١٩ - بَابُ السِّلَاحِ وَالْفُرُوسِيَّةِ «ذَكَرَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ - ﵁ - قَالَ: ذُكِرَتْ الْقَوْسُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا سَبَقَهَا سِلَاحٌ قَطُّ إلَى خَيْرٍ» . يَعْنِي أَنَّهُ أَقْوَى آلَاتِ الْجِهَادِ.
فِيهِ حَثٌّ لِلْغُزَاةِ عَلَى تَعَلُّمِ الرَّمْيِ. وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ مِنْهَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]: أَلَا أَنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ قَالَهَا ثَلَاثًا» . وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ: صَانِعُهُ الَّذِي يَحْتَسِبُ بِهِ، وَمُنْبِلُهُ، وَالرَّامِي بِهِ» .
وَقَالَ: «كُلُّ لَهْوِ ابْنِ آدَمَ بَاطِلٌ إلَّا ثَلَاثَةً: تَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ عَنْ قَوْسِهِ» . «وَمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَحَدٍ بَيْنَ أَبَوَيْهِ إلَّا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» .
١٠٨ - وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - كَتَبَ أَنْ وَفِّرُوا الْأَظَافِيرَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهَا سِلَاحٌ. وَهَذَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ
[ ١١٢ ]
لِلْمُجَاهِدِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ قَصُّ الْأَظَافِيرِ مِنْ الْفِطْرَةِ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ السِّلَاحُ مِنْ يَدِهِ وَقَرُبَ الْعَدُوُّ مِنْهُ رُبَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِهِ بِأَظَافِيرِهِ. وَهُوَ نَظِيرُ قَصِّ الشَّوَارِبِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ. ثُمَّ الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يُوَفِّرَ شَارِبَهُ لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ فَيَحْصُلَ بِهِ الْإِرْهَابُ.
١٠٩ - وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ، وَالْفُرُوسِيَّةَ، وَمُرُوهُمْ بِالِاحْتِفَاءِ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِهِ «عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ، وَالْمَرْأَةَ الْغَزْلَ» . وَقَالَ «ارْكَبُوا. وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا» .
وَالْحَاصِلُ أَنْ مَا يُعِينُهُ عَلَى الْجِهَادِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى تَعَلُّمِهِ، وَإِلَى أَنْ يُعَوِّدَ نَفْسَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ وَقَهْرِ الْمُشْرِكِينَ.
- وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ - ﵃ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: أَفْطِرُوا فَإِنَّهُ يَوْمُ قِتَالٍ» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً (٣٧ ب) بِالْقِتَالِ. وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْغَازِي إذَا كَانَ يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يُفْطِرَ. فَإِنَّ الصَّوْمَ رُبَّمَا يُضْعِفُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْقِتَالِ. وَالْخَلَلُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ تَدَارُكُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ. وَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. وَلِهَذَا كَانَ الْفِطْرُ
[ ١١٣ ]
أَفْضَلَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إذَا كَانَ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ. فَلَأَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ لِلْمُسَافِرِ الْمُقَاتِلِ كَانَ أَوْلَى.
- وَعَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ - يَعْنِي يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - وَرَأَيْت بِلَالًا - ﵁ - أَدْخَلَ وُضُوءَهُ إلَيْهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ يُهَرِيقهُ. فَرَأَيْت النَّاسَ يَبْتَدِرُونَهُ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ فَتَمَسَّحَ بِهِ» . وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مُحَمَّدٌ - ﵀ - عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِذَلِكَ، وَلَا يُتَبَرَّكُ بِمَا هُوَ نَجِسٌ فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَذِرُ وَيَقُولُ: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -. وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَنْ لَوْ بَلَغَهُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: ثُمَّ «رَأَيْت بِلَالًا - ﵁ - أَخْرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُتَشَمِّرًا. فَصَلَّى إلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ. وَرَأَيْت النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ» . وَالْعَنَزَةُ: شِبْهُ الْحَرْبَةِ كَانَتْ تُحْمَلُ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي أَسْفَارِهِ لِتُرْكَزَ بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا صَلَّى.
[ ١١٤ ]
وَمِنْهُ عَادَةُ الْأُمَرَاءِ فِي حَمْلِ السِّلَاحِ أَمَامَهُمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ، وَأَنَّ الْمُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ السُّتْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ إذَا كَانَتْ السُّتْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ خَاصَّةً فَذَلِكَ يَكْفِي. وَلَا تُشْتَرَطُ السُّتْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَوْمِ، [لِأَنَّ الْإِمَامَ] بِمَنْزِلَةِ السُّتْرَةِ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي. وَأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ الْمُرُورِ وَرَاءَ السُّتْرَةِ؛ لِأَنَّ السُّتْرَةَ تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي بِمَنْزِلَةِ الْحَائِطِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ السُّتْرَةِ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ مَنْ يَكُونُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ فَلَا يَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْمُرُورِ وَرَاءَهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ طَوِيلًا غَلِيظًا. فَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طُولُهُ ذِرَاعًا وَغِلْظَتُهُ بِقَدْرِ الْإِصْبَعِ، لِمَا قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «يُجْزِئُ مِنْ السُّتْرَةِ السَّهْمُ» . وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.
[ ١١٥ ]