وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَرَمَى مُسْلِمٌ مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ.
لِأَنَّهُ قَتَلَ مُقَاتِلًا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ. وَهُوَ السَّبَبُ لِاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ بِتَنْفِيلِ الْإِمَامِ.
١٢٣٩ - فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ الْمُشْرِكُونَ لِسَلَبِهِ حَتَّى انْهَزَمُوا فَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَتِيلًا عَلَيْهِ سَلَبُهُ وَعِنْدَهُ دَابَّتُهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْقَاتِلِ.
لِأَنَّ حَقَّهُ تَأَكَّدَ فِيهِ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ. إنَّمَا تَأَخَّرَ أَخْذُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ، أَوْ لِغَفْلَةٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِحَقِّهِ.
١٢٤٠ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَخَذُوا دَابَّتَهُ وَسِلَاحَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ مِنْ سَلَبِهِ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِزْهُ حَتَّى أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ. وَلَوْ كَانَ مُحْرِزًا لَهُ فَأَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَحْرَزُوهُ بَطَلَ مِلْكُهُ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يُحْرِزْهُ؟ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ قَدْ انْفَسَخَ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا جَعَلَ الْقَتْلَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ بِالتَّنْفِيلِ. لِأَنَّ الْقَاتِلَ بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ، وَقَدْ زَالَ
[ ٧٢١ ]
هَذَا التَّمَكُّنُ بِأَخْذِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُ. وَبَعْدَ مَا انْفَسَخَ السَّبَبُ لَا يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ فِي الْحُكْمِ، فَيَبْقَى هَذَا مَا لَهُمْ وَقْعٌ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ.
١٢٤١ - وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا سَلَبَهُ أَوْ لَمْ يَأْخُذُوهُ، فَمَا وُجِدَ عَلَيْهِ مِنْ سَلَبِهِ فَهُوَ لِلْقَاتِلِ، وَمَا وُجِدَ وَقَدْ نُزِعَ عَنْهُ فَهُوَ فَيْءٌ، لِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
١٢٤٢ - فَإِنْ كَانُوا جَرُّوهُ إلَيْهِمْ حِينَ قُتِلَ وَسَلَبُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْهَزَمُوا فَهُوَ لِلَّذِي قَتَلَهُ.
لِأَنَّهُمْ جَرُّوهُ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ، لَا لِإِحْرَازِ سَلَبِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجْرُوحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا جُرَّ بِرَجْلِهِ مِنْ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ فَمَاتَ كَانَ شَهِيدًا لَا يُغَسَّلُ؟ .
١٢٤٣ - وَهَذَا إذَا كَانَ الَّذِينَ جَرُّوهُ غَيْرَ وَرَثَتِهِ. فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ هُوَ الَّذِي جَرَّهُ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ.
لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا جَرَّهُ لِإِحْرَازِ سَلَبِهِ. فَإِنَّهُ يَخْلُفُهُ فِيمَا كَانَ لَهُ. وَقَدْ كَانَ هُوَ مُحْرِزًا سَلَبَهُ بِلِبَاسِهِ، فَكَذَلِكَ مَنْ يَخْلُفُهُ يَجُرُّهُ إلَيْهِمْ. فَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَمَا كَانَ يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ إذَا نَزَعَهُ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ ابْتِدَاءً. وَالْمَلْبُوسُ تَبَعُ اللَّابِسِ. فَإِذَا تَرَكَهُ عَلَيْهِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ ابْتِدَاءً.
[ ٧٢٢ ]
وَإِنْ لَمْ يُدْرَ أَنَّ الَّذِي جَرَّهُ كَانَ وَارِثًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ أَجْنَبِيًّا فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ.
لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ مَعْلُومٌ. فَمَا لَمْ يُعْلَمْ اعْتِرَاضُ (ص ٢٤٣) مَا يُبْطِلُهُ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي الْحُكْمِ.
١٢٤٥ - وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدُوا دَابَّتَهُ عِنْدَهُ فَهِيَ لِلْقَاتِلِ. وَإِنْ وَجَدُوهَا فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَانَتْ غَنِيمَةً.
لِأَنَّهُ بِاعْتِرَاضِ يَدٍ أُخْرَى عَلَيْهَا يَنْفَسِخُ حُكْمُ السَّبَبِ الْأَوَّلِ.
١٢٤٦ - وَلَوْ وُجِدَتْ بَعْدَ مَا سَارَ الْعَسْكَرُ مَنْقَلَةً أَوْ مَنْقَلَتَيْنِ فَهِيَ لِلْقَاتِلِ فِي الْقِيَاسِ.
لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ اعْتِرَاضُ يَدٍ أُخْرَى مُبْطِلَةٍ لِحَقِّهِ. وَلَعَلَّهَا اتَّبَعَتْ الْعَسْكَرَ عَابِرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَهَا أَحَدٌ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هِيَ غَنِيمَةٌ.
لِأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ فِي يَدِ الْقَتِيلِ، وَلَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَدُ الْقَتِيلِ عَلَيْهَا ثَابِتَةً فِيهِ.
وَلَوْ أَخَذْنَا فِيهَا بِالْقِيَاسِ لَزِمَنَا أَنْ نَقُولَ: هِيَ لِلْقَاتِلِ.
[ ٧٢٣ ]
وَإِنْ سَارُوا شَهْرًا فَرَجَعُوا إلَى مَدَائِنِهِمْ، وَهَذَا يَقْبُحُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَمْشِي عَابِرَةً هَكَذَا، وَلَكِنَّهَا تَقِفُ لِلْعَلَفِ أَوْ تَتَحَوَّلُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً عَنْ الطَّرِيقِ. فَإِذَا سَارَتْ مُسْتَوِيَةً عَلَى الطَّرِيقِ عَرَفْنَا أَنَّ سَائِقًا سَاقَهَا، فَكَانَتْ غَنِيمَةً. إلَّا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهَا ذَهَبَتْ عَابِرَةً فَهِيَ لِلْقَاتِلِ حِينَئِذٍ. لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِضْ عَلَيْهَا يَدٌ أُخْرَى. وَفِعْلُهَا جُبَارٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَاسِخًا لِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ لِلْقَاتِلِ.
١٢٤٨ - وَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا دَابَّتَهُ فَحَمَلُوا عَلَيْهَا الْقَتِيلَ مَعَ سِلَاحِهِ وَسَاقُوهَا مُنْهَزِمِينَ ثُمَّ ظَفِرْنَا بِهِمْ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْقَاتِلِ.
لِأَنَّهُمْ مَا قَصَدُوا إحْرَازَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا حَمَلُوهُ عَلَى دَابَّتِهِ لِيَرُدُّوهُ إلَى أَهْلِهِ. فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إحْرَازًا لِمَا عَلَيْهِ.
١٢٤٩ - إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَتِيلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ، حِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ غَنِيمَةً.
لِأَنَّ الِابْنَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مُحْرِزًا لَهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ خَلِيفَةُ الْقَتِيلِ. غَيْرُهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَرُدُّ عَلَى أَحَدٍ. وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَجَمَاعَتِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِ وَمِلْكِهِ؟ .
١٢٥٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَفَعَلَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ.
[ ٧٢٤ ]
لِأَنَّ الْوَصِيَّ خَلِيفَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. فَفِعْلُهُ يَكُونُ إحْرَازًا كَفِعْلِ الْوَارِثِ، سَوَاءٌ نَزَعَ مِنْهُ سَلَبَهُ أَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ.
١٢٥١ - فَإِنْ كَانَ الْأَجَانِبُ حِينَ حَمَلُوهُ عَلَيْهَا مَعَ سِلَاحِهِ حَمَلُوا عَلَيْهَا أَيْضًا أَمْتِعَةً لِأَنْفُسِهِمْ وَسَاقُوهَا، فَالدَّابَّةُ وَمَا عَلَيْهَا غَنِيمَةٌ، إلَّا مَا عَلَى الْقَتِيلِ مِنْ السَّلَبِ.
لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا إحْرَازَ الدَّابَّةِ حِينَ اسْتَعْمَلُوهَا فِي حَوَائِجِهِمْ، وَلَمْ يَقْصِدُوا إحْرَازَ سَلَبِهِ حِينَ لَمْ يَنْزِعُوهُ عَنْهُ.
١٢٥٢ - فَإِنْ كَانُوا عَلَّقُوا عَلَيْهَا إدَاوَةً أَوْ مِخْلَاةً فَقَطْ، فَالدَّابَّةُ وَمَا عَلَيْهَا مِنْ سَلَبِ الْقَتِيلِ كُلِّهِ لِلْقَاتِلِ. لِأَنَّ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يَكُونُونَ مُحْرِزِينَ لَهَا. فَالْإِحْرَازُ بِثُبُوتِ يَدِهِمْ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَى الدَّابَّةِ بِحَمْلٍ مَقْصُودٍ بِتَعْلِيقِ إدَاوَةٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ وَلِلْآخَرِ إدَاوَةٌ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِصَاحِبِ الْحِمْلِ الْمَقْصُودِ؟ .
١٢٥٣ - وَلَوْ غَيَّرُوا سَرْجَهَا بِإِكَافٍ، أَوْ بِسَرْجٍ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَحْمِلُوا عَلَيْهَا غَيْرَ الْقَتِيلِ وَسَلَبِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْقَاتِلِ.
لِأَنَّ تَغْيِيرَ السَّرْجِ بِسَرْجٍ آخَرَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ قَصَدُوا إحْرَازَهَا، أَوْ أَثْبَتُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ بِمَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الرَّأْيِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الْعَلَامَاتُ مِنْ أَخْذِهِمْ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
[ ٧٢٥ ]