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ الْتَمَسُوا أَمَانًا عَامًّا إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ.
وَكَمَا أَنَّ الْأَمَانَ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِالْوَقْتِ، يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ مِنْ حَيْثُ السَّرَايَا، إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُوجِبَ اللَّفْظِ الْعُمُومُ، وَعِنْدَ التَّنْصِيصِ عَلَى مَا يُوجِبُ الْخُصُوصَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ خَاصَّةً
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْأَمَانِ الْعَامِّ فَقَالَ: ٧٣١ - إنْ خَرَجَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى قَبْلَ وُصُولِ الثَّانِيَةِ إلَى أَهْلِ الْحِصْنِ. ثُمَّ وَصَلُوا إلَيْهِمْ فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحِصْنِ مِنْ غَيْرِ نَبْذِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ.
[ ٤٨٦ ]
لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ لَهُمْ إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ خُرُوجُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَانْتَهَى الْأَمَانُ بِوُجُودِ الْغَايَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِيَّةَ الْأُولَى لَوْ عَادُوا إلَيْهِمْ بَعْدَ مَا خَرَجُوا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ؟ فَكَذَلِكَ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ.
٧٣٢ - وَلَوْ كَانَ خَرَجَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ خُرُوجُ الْأَمِيرِ مَعَ جَمَاعَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ لَهُمْ الْمَنَعَةُ.
لِأَنَّ الْبَاعِثَ لِأَهْلِ الْحِصْنِ عَلَى الْتِمَاسِ الصُّلْحِ وَأَدَاءِ الدَّنَانِيرِ خَوْفُهُمْ مِنْ السَّرِيَّةِ، وَذَلِكَ كَانَ بِاعْتِبَارِ جَمَاعَتِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ.
وَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - أَنَّهُ وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ بِدُونِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ.
لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِجُمْلَةٍ يَبْقَى بِبَقَاءِ الْوَاحِدِ، كَمَا قَالَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي ارْتَدَّ أَهْلُهَا وَبَقِيَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنٌ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ دَارَ الْحَرْبِ. وَلَكِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ هَا هُنَا لِأَجْلِ التَّعَذُّرِ. أَرَأَيْت لَوْ قُتِلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَوْ مَاتَ أَوْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ أَلَمْ يَحِلَّ قِتَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ أَيْضًا بَعْدَ خُرُوجِ الْجَمَاعَةِ؟ .
٧٣٣ - وَلَوْ لَمْ تَخْرُجْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى وَلَكِنَّهُمْ قُتِلُوا حَلَّ قِتَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ أَيْضًا.
؛ لِأَنَّهُمْ إذَا قُتِلُوا فَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا. يَعْنِي أَنَّ أَهْلَ الْحِصْنِ يَأْمَنُونَ جَانِبَهُمْ إذَا قُتِلُوا فَوْقَ مَا يَأْمَنُونَ جَانِبَهُمْ إذَا خَرَجُوا.
[ ٤٨٧ ]
وَإِنْ قُتِلَ مِنْهُمْ نَاسٌ وَبَقِيَ نَاسٌ فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمَنَعَةُ كَمَا فِي الْخُرُوجِ. فَإِنْ كَانَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَا مَنَعَةَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ.
وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ مَا لَمْ يَخْرُجْ هَؤُلَاءِ إلَى دَارِنَا. .
وَلَوْ كَانُوا صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ هَذِهِ السَّنَةَ فَهَذَا جَائِزٌ.
لِأَنَّهُمْ وَقَّتُوا الْأَمَانَ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ يَقِينًا، وَلَوْ وَقَّتُوهُ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَهُوَ خُرُوجُهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، جَازَ، فَفِيمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَجَوْزُ. ثُمَّ لَمَّا عَرَّفُوا السَّنَةَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَنْصَرِفُ إلَى السَّنَةِ الْمَعْهُودَةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا، وَمُضِيُّهَا انْقِضَاءُ ذِي الْحِجَّةِ، حَتَّى إذَا كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا شَهْرًا فَلَهُمْ ذَلِكَ خَاصَّةً.
٧٣٥ - وَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا صَالَحْنَاكُمْ عَلَى مَا نَحْسِبُ نَحْنُ عَلَيْهِ السَّنَةَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ الَّذِينَ أَعْطَوْهُمْ الْأَمَانَ، وَالْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يَكُونُ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مَا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُمْ. فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا نَعْرِفُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ﴾ [يونس: ٥] . إلَّا أَنْ يَكُونُوا بَيَّنُوا ذَلِكَ فِي صُلْحِهِمْ فَحِينَئِذٍ الشَّرْطُ أَمْلَكُ.
٧٣٦ - وَإِنْ قَالُوا: لَنَا سَنَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ وَقْتِ الصُّلْحِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ.
[ ٤٨٨ ]
لِأَنَّهُمْ قَالُوا: هَذِهِ السَّنَةُ، وَاثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مُدَّةُ سَنَةٍ مُنَكَّرَةٍ لَا سَنَةٍ مُعَرَّفَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ يَنْصَرِفُ نَذْرُهُ إلَى سَنَةٍ كَامِلَةٍ؟ وَلَوْ قَالَ: صَوْمُ السَّنَةِ يَنْصَرِفُ إلَى بَقِيَّةِ السَّنَةِ وَمُضِيُّهَا انْقِضَاءُ ذِي الْحِجَّةِ.
٧٣٧ - وَإِنْ قَالُوا: عَنَيْنَا هَذِهِ السَّنَةَ إلَى انْصِرَافِكُمْ مِنْ صَائِفَتِكُمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا مَا هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْأَفْهَامِ، وَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْ ذِكْرِ السَّنَةِ الْمُدَّةُ دُونَ الِانْصِرَافُ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا.
٧٣٨ - فَإِنْ بَيَّنُوا فِي الصُّلْحِ فَهُوَ عَلَى مَا بَيَّنُوا. وَإِنْ قَالُوا: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونَا سَنَةً، فَهَذَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ وَقْتِ الصُّلْحِ.
؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا سَنَةً مُنَكَّرَةً، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] يَعْنِي شُهُورَ السَّنَةِ.
٧٣٩ - وَلَوْ قَالُوا: نُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونَا عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَمْ يُوَقِّتُوا وَقْتًا، فَهَذَا عَلَى خُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَبِمَا يُعْلَمُ مِنْ مَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَعْدَ مَا أَحَاطَتْ بِهِمْ السَّرِيَّةُ يُعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَهُمْ بِهَذَا الصُّلْحِ الْأَمْنُ مِنْ الْخَوْفِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِخُرُوجِ السَّرِيَّةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَكَأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِهَذَا وَقَالُوا: آمِنُونَا حَتَّى تَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
[ ٤٨٩ ]
فَإِنْ خَرَجُوا ثُمَّ عَادُوا، هُمْ أَوْ غَيْرُهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحِصْنِ مِنْ غَيْرِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ لَهُمْ مُطْلَقٌ. وَالْمَقْصُودُ الَّذِي ذَكَرْنَا يَرْجِعُ إلَى مَا أَدَّوْا مِنْ الدَّنَانِيرِ. فَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ تَتِمُّ سَلَامَةُ الدَّنَانِيرِ لَهُمْ إذَا خَرَجُوا، وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْأَمَانِ مُطْلَقًا لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ مَا لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، كَمَا لَوْ أَمَّنُوهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ: فَهُنَاكَ الْأَمَانُ مُؤَقَّتٌ نَصًّا، فَلَا يَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ.
٧٤١ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ بَعَثَ إلَيْهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَنْ يَدْعُوهُمْ إلَى الصُّلْحِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى مَالٍ مُطْلَقًا. ثُمَّ بَدَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا مِنْهُمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
لِأَنَّ هُنَاكَ مَقْصُودُهُمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ إزَالَةُ الْخَوْفِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ، وَهَا هُنَا مَا حَلَّ بِهِمْ خَوْفٌ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ هَا هُنَا تَحْصِيلُ الْأَمْنِ لَهُمْ مُطْلَقًا، حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِجَانِبِهِمْ. وَالْمُطْلَقُ فِيمَا يَحْتَمِلُ التَّأْيِيدَ بِمَنْزِلَةِ الْمُصَرَّحِ بِذِكْرِ التَّأْيِيدِ.
فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: آمِنُونَا أَبَدًا. فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ إلَّا بَعْدَ رَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِمْ.
٧٤٢ - فَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الَّتِي أَحَاطَتْ بِالْحِصْنِ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا شَيْئًا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ مَا دَامُوا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ.
[ ٤٩٠ ]
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ غَيْرُ تِلْكَ السَّرِيَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ تِلْكَ السَّرِيَّةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُمْ عِنْدَ بَذْلِ الْمَالِ شَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ. وَهَذَا اللَّفْظُ يَخُصُّهُمْ دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
٧٤٣ - وَمِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَأْمَنُوا جَانِبَهُمْ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَتِمُّ بِخُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيَتِمُّ سَلَامَةُ الدَّنَانِيرِ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ.
٧٤٤ - فَإِنْ عَادُوا إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ رَدُّ الدَّنَانِيرِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.
لِأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحِصْنِ أَمَانًا خَاصًّا، وَلَكِنْ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ نَصًّا. وَقَدْ قُلْنَا إنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَمَانِ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ قَبْلَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ.
٧٤٥ - فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ، حَتَّى أَغَارُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ وَأَخَذُوا مِنْهُمْ مَالًا رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا.
لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ حَتَّى يُنْبَذَ إلَيْهِمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا أُحِلُّ لَكُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُعَاهَدِينَ» .
٧٤٦ - وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعَثَ ثَلَاثَةَ عَسَاكِرَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
[ ٤٩١ ]
فَبَعَثَ أَهْلُ حِصْنٍ لَمْ يَأْتِهِ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ إلَى أَمِيرِ عَسْكَرٍ مِنْ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ أَنْ آمِنُوا أَهْلَ حِصْنِ كَذَا - عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنْهُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا مِنْ غَزَاتِكُمْ هَذِهِ - عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ. وَتَرَاضَوْا عَلَى هَذَا، فَلَيْسَ لِلْعَسْكَرَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَلَا لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَدْخُلُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، حَتَّى تَرْجِعَ الْعَسْكَرُ الثَّلَاثَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّ هَذَا الْأَمَانَ نَافِذٌ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ أَهْلِ الْحِصْنِ بِهَذَا أَنْ يَأْمَنُوا جَانِبَ الْعَسْكَرِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ خَاصَّةً، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَنْزِلُوا بِسَاحَتِهِمْ بَعْدُ، بَلْ خَوْفُهُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ الْعَسْكَرَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَمِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَقْصُودَهُمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ إزَالَةُ هَذَا الْخَوْفِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ خُرُوجُ الْعَسْكَرِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا عَلِمَ الْأَمَانَ كَافَّةُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْدَ النَّبْذِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ.
٧٤٧ - بِخِلَافِ مَا إذَا دَنَا الْعَسْكَرُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِمْ مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى حَاصَرُوهُمْ، أَوْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ. فَإِنَّ هُنَاكَ مَقْصُودَهُمْ الْأَمْنُ مِنْ جَانِبِهِمْ خَاصَّةً.
لِأَنَّهُمْ صَارُوا مَحْصُورِينَ مَقْهُورِينَ مِنْ جِهَتِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِالْمَقْصُودِ، فَلِهَذَا كَانَ لِلْعَسْكَرَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمِيرُ الشَّامِ أَوْ الْخَلِيفَةُ أَوْ وَلِيُّ الْعَهْدِ مَعَ أَحَدِ الْعَسَاكِرِ الثَّلَاثَةِ، فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ أَنْ آمِنُونَا عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا حَتَّى تَرْجِعُوا عَنْ غَزَاتِكُمْ فَفَعَلَ، أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْعَسَاكِرِ كُلِّهَا، وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَيْضًا، حِينَ
[ ٤٩٢ ]
لَمْ يَذْكُرُوا أَهْلَ حِصْنٍ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، فَيَكُونُ مُوجِبًا الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ بِأَنْ يُبَيِّنُوا فَيَقُولُوا: آمِنُوا أَهْلَ حِصْنِ كَذَا.
٧٤٨ - وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ مَعَ عَسْكَرِهِ أَحَاطَ بِذَلِكَ الْحِصْنِ فَآمَنَهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، كَانَ الْأَمَانُ لَهُمْ خَاصَّةً مِنْ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ أَحَاطُوا بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.
٧٤٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا بَعَثُوا إلَى أَحَدِ الْعَسَاكِرِ فَقَالُوا: آمِنُونَا أَنْتُمْ خَاصَّةً. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُؤَمِّنُونَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَلَكِنَّ حُكْمَ أَمَانِهِمْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً.
٧٥٠ - وَإِنْ قَالُوا: عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا أَنْتُمْ خَاصَّةً، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَيْهِمْ، فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الْعَسْكَرِ خَاصَّةً.
لِوُجُودِ دَلِيلٍ لِلتَّخْصِيصِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا قَالُوا لِلْخَلِيفَةِ: آمِنُونَا نَحْنُ خَاصَّةً. فَالْأَمَانُ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
لِلتَّصْرِيحِ بِمَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ فِي الْكَلَامِ.
[ ٤٩٣ ]
إنْ لَحِقَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْعَسَاكِرِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ أَهْلَ الْحِصْنِ.
لِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ مِنْ جَانِبِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ. فَكَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ عَسْكَرِهِ لَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ عَسْكَرٍ آخَرَ.
٧٥٢ - وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً حَاصَرُوا حِصْنًا، فَسَأَلَهُمْ أَهْلُ الْحِصْنِ أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَفَعَلُوا، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ وَعَلِمُوا بِذَلِكَ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ أَوْ يَنْتَهِيَ الْأَمَانُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لِنُفُوذِ أَمَانِهِمْ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا بِالْغَنَائِمِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي أَدَّوْا، فَيُعْطَوْنَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخُمُسِ وَقَبْلَ كُلِّ قِسْمَةٍ.
لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَوَصَّلُوا إلَى هَذِهِ الْغَنَائِمِ بِمَا أَدَّوْا، فَلَا يَكُونُونَ مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا، بَلْ يَكُونُونَ أَحَقَّ بِمَا أَصَابُوا مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى يَأْخُذُوا دَنَانِيرَهُمْ.
أَرَأَيْت لَوْ وَجَدُوا فِي الْحِصْنِ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ بِعَيْنِهَا مَا كَانُوا أَحَقَّ بِهَا قَبْلَ الْخُمُسِ وَالْقِسْمَةِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدُوا فِي الْحِصْنِ مِثْلَهَا.
وَهُوَ نَظِيرُ الْمَرْهُونِ إذَا أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ فَأَخْرَجَهُ، وَظَفِرَ بِهِ الرَّاهِنُ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَأَخَذَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ، إلَّا أَنْ
[ ٤٩٤ ]
يَرُدَّ عَلَى الرَّاهِنِ مَا أَعْطَى مِنْ الثَّمَنِ، فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْعَبْدَ وَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَا تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ وَإِحْيَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ إلَّا بِمَا أَدَّى، فَلَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا.
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ لِإِنْسَانٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ. فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ إذَا فَدَاهُ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي هَذَا الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَصِلُ إلَى خِدْمَتِهِ إلَّا بِهِ، حَتَّى إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِدْمَةِ بِيعَ الْعَبْدُ لَهُ فِي الْفِدَاءِ. إلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ مِثْلَ مَا أَدَّى فَحِينَئِذٍ يَسْلَمُ الْعَبْدَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ إذَا أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إنْ شِئْت فَخُذْهُ بِالثَّمَنَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ.
لِأَنَّ الْبَائِعَ مَا كَانَ يَتَوَصَّلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ إلَّا بِأَدَاءِ الْفِدَاءِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَبَرِّعًا فِيمَا أَدَّى، فَكَذَلِكَ حَالُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِيمَا أَدَّوْا مِنْ الدَّنَانِيرِ، فَيُسَلَّمُ لَهُمْ هَذَا قَبْلَ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ الْخُمُسَ فِي الْغَنِيمَةِ، وَمَا أَدَّوْا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَمِثْلُهُ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِمْ لَا يَكُونُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِمَنْزِلَةِ النَّفْلِ يَنْفُلُونَهُ قَبْلَ الْخُمُسِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ.
٧٥٣ - وَلَوْ لَمْ يَظْفَرُوا بِالْحِصْنِ، وَجَعَلُوا يُقَاتِلُونَهُمْ، حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ ظَفِرُوا بِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِتِلْكَ الدَّنَانِيرِ وَلَا مِثْلِهَا قَبْلَ الْخُمُسِ، بَلْ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
[ ٤٩٥ ]
لِأَنَّ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ اغْتِنَامِ مَا فِي هَذَا الْحِصْنِ لَمْ يَكُنْ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرُدُّوا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْأَمَانِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الِاغْتِنَامِ فِي الْمُدَّةِ قَبْلَ رَدِّ الدَّنَانِيرِ، وَلَوْ فَعَلُوا أُمِرُوا بِرَدِّ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِمْ وَإِعَادَتِهِمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ.
٧٥٤ - وَلَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِنَا حَتَّى الْتَقَوْا، هُمْ وَالسَّرِيَّةُ الْأُولَى، فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانُوا ظَفِرُوا بِأَهْلِ الْحِصْنِ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا أَصَابُوا، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ دَنَانِيرِهِمْ شَيْءٌ. وَلَوْ كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَخَذُوا دَنَانِيرَهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْبَاقِي.
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا، وَذَلِكَ سَبَبُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَجَمِيعُ مَا أَصَابُوا غَنِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ رُدَّ الدَّنَانِيرُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي الْخُمُسِ فَكَذَلِكَ فِي شَرِكَةِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى مَعَهُمْ.
٧٥٥ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بَعْد رَدِّ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَقْدِرُوا فَتْحِ الْحِصْنِ، فَدَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ ثُمَّ أَتَى أَهْلَ الْحِصْنِ سَرِيَّةٌ ثَالِثَةٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ حُكْمَ أَمَانِهِمْ قَدْ بَطَلَ بِرَدِّ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ الدَّنَانِيرَ عَلَيْهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ. فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلسَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ.
[ ٤٩٦ ]
فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، ثُمَّ الْتَقَتْ السَّرَايَا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ. فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا.
وَلَا سَبِيلَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَخْذِ دَنَانِيرِهِمْ وَإِنْ وَجَدُوهَا بِعَيْنِهَا.؛ لِأَنَّهُمْ مَا ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةُ إنَّمَا تَمَكَّنُوا مِنْ فَتْحِ الْحِصْنِ فِي الْمُدَّةِ بِرَدِّ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ وِلَايَةٌ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَصَابُوا. وَمُلَاقَاتُهُمْ إيَّاهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ حَقِّ الشَّرِكَةِ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ لَا فِي غَيْرِهَا. فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَا حَقَّ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِيهَا. وَإِنْ جُعِلَتْ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ كَانَ أَمِيرًا عَلَى السَّرَايَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَحِينَئِذٍ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى السَّرَايَا كُلِّهَا. فَاَلَّذِينَ أَدَّوْا بِأَمْرِهِ لَا يَكُونُونَ مُتَبَرِّعِينَ فِي حَقِّ أَحَدٍ.
٧٥٧ - فَإِنْ ظَفِرَتْ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةُ بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ رَدُّوا عَلَى السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ دَنَانِيرَهُمْ أَوَّلًا.
لِأَنَّهُمْ مَا تَمَكَّنُوا مِنْ هَذَا الِاغْتِنَامِ إلَّا بِذَلِكَ.
وَإِنْ ظَفِرُوا بِهِمْ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ الَّذِينَ أَدَّوْا مَالَهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
[ ٤٩٧ ]
لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ مَالٍ لِأَجْلِ مَنْفَعَةٍ رَجَعَتْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ دَيْنًا لَهُمْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ خُمُسَ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ سَلِمَ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا غَرِمُوا مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ.
٧٥٨ - وَلَوْ لَمْ يَأْتِ أَهْلَ الْحِصْنِ سَرِيَّةٌ أُخْرَى حَتَّى رَجَعَتْ إلَيْهِمْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى فَرَدَّتْ عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ وَظَفِرُوا بِهَا، فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ عَلَى أَخْذِ الدَّنَانِيرِ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا مِثْلَ مَا أَرَادُوا، وَفَسَخُوا حُكْمَ فِعْلِهِمْ بِالرَّدِّ. فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ، فَيَكُونُ لِجَمِيعِ مَا أَصَابُوا حُكْمُ الْغَنِيمَةِ.
٧٥٩ - وَإِنْ كَانَ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ ضَاعَتْ مِنْهُمْ، وَحِينَ رَجَعُوا أَعْطَوْا مِثْلَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لَيْسَ مِمَّا غَنِمُوا، فَهُمْ أَحَقُّ بِالْغَنِيمَةِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا مِنْهَا مِثْلَ مَا أَعْطَوْا إنْ كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ.
لِأَنَّ حَالَهُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ كَحَالِ سَرِيَّةٍ أُخْرَى.
٧٦٠ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ وَادَعَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَنَةً عَلَى مَالٍ دَفَعُوهُ إلَيْهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. إنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَادِعَ إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِتَالِ وَالْمِيلُ إلَى أَخْذِ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
[ ٤٩٨ ]
ثُمَّ هَذَا الْمَالُ لَيْسَ بِفَيْءٍ وَلَا غَنِيمَةٍ حَتَّى لَا يُخَمَّسَ، وَلَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ اسْمُ الْمَالِ مُصَابٌ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْفَيْءُ اسْمٌ لِمَا يَرْجِعُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَى أَيْدِينَا بِطَرِيقِ الْقَهْرِ. فَأَمَّا هَذَا فَمَالٌ رَجَعَ إلَيْنَا بِطَرِيقِ الْمُرَاضَاةِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْهُ لِمَنَعَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
٧٦١ - فَإِنْ نَظَرَ الْإِمَامُ فَرَأَى هَذِهِ الْمُوَادَعَةَ شَرًّا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا أُخِذَ.
لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ وَالتَّحَرُّزَ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ.
٧٦٢ - فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ عَيْنَهُ أَوْ مِثْلَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَنَبَذَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعَثَ جُنْدًا حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، فَإِنَّهُ يُخَمِّسُ جَمِيعَ مَا أَصَابُوا، وَيُقَسِّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَ شَيْئًا مِمَّا أَعْطَى مِنْ الدَّنَانِيرِ.
؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَخْذِ عَامِلًا لِلْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ رَدَّهَا أَوْ مِثْلَهَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ النَّوَائِبِ.
بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا فِي السَّرِيَّةِ الْأُولَى إذَا رَدُّوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ مَا ضَاعَتْ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَأْخُوذَ الَّذِي ضَاعَ مِنْهُمْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَالْمَرْدُودَ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَنِيمَةِ، إنَّمَا كَانَ مِنْ خَاصِّ أَمْوَالِهِمْ. وَهَاهُنَا الْمَأْخُوذُ
[ ٤٩٩ ]
كَانَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَرْدُودُ أَيْضًا مِنْ مَالِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ عَادَ إلَى مَسْأَلَةِ السَّرِيَّتَيْنِ فَقَالَ: ٧٦٣ - لَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ بِأَمْرِ أَمِيرِهِمْ خَاصَّةً ثُمَّ أَدْرَكَتْهُمْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى، فَافْتَتَحَتْ السَّرِيَّتَانِ الْحِصْنَ وَأَخَذُوا مَا فِيهِ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ الْمُصَابُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ مِنْ السَّرِيَّتَيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الَّتِي رَدَّتْ الدَّنَانِيرَ فَيَبْدَأُ بِدَنَانِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
؛ لِأَنَّ أَمْرَ أَمِيرِهِمْ غَيْرُ نَافِذٍ عَلَى السَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنَّمَا يَنْفُذُ عَلَى أَهْلِ سَرِيَّتِهِ خَاصَّةً. وَأَمْوَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ مُصَابُ السَّرِيَّتَيْنِ جَمِيعًا، فَلَا بُدَّ مِنْ قِسْمَتِهَا بَيْنَهُمْ لِيَتَبَيَّنَ مُصَابُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ، حَتَّى يَرْفَعُوا دَنَانِيرَهُمْ مِنْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَإِنَّمَا قُسِّمَتْ هَذِهِ الْغَنِيمَةُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ.
؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهَا سِهَامُ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا قَبْلَ الْخُمُسِ، وَقِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُمُسِ.
٧٦٤ - فَإِذَا دَفَعُوا دَنَانِيرَهُمْ يُضَمُّ مَا بَقِيَ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةَ بِالْقِسْمَةِ الْأُولَى. فَيُخَمَّسُ جَمِيعُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ إمَامٍ بَعَثَ سَرِيَّتَيْنِ وَنَفَلَ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا
[ ٥٠٠ ]
الرُّبُعَ قَبْلَ الْخُمُسِ. وَهُنَاكَ يُقَسَّمُ مَا أَصَابُوا أَوَّلًا عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ نَصِيبُ الْمُنَفَّلِينَ فَيُعْطَوْنَ نَفْلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُضَمُّ مَا بَقِيَ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى، فَيُخَمَّسُ وَيُقَسَّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْمِائَةِ الْعُصَاةِ إذَا كَانُوا بِأَعْيَانِهِمْ. فَإِنَّ هُنَاكَ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الثَّلَاثِ مِائَةٍ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ الرَّجَّالَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ نَصِيبُ الثَّلَاثِ مِائَةٍ فَيُعْطَوْنَ مِنْ ذَلِكَ نَفْلَهُمْ.
لِأَنَّ هُنَاكَ إنَّمَا نَفْلُهُمْ الرُّبُعُ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَالْقِسْمَةُ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ الْخُمُسِ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ. وَهَذَا وَإِنَّمَا نَفْلُهُمْ الرُّبُعُ قَبْلَ الْخُمُسِ. وَالْقِسْمَةُ الْأُولَى هَا هُنَا لَيْسَتْ بِقِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. فَلِهَذَا قَسَّمَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الرِّجَالِ.
٧٦٥ - فَإِنْ كَانَ مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الرَّادَّةُ لَمْ يُرَدَّ عَلَى دَنَانِيرِهِمْ سَلِمَ لَهُمْ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَيُخَمَّسُ مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الْغَنِيمَةِ.
؛ لِأَنَّ الْمَغْنُومَ هَذَا الْمِقْدَارُ.
وَإِنْ لَمْ يَفِ مَا أَصَابَهُمْ بِدَنَانِيرَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.
؛ لِأَنَّهُ لَا أَمْرَ لِأَمِيرِهِمْ فِيمَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةَ لِيَأْخُذُوا أَشْيَاءَ مِنْهَا بِحِسَابِ الدَّنَانِيرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.