- قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: الشَّهِيدُ إذَا قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ لَمْ يُغَسَّلْ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ. وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِي قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﵀ - سَلَكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ لِلتَّرْجِيحِ طَرِيقًا سِوَى مَا ذَكَرَهُ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ (٦١ آ)، وَهُوَ أَنَّهُ نَظَرَ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَأَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْحِجَازِ، فَرَجَحَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فَرِيقَانِ وَأَخَذَ بِهِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ. وَهَذَا خِلَافُ مَا هُوَ الْمَذْهَبُ الظَّاهِرُ لِأَصْحَابِنَا فِي التَّرْجِيحِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. وَعَلَيْهِ دَلَّ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْت بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] . وَوَجْهُ مَا اعْتَبَرَهُ هَاهُنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاخْتِلَافِ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اشْتِبَاهِ الْأَثَرِ فِيمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْمَغَازِي وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا ظَاهِرًا. فَتُهْمَةُ الْغَلَطِ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ يَكُونُ أَظْهَرُ مِنْ تُهْمَةِ الْغَلَطِ فِيمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرِيقَانِ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
[ ٢٣٠ ]
- فَإِنَّ جَابِرًا رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ» . وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ يَرْوُونَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ. حَتَّى رَوَوْا «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ - ﵁ - سَبْعِينَ صَلَاةً، كَانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كُلَّمَا أَتَى رَجُلٌ صَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى حَمْزَةَ مَعَهُ» . وَكَانَ جَابِرٌ - ﵁ - يَوْمَئِذٍ قُتِلَ أَبُوهُ وَخَالُهُ. فَكَانَ مَشْغُولًا بِهِمَا، لَمْ يَشْهَدْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الشُّهَدَاءِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ حَمَلَهُمَا إلَى الْمَدِينَةِ «فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ» . فَرَدَّهُمَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ تَوَهُّمَ الْغَلَطِ فِي رِوَايَتِهِ أَظْهَرُ.
- ثُمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ اسْتِغْفَارٌ لَهُ وَتَرَحُّمٌ عَلَيْهِ، وَالشَّهِيدُ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ كَرَامَةً لَهُ، وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ. وَلَا إشْكَالَ أَنَّ دَرَجَةَ الشَّهِيدِ دُونَ دَرَجَةِ مَنْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَقَدْ صَلَّى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ فِي الصَّلَاةِ، فَعَلِمَنَا أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ الشَّهِيدُ دَرَجَةً يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ اسْتِغْفَارِ الْمُؤْمِنِينَ وَالدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ لَهُ. وَمَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ إنَّ الشَّهِيدَ حَيٌّ بِالنَّصِّ وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْحَيِّ فَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ حَيٌّ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَهُوَ مَيِّتٌ فِي حَقِّنَا، يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ، وَيَجُوزُ لِزَوْجَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِيَكُونَ مَا عَلَيْهِ شَاهِدًا لَهُ عَلَى خَصْمِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
[ ٢٣١ ]
- قَالَ - ﵇ - فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» . وَلِهَذَا لَا يُنْزَعُ عَنْهُ جَمِيعُ ثِيَابِهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ حَمْزَةَ - ﵁ - كُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ حِينَ اُسْتُشْهِدَ، وَلَكِنْ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ لِأَنَّهُ كَانَ لَبِسَهُ لِدَفْعِ الْبَأْسِ فَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ دَفْنَ الْقَتْلَى (٦١ ب) مَعَ الْأَسْلِحَةِ فِعْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. وَكَذَلِكَ مَا لُبِسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ كَالسَّرَاوِيلِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْمِنْطَقَةِ وَالْخَاتَمِ وَالْخُفِّ. هَكَذَا ذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ. وَلِأَهْلِهِ أَنْ يَزِيدُوا فِي أَكْفَانِهِ مَا أَحَبُّوا. وَبِهَذَا اللَّفْظِ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَوْ بِثَوْبَيْنِ فِي كَفَنِ الرِّجَالِ غَيْرُ لَازِمٍ.
- وَإِنْ صَارَ مُرْتَثًّا فَهُوَ شَهِيدٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلَكِنْ يُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْتَى مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ.
وَالْمُرْتَثُّ مَنْ يَصِيرُ خَلَقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ثَوْبٌ رَثٌّ أَيْ خَلَقٌ.
- فَإِذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ حَيًّا فَمَاتَ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ أَوْ مَرِضَ فِي خَيْمَتِهِ فَهُوَ مُرْتَثٌّ. لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ الرَّاحَةِ.
[ ٢٣٢ ]
فَأَمَّا إذَا جُرَّ بِرِجْلِهِ مِنْ بَيْنِ صَفَّيْنِ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ. لِأَنَّ نَقْلَهُ مِنْ مَصْرَعِهِ لَمْ يَكُنْ لِإِيصَالِ الرَّاحَةِ إلَيْهِ وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ الرَّاحَةِ بِذَلِكَ.
- قَالَ: وَذُكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ قَالَ: لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا إلَّا الْخُفَّيْنِ، وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، وَارْمُسُونِي فِي الْأَرْضِ رَمْسًا، فَإِنِّي رَجُلٌ مُحَاجٌّ أُحَاجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَنِي.
فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْزَعُ عَنْ الشَّهِيدِ مِنْ ثِيَابِهِ إلَّا مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ، وَأَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِيَكُونَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّمِ شَاهِدًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
- وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ بِالْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ: إنَّا لَاقُونَ غَدًا فَمُسْتَشْهِدُونَ. فَلَا تَغْسِلُوا عَنَّا دَمًا، وَلَا تُكَفِّنُونَا فِي ثَوْبٍ إلَّا مَا عَلَيْنَا.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الزِّينَةِ فِي كَفَنِهِ، لَا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَحِلُّ.
- وَذُكِرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّ
[ ٢٣٣ ]
هَؤُلَاءِ كَانَ أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَكَانَ يَدْفِنُ فِي الْقَبْرِ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ» .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِدَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. «فَالْأَنْصَارُ يَوْمَئِذٍ أَصَابَهُمْ قَرْحٌ وَجَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالُوا: إنَّ الْحَفْرَ عَلَيْنَا لِكُلِّ إنْسَانٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ: أَعْمِقُوا وَأَوْسِعُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ» .
- وَلَكِنْ يَنْبَغِي عِنْدَ الْحَاجَةِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ كُلِّ مَيِّتَيْنِ حَاجِزًا مِنْ التُّرَابِ كَيْ يَصِيرَ فِي حُكْمِ قَبْرَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا بَأْسَ بِدَفْنِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَيُقَدَّمُ إلَى جَانِبِ الْقِبْلَةِ أَفْضَلُهُمَا وَهُوَ الرَّجُلُ.
فَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ تَقَدَّمَ أَفْضَلُهُمَا أَيْضًا عَلَى مَا قَالَ - ﵇ -: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ» . فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ كَانَ أَفْضَلُهُمْ يَوْمَئِذٍ. لِأَنَّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ بِأَحْكَامِهِ.
- ثُمَّ رُوِيَ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَادَى يَوْمَئِذٍ: ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ» وَهَذَا حَسَنٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَإِنَّمَا صَنَعَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَنَّهُ كَرِهَ الْمَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْلِ مَعَ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْقَرْحِ.
[ ٢٣٤ ]
- وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اُسْتُعْمِلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَى جَيْشٍ، فَكَرِهَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ الْخُرُوجَ مَعَهُ، ثُمَّ نَدِمَ نَدَامَةً شَدِيدَةً فَغَزَا مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَضَرَ، فَأَتَاهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَعُودُهُ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. إذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلُونِي وَكَفِّنُونِي ثُمَّ احْمِلُونِي حَتَّى تَأْتُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَأْمُرُهُمْ فَيَدْفِنُونِي.
وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ أَحَبَّهُ إمَّا لِيَكُونَ أَقْرَبَ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَيَنَالَ ثَوَابَ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، أَوْ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الشُّهْرَةِ بِكَثْرَةِ الزِّيَارَةِ. فَقَدْ قَالَ - ﵇ -: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي بَعْدِي مَعْبَدًا» . وَقَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَصَعِدَ مِنْ قَبْرِهِ نُورٌ إلَى السَّمَاءِ، وَرَأَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. فَجَاءَ رَسُولُهُمْ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: صَاحِبٌ لِنَبِيِّنَا. فَأَسْلَمُوا لَمَّا رَأَوْا.
- وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحَبَشِيِّ فَنُقِلَ مِنْهُ وَدُفِنَ بِمَكَّةَ. فَجَاءَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - حَاجَةً أَوْ مُعْتَمِرَةً فَزَارَتْ قَبْرَهُ وَقَالَتْ:
[ ٢٣٥ ]
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنْ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أَنَا وَاَللَّهِ لَوْ شَهِدْتُك مَا زُرْتُك، وَلَوْ شَهِدْتُك مَا دَفَنْتُك إلَّا فِي مَكَانِك الَّذِي مِتَّ فِيهِ. وَإِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ التَّأَسُّفِ عَلَيْهِ حِينَ مَاتَ فِي الْغُرْبَةِ، وَلِإِظْهَارِ عُذْرِهَا فِي زِيَارَتِهِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ - ﵇ -: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» يَمْنَعُ النِّسَاءَ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ. وَالْحَدِيث وَإِنْ كَانَ مُؤَوَّلًا فَلِحِكْمَةٍ ظَاهِرَةٍ قَالَتْ مَا قَالَتْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُدْفَنَ الْقَتِيلُ وَالْمَيِّتُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فِي مَقَابِرِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا مَاتَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ - ﵂ - دُفِنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟
- قَالَ: وَلَوْ نُقِلَ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ النَّقْلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدِ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّهُ قَدْرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي لَا يُكْرَهُ النَّقْلُ فِيهَا بِمِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ (٦٢ ب) فَالْأَرْضُ كُلُّهَا كِفَاتٌ لِلْمَيِّتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] . إلَّا أَنَّ الْحَيَّ يَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ لِغَرَضٍ لَهُ فِي ذَلِكَ،
[ ٢٣٦ ]
وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ إلَّا تَأْخِيرُ دَفْنِهِ أَيَّامًا كَانَ كَافِيًا فِي الْكَرَاهَةِ.
- وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: إذَا وُجِدَ مَا يَلِي صَدْرَ الْقَتِيلِ إلَى رَأْسِهِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. يَعْنِي إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ الْبَدَنِ أَوْ نِصْفُ الْبَدَنِ مَعَهُ الرَّأْسُ، وَبِهِ نَأْخُذُ.
فَإِنَّهُ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ وَاحِدٍ. فَلَوْ صَلَّى عَلَى النِّصْفِ أَوْ مَا دُونَهُ يُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الصَّلَاةِ عَلَى مَيِّتٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يُوجَدَ النِّصْفُ الْبَاقِي. وَهَذَا لَا يَكُونُ فِيمَا إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ الْبَدَنِ أَوْ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ.
- فَأَمَّا الْقَتِيلُ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُغَسَّلْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ غُسِّلَ. لِأَنَّ الْغُسْلَ سُنَّةُ الْمَوْتَى مِنْ بَنِي آدَمَ، إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ فِي حَقِّ الشَّهِيدِ لِمَقْصُودٍ قَدْ بَيَّنَّاهُ. فَمَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ وَجَبَ غُسْلُهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمَوْتَى.
- وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ. ثُمَّ انْسَلَّ قِيَادُ فَرَسِهِ مِنْ يَدِهِ. فَمَضَى الْفَرَسُ عَلَى الْقِبْلَةِ وَتَبِعْهُ أَبُو بَرْزَةَ حَتَّى أَخَذَ بِقِيَادِ فَرَسِهِ. ثُمَّ رَجَعَ نَاكِصًا عَلَى عَقِبَيْهِ فَصَلَّى بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا لِهَذَا الشَّيْخِ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ
[ ٢٣٧ ]
فَانْصَرَفَ أَبُو بَرْزَةَ مِنْ صَلَاتِهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الشَّاتِمُ لِي آنِفًا؟ إنَّا صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَرَأَيْنَا مِنْ يُسْرِهِ. وَلَوْ كُنْت تَرَكْت فَرَسِي حَتَّى تَبَاعَدَ ثُمَّ طَلَبْته شَقَّ عَلَيَّ. فَقَالَ الْقَوْمُ لِلرَّجُلِ: مَا كَانَ يَنْتَهِي بِك خُبْثُك حَتَّى تَتَنَاوَلَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَسُبُّهُ.
فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْغَازِي أَنْ يَأْخُذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي الصَّلَاةِ. لِأَنَّهُ يَبْتَلِي بِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ سَائِسٌ. وَإِنْ مَشَى فِي صَلَاتِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ يَسِيرًا وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - كَبَّرَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَرَكَعَ وَدَبَّ رَاكِعًا حَتَّى الْتَحَقَ بِالصَّفِّ. وَلَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ فِي مَشْيِهِ حَتَّى جَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ كَانَ مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ لَا لِمَشْيِهِ بَلْ لِتَفْوِيتِ شَرْطِ الْجَوَازِ وَهُوَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ. وَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَعْظَمَ مَشْيَهُ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْفَرَسِ فَنَالَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَاسْتَعْظَمَ فِعْلَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَبُو بَرْزَةَ أَنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَرَأَى مِنْ يُسْرِهِ، يُرِيدُ مِنْ تَيْسِيرِهِ عَلَى النَّاسِ فِعْلًا وَقَوْلًا عَلَى مَا قَالَ - ﵇ -: «خَيْرُ دِينِكُمْ الْيُسْرُ» فَبَيَّنَ عُذْرَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِمُكَافَأَةِ مَنْ نَالَ مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْقَوْمُ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْهُ. وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمَحْمُودُ فِي الْمُعَاشَرَةِ مَعَ النَّاسِ.
- قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِلْغُزَاةِ (٦٣ آ) وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسَافِرِينَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى دَوَابِّهِمْ حَيْثُ مَا كَانَتْ وُجُوهُهُمْ تَطَوُّعًا يُومُونَ إيمَاءً.
وَهَذَا لِأَنَّ التَّطَوُّعَ مُسْتَدَامٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِوَقْتٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ فِي النُّزُولِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَذَلِكَ يُشْبِهُ الْعُذْرَ لِإِثْبَاتِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ لَهُ إذَا أَرَادَ اسْتِدَامَةَ الصَّلَاةِ.
[ ٢٣٨ ]
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - «قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ - يَصْنَعُ ذَلِكَ أَيْضًا. وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ أَبْوَاءَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَوَجْهُهُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ. وَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إلَى خَيْبَرَ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ مُقْبِلًا أَوْ مُدْبِرًا» . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
- ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْغُزَاةِ الَّذِينَ لَا ثِيَابَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا قُعُودًا وُحْدَانًا كَأَسْتَرِ مَا يَكُونُ يُومُونَ إيمَاءً. وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ - ﵃ -. ٣١٠ - قَالَ: وَلَا يُعْجِبُنَا أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً، فَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً قَعَدَ الْإِمَامُ فِي وَسَطِ الصَّفِّ لِكَيْ لَا يَقَعَ بَصَرُهُمْ عَلَى عَوْرَتِهِ كَمَا هُوَ السُّنَّة فِي صَلَاةِ النِّسَاءِ بِالْجَمَاعَةِ.
- ثُمَّ ذَكَرَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْفَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِعْلًا لَا وَقْتًا، بِأَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّيهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ. هَكَذَا فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا إذَا جَهِدَ بِهِ السَّيْرُ. وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذِهِ الْفُصُولِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ٤١
[ ٢٣٩ ]