٤٨ - بَابُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُ: أَسَرْتهَا. وَهِيَ تَقُولُ: جِئْت مُسْتَأْمَنَةً
٤٨٣ - وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ دَارَ الْحَرْبِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ كَانَ أَسِيرًا، أَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ، أَوْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَالْتَحَقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ حَرْبِيَّةٌ فَقَالَتْ: جِئْت مُسْتَأْمَنَةً إلَيْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُ: جِئْت بِهَا قَهْرًا. فَهَذَا إنَّمَا يَكُنْ عَلَى مَا جَاءَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ، فَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّاةً غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ تَمْشِي مَعَهُ حَتَّى إذَا انْتَهَتْ إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، نَادَتْ بِالْأَمَانِ أَوْ لَمْ تُنَادِ، فَهِيَ آمِنَةٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا، فَإِنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنَاتِ.
٤٨٤ - وَلَوْ جَاءَتْ وَحْدَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَتْ آمِنَةً، فَكَذَلِكَ إذَا صَحِبَهَا مُسْلِمٌ فِي الطَّرِيقِ. لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الصُّحْبَةِ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهَا لِلْمُسْلِمِ فَهِيَ فِي يَدِ نَفْسِهَا. فَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ فِي الْمَجِيءِ مُسْتَأْمَنَةً. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ يُعْتَبَرُ الظَّاهِرُ وَغَالِبُ الرَّأْيِ.
[ ٣٣٦ ]
وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ جَاءَ بِهَا وَهُوَ قَاهِرٌ لَهَا، قَدْ رَبَطَهَا فَنَادَتْ بِالْأَمَانِ أَوْ لَمْ تُنَادِ فَهِيَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسَرَهَا وَأَخْرَجَهَا، وَقَدْ كَانَتْ يَدُهُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ ثَابِتَةً عَلَيْهَا. وَذَلِكَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِهِ نَفْسَهَا، فَإِنَّهَا حَرْبِيَّةٌ لَا أَمَانَ لَهَا، إلَّا أَنَّهُ حِين أَحْرَزَهَا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَالْجَيْشُ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا، لِأَنَّ الْإِحْرَازَ بِالدَّارِ حَصَلَ بِهِمْ جَمِيعًا. وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهَا هُنَا إذَا جَاءَ بِهَا قَاهِرًا لَهَا. لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا خُمْسَ فِيهَا لِأَنَّهُ مَا أَصَابَهَا عَلَى وَجْهِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا أَخَذَهُ الْمُتَلَصِّصُ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
٤٨٦ - فَإِنْ قَالَتْ تَزَوَّجْته وَخَرَجْت مَعَهُ، وَقَالَ هُوَ: كَذَبَتْ، بَلْ قَهَرْتهَا وَأَخْرَجْتهَا، أَوْ هِيَ أَمَةٌ اشْتَرَيْتهَا، وَوُهِبَتْ لِي، لَمْ يُصَدَّق عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا جَاءَتْ مَعَهُ مُخَلَّاةً. لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهَا، فَإِقْرَارُهَا بِأَنَّهُ زَوْجُهَا غَيْرُ مُسْقِطِ حُكْمِ يَدِهَا فِي نَفْسِهَا. فَكَانَتْ مُسْتَأْمَنَةً. إلَّا (٨٦ آ) أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَقْهُورَةً، يُعْرَفُ قَهْرُهُ إيَّاهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْقَهْرِ فِي مَوْضِعِهِ سَقَطَ حُكْمُ يَدِهَا فِي نَفْسِهَا.
[ ٣٣٧ ]
وَكَذَلِكَ إذَا جَاءَ مَعَهُ بِرَقِيقٍ فَقَالُوا: نَحْنُ أَحْرَارٌ. فَقَالَ هُوَ: بَلْ هُمْ عَبِيدِي، وَقَدْ جَاءُوا مَعَهُ غَيْرَ مَقْهُورِينَ وَلَا مَرْبُوطِينَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ سَوَاءٌ نَادَوْا بِالْأَمَانِ حِينَ انْتَهُوا إلَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَمْ يُنَادُوا. لِأَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا وَحْدَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانُوا آمِنِينَ. فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا مَعَهُ.
٤٨٨ - فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ، عُدُولٍ، أَنَّهُ كَانَ أَسَرَهُمْ وَقَهَرَهُمْ، قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ وَكَانُوا عَبِيدًا لَهُ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ.
٤٨٩ - وَلَوْ أَقَرُّوا أَنَّهُ قَهَرَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ عَلِمْنَا ذَلِكَ مُعَايَنَةً، كَانُوا عَبِيدًا لَهُ. وَفِي زَعْمِ الْخُصُومِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنُونَ. وَشَهَادَةُ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمِنِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ مَقْبُولَةٌ، فَلِهَذَا قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْكُلِّ.
٤٩٠ - وَإِنْ كَانَ انْتَهَى إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ بِقَاهِرٍ لَهُمْ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُمْ فِي يَدِهِ، فَنَادَوْا بِالْأَمَانِ حَيْثُ يُنَادُونَ بِهِ، أَوْ لَمْ يُنَادُوا، فَهُمْ آمِنُونَ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. كَمَا لَوْ جَاءُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُنَادُوا بِالْأَمَانِ، وَكَانُوا رِجَالًا، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ جَاءُوا مُسْتَأْمَنِينَ، وَلَا يُعْلَمُ
[ ٣٣٨ ]
أَنَّهُ قَاهِرٌ لَهُمْ أَيْضًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ خَرَجَ إلَى دَارِنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ عَلَيْهِمْ حِسًّا فَهُمْ فِي يَدِ أَنْفُسِهِمْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، كَانَ خُرُوجُهُمْ مَعَهُ وَخُرُوجُهُمْ دُونَهُ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ.
٤٩١ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْلِمُ خَرَجَ وَمَعَهُ امْرَأَةٌ وَلَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهَا، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا لِتَكُونَ فَيْئًا، فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي، وَصَدَّقَتْهُ بِذَلِكَ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ، لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى النِّكَاحِ فِي حَالٍ لَمْ يَتَقَرَّرْ لِأَحَدٍ فِيهَا حَقٌّ. وَإِذَا ثَبَتَ النِّكَاحُ كَانَتْ حُرَّةً ذِمِّيَّةً. لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ بِهَا بِنَاءً عَلَى النِّكَاحِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَقَدْ أَمَّنَهَا. وَأَمَانُ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ قَهْرِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَأَمَانِ جَمَاعَتِهِمْ. ثُمَّ هِيَ مُسْتَأْمَنَةٌ تَحْتَ مُسْلِمٍ، فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنَةِ فِي دَارِنَا لَوْ تَزَوَّجَتْ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْمُقَامِ تَابِعَةٌ لِزَوْجِهَا، وَالزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَتَصِيرُ هِيَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا تَبَعًا لَهُ.
٤٩٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ بِسَبْيٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدِي وَإِمَائِي، وَصَدَّقُوهُ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْحَقُّ فِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَمَعْنَى الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ يَتَحَقَّقُ هَا هُنَا. فَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِهِمْ أَوْ الَّذِي أَسْلَمَ يُخْرِجُ
[ ٣٣٩ ]
عَبِيدَهُ وَزَوْجَتَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ شَاهِدَيْنِ مَعَ نَفْسِهِ (٨٦ ب) أَنَّهُمْ لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ بِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى قَوْلِهِمْ إذَا تَصَادَقُوا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَذَّبُوهُ كَانُوا فَيْئًا، لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا فِي دَارِنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ.
٤٩٣ - وَإِنْ قَالُوا نَحْنُ عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ خَرَجْنَا نُرِيدُ الْأَمَانَ وَلَسْنَا لِهَذَا الرَّجُلِ. فَإِنْ كَانَ قَاهِرًا لَهُمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ فَهُمْ لَهُ. لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَذَلِكَ يُسْقِطُ اعْتِبَارَ يَدِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ ظَهَرَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُمْ وَهُوَ الْقَهْرُ فِي مَوْضِعِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ فِي يَدِهِ.
٤٩٤ - فَإِذَا كَانُوا نَادَوْا بِالْأَمَانِ حِينَ دَنَوْا مِنْ أَدْنَى الْمَسَالِحِ فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْيَدُ الْقَاهِرَةُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ نَادُوا بِالْأَمَانِ فِي مَوْضِعِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ جَاءُوا مُسْتَأْمَنِينَ.
٤٩٥ - وَلَوْ جَاءُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَحْدَهُمْ كَانُوا آمِنِينَ، عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ إلَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا مَعَهُ.
٤٩٦ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَهُمْ مِنْ عَلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا يَسْمَعُونَ فِيهِ النِّدَاءَ بِالْأَمَانِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْأَمَانَ، فَلَمَّا بَلَغُوا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءُ بِالْأَمَانِ نَادُوا أَوْ لَمْ يُنَادُوا، فَهُمْ آمِنُونَ.
[ ٣٤٠ ]
لِأَنَّهُمْ جَاءُوا مُنْقَادِينَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَالِبُونَ لِلْأَمَانِ، وَالدَّلِيلُ فِي مِثْلِ هَذَا كَالصَّرِيحِ.
٤٩٧ - فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَهُمْ عَبِيدٌ كَمَا ذَكَرُوا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى مَوَالِيهِمْ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْأَمَانِ.
٤٩٨ - وَإِنْ قَالُوا جِئْنَا مُرَاغِمَيْنِ لِمَوَالِينَا نُرِيدُ الذِّمَّةَ أَوْ نُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ لِمَوَالِيهِمْ عَلَيْهِمْ.
وَلَوْ جَاءُوا مُسْتَأْمَنِينَ وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوا أَنْفُسَهُمْ بِدَارِنَا عَلَى مَوَالِيهِمْ، وَلَوْ قَهَرُوا مَوَالِيَهُمْ فَأَحْرَزُوهُمْ بِدَارِنَا مَلَكُوهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا أَحْرَزُوا أَنْفُسَهُمْ يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ. وَمَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عَتَقَ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمَ الطَّائِفِ: «أَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إلَيْنَا مُسْلِمًا فَهُوَ حُرٌّ. فَخَرَجَ إلَيْهِ سَبْعَةُ أَعْبُدٍ فَأَعْتَقَهُمْ» . وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ عُتَقَاءَ اللَّهِ. ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجُوا مُسْلِمِينَ أَوْ ذِمَّةً، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا كَالْمُسْلِمِ فَيَتِمُّ فِيهِمْ إحْرَازُ أَنْفُسِهِمْ بِالطَّرِيقَيْنِ.
[ ٣٤١ ]
وَإِنْ قَدِمَ مَوَالِيهِمْ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَذِنُوا لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِلتِّجَارَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوَالِي. لِأَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَمْلُوكِينَ لَهُمْ، ثُمَّ ادَّعَوْا سَبَبَ زَوَالِ مِلْكِ الْمَوَالِي عَنْهُمْ، وَهُوَ الْمُرَاغَمَةُ. فَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ (٨٧ آ) يَدَّعِي أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوَالِيَ يَتَمَسَّكُونَ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُرَاغَمٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ مَعَ يَمِينِهِ. فَيَسْتَحْلِفُ الْإِمَامُ الْمَوَالِيَ بِاَللَّهِ إنْ طَلَبَ الْعَبِيدُ ذَلِكَ. ثُمَّ إذَا حَلَفُوا أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَسْلَمُوا، أُجْبِرُوا عَلَى بَيْعِهِمْ. لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ كَمَا لَا يُتْرَكُ فِي يَدِ الذِّمِّيِّ لَا يُتْرَكُ فِي يَدِ الْحَرْبِيِّ لِيَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَفِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْبَيْعِ هَا هُنَا مُرَاعَاةُ حَقِّ الْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ إزَالَةُ ذُلِّ الْكَافِرِ عَنْهُ.
٥٠٠ - وَالْمُسْتَأْمَنُ يُؤْخَذُ بِمِثَالِ هَذَا كَالذِّمِّيِّ. فَأَمَّا مَنْ صَارَ مِنْهُمْ ذِمَّةً فَإِنَّ مَوْلَاهُ يُتْرَكُ يَذْهَبُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ. لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ تَبَعٌ لِمَوْلَاهُ، فَلَا يَصْلُحُ مِنْهُ قَبُولُ الذِّمَّةِ مَقْصُودًا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِي دَارِنَا إذَا كَانَ مَعَهُ عَبْدٌ أَدْخَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا لَا نُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ قَبْلُ، رَدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ يَبْنِي الْحُكْمَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَقُولُ مَا لَمْ يَأْتِ مَنْ يُكَذِّبُهُ.
[ ٣٤٢ ]
٥٠١ - وَهَذَا كُلُّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ بِحُجَّةٍ سِوَى إقْرَارِهِ. وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ حِينَ نَادَى بِالْأَمَانِ أَوْ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَبْدٌ جَاءَ غَيْرَ مُرَاغِمٍ لِمَوْلَاهُ صُدِّقَ أَيْضًا، وَدُفِعَ إلَى مَوْلَاهُ. لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَقَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، فَلَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي إقْرَارِهِ.
٥٠٢ - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ حَتَّى صَارَ ذِمَّةً وَأُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ ثُمَّ جَاءَ مُسْتَأْمَنٌ فَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ بَعَثَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِلتِّجَارَةِ بِأَمَانٍ، وَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ الذِّمِّيُّ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يُصَدِّقُهُ عَلَى مَا قَبَضَ مِنْ الْخَرَاجِ لِيَرُدَّهُ، وَلَا عَلَى رَقَبَتِهِ لِيُعِيدَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهُ عَبْدًا لَهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ. لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُحْتَمَلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ التُّهْمَةُ، فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُقِرِّ فِيمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ. وَفِي صَيْرُورَتِهِ مِلْكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ. فَأَمَّا فِي رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَتَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مَمْنُوعًا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. فَلَعَلَّهُ وَاضِعٌ هَذَا الرَّجُلَ حِينَ لَمْ يُعْجِبْهُ الْمُقَامُ فِي دَارِنَا حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِالرِّقِّ فَيَرُدُّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ صَيْرُورَتِهِ عَبْدًا لَهُ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ذِمِّيًّا فِي دَارِنَا أَوْ أَسْلَمَ عَبْدُهُ فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَلَا إشْكَالَ أَنَّ مَا قُبِضَ مِنْهُ مِنْ الْخَرَاجِ قَدْ صَارَ حَقًّا لِلْمُقَاتِلَةِ. فَلَا يُصَدَّقُ هُوَ (٨٧ ب) فِي إيجَابِ رَدِّ ذَلِكَ عَلَى الْحَرْبِيِّ.
[ ٣٤٣ ]
فَإِنْ أَقَامَ الْحَرْبِيُّ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ الرِّقِّ فَإِنَّهُ يَدَعُهُ لِيَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْخَرَاجِ. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ حَقَّهُ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
٥٠٤ - وَإِنْ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنُونَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُمْ، وَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالرِّقِّ إذَا كَانَ هُوَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ. لِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَشَهَادَةُ الْحَرْبِيِّ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الذِّمِّيِّ.
٥٠٥ - وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَعَلَهُ عَبْدًا لَهُ. لِأَنَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ الشَّهَادَةَ تَقُومُ عَلَيْهِ. وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ حُجَّةٌ عَلَى الذِّمِّيِّ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ فِي رَدِّ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ وَلَا فِي رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ الشَّهَادَةَ تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ الْآخَرِ.
٥٠٦ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ لَمْ يُقْبَلْ عَلَيْهِ إلَّا شُهُودٌ مُسْلِمُونَ. فَإِذَا قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ جَعَلَهُ عَبْدًا لَهُ وَأَجْبَرَهُ عَلَى بَيْعِهِ. كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِذَلِكَ.
٥٠٧ - قَالَ: فَإِذَا اسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ إلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّنُوهُ فَخَرَجَ مَعَهُ بِامْرَأَةٍ وَبِأَطْفَالٍ صِغَارٍ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي، وَهَؤُلَاءِ وَلَدِي.
[ ٣٤٤ ]
وَلَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُمْ فِي الْأَمَانِ فَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّهُمْ فَيْءُ غَيْرِهِ. لِأَنَّهُ طَلَبَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَحُكْمُ الْأَمَانِ لَا يَتَعَدَّى إلَى مَنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ اسْتِئْمَانٌ لِهَؤُلَاءِ إشَارَةٌ وَلَا دَلَالَةٌ. وَلَكِنَّ هَذَا قَبِيحٌ، فَيُجْعَلُونَ جَمِيعًا آمِنِينَ بِأَمَانِهِ اسْتِحْسَانًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَأْمِنُ إلَيْنَا فِرَارًا مِنْهُمْ لِمَعْنًى هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، أَوْ لِيُقِيمَ فِي دَارِنَا زَمَانًا وَيَتَّجِرَ بِمَا يَتِمُّ لَهُ. هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا خَرَجَ بِزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ. فَإِنْ قُلْت: الْمَرْءُ مَعَ عِيَالِهِ، فَهَذَا دَلِيلُ اسْتِئْمَانِهِ لَهُمْ، ثُمَّ هُمْ تَبَعٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعُولُهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَالتَّبَعُ يَصِيرُ مَذْكُورًا بِذِكْرِ الْأَصْلِ، إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ يَمْنَعُ مِنْهُ. وَالْعُرْفُ هُنَا مُؤَيِّدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى. أَلَا تَرَى أَنَّ الذِّمِّيَّ فِي دَارِنَا يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ، وَلَا جِزْيَةَ عَلَى أَتْبَاعِهِ وَذَرَارِيِّهِ مِنْ النِّسَاءِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ؟ .
٥٠٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ مَعَهُ بِسَبْيٍ كَثِيرٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ رَقِيقِي. وَصَدَّقُوهُ. أَوْ كَانُوا صِغَارًا لَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ كَانَ مَعَهُ دَوَابُّ عَلَيْهَا مَتَاعٌ وَمَعَهَا قَوْمٌ يَسُوقُونَهَا فَقَالَ: هَؤُلَاءِ غِلْمَانِي. فَصَدَّقُوهُ فِي ذَلِكَ، كَانَ مُصَدَّقًا مَعَ يَمِينِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ. فَإِنَّهُ يَسْتَصْحِبُ مَالَهُ سَوَاءٌ جَاءَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ عَلَى قَصْدِ الْفِرَارِ مِنْهُمْ.
وَلَوْ جَاءَ وَحْدَهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ هَلَكَ جُوعًا فِي دَارِنَا وَإِنَّمَا طَلَبَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَرَارِ فِي دَارِنَا زَمَانًا، فَدَخَلَ مَالُهُ فِي ذَلِكَ تَبَعَا
[ ٣٤٥ ]
إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَحْلِفُهُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ بِيَمِينِهِ. وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْ الرِّقَابِ الَّذِينَ مَعَهُ كَانَ فَيْئًا (٨٨ آ) وَجَمِيعُ مَا مَعَهُ. لِأَنَّ الرِّقَّ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ إذَا كَذَّبَهُ، وَالتَّبَعِيَّةُ فِي الْأَمَانِ تُبْتَنَى عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ هَذَا حُرًّا حَرْبِيًّا فِي دَارِنَا لَا أَمَانَ لَهُ، فَيَكُونُ فَيْئًا مَعَ مَا مَعَهُ.
٥٠٩ - وَإِنْ قَالَ: لَيْسَتْ الدَّوَابُّ دَوَابِّي، وَلَا الَّذِينَ يَسُوقُونَهَا بِغِلْمَانِي، وَلَكِنْ الْمَتَاعَ مَتَاعِي، اسْتَأْجَرْتهمْ لِيُحْمَلَ ذَلِكَ مَعِي فَصَدَّقُوهُ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُمْ فَيْءٌ وَدَوَابَّهُمْ. لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهُمْ وَلَا اسْتَأْمَنُوا لِأَنْفُسِهِمْ إشَارَةً وَلَا دَلَالَةً. .
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُمْ آمِنُونَ مَعَ دَوَابِّهِمْ. لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَمْتِعَةِ إلَى دَارِنَا عَلَى ظَهْرِهِ لِيَتَّجِرَ فِيهَا، وَلَكِنَّ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ الْكِرَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا. وَثُبُوتُ الْأَمَانِ لَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ حَوَائِجِهِ. وَمِمَّا يَتِمُّ بِهِ مَقْصُودُهُ فَيَتَعَدَّى حُكْمُ الْأَمَانِ إلَيْهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ، كَمَا يَتَعَدَّى إلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ لَهُمْ.
٥١٠ - وَإِنْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَادِي. فَهُمْ فَيْءٌ. لِأَنَّهُمْ أُصُولٌ قَدْ خَرَجُوا بِالْبُلُوغِ مِنْ أَنْ يَكُونُوا تَبَعًا لَهُ مِنْ حُكْمِ الْأَمَانِ، كَمَا أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الذِّمَّةِ وَالْإِسْلَامِ لَا يَتْبَعُونَهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا كَانُوا فَيْئًا.
[ ٣٤٦ ]
وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ: هُمْ وَلَدِي، وَصَدَّقُوهُ فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُهُ مَا لَمْ يَبْلُغُوا. أَلَا تَرَى لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَ فِي الذِّمَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانُوا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَإِنْ كَذَّبُوهُ فَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ نَسَبَهُمْ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ عِنْدَ تَكْذِيبِهِمْ إذَا كَانُوا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ صَارُوا فَيْئًا حِينَ دَخَلُوا بِغَيْرِ أَمَانٍ. وَقَوْلُ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فِي هَذَا مَقْبُولٌ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، كَمَجْهُولِ الْحَالِ إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ لِإِنْسَانٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ.
٥١٢ - وَإِنْ كَانَ مَعَهُ صِغَارٌ لَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ: سَرَقْتهمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْرَجْتهمْ، أَوْ هُمْ أَيْتَامٌ كَانُوا فِي عِيَالِي فَأَخْرَجْتُهُمْ مَعِي، فَهُمْ لَهُ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِمْ مُسْتَقِرَّةٌ إذَا كَانُوا لَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِمْ. وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ السَّرِقَةِ، فَهُمْ مَمَالِيكُهُ وَأَتْبَاعٌ لَهُ، أَوْ أَنَّهُمْ فِي عِيَالِهِ أَتْبَاعُهُ بِسَبَبِ إنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَا كَانُوا يَجِيئُونَ إلَى دَارِنَا إلَّا مَعَهُ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِهِ.
٥١٣ - وَلَوْ خَرَجَ بِنِسَاءٍ قَدْ بَلَغْنَ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ بَنَاتِي. وَصَدَّقْنَهُ فَهُنَّ فَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ. لِأَنَّ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ يَزُولُ بِبُلُوغِهِنَّ حَتَّى لَا يَصِرْنَ مُسْلِمَاتٍ بِإِسْلَامِهِ، فَهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ مِنْ أَوْلَادِهِ.
[ ٣٤٧ ]
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُنَّ آمِنَاتٌ. لِأَنَّهُنَّ فِي عِيَالِهِ وَنَفَقَتِهِ، مَا لَمْ يَتَحَوَّلْنَ إلَى بُيُوتِ الْأَزْوَاجِ. وَبُنِيَ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ (٨٨ ب) . فَالنِّسَاءُ لَا يَسْتَأْمِنَّ لِأَنْفُسِهِنَّ عَادَةً، وَلَكِنْ يَكُنَّ مَعَ آبَائِهِنَّ أَوْ أَزْوَاجِهِنَّ، بِخِلَافِ الذُّكُورِ مِنْ الْأَوْلَادِ. لِأَنَّ الذُّكُورَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ مُقَاتِلَةٌ فَلَا يَحْصُلُ الْأَمَانُ لَهُمْ إلَّا بِالِاسْتِئْمَانِ مَقْصُودًا. وَالنِّسَاءُ آمِنَاتٌ عَنْ الْقَتْلِ. وَإِنَّمَا حَاجَتُهُنَّ إلَى الْأَمَانِ لِدَفْعِ الِاسْتِرْقَاقِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ، وَيُمْكِن إثْبَاتُ ذَلِكَ لَهُنَّ بِالْإِتْبَاعِ لِآبَائِهِنَّ فِي حُكْمِ الْأَمَانِ.
٥١٤ - وَعَلَى هَذَا الْأُمَّهَاتُ وَالْجَدَّاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْهُنَّ فَهُنَّ آمِنَاتٌ، تَبَعًا لَهُ، بِخِلَافِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ. فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ فِي الْأَمَانِ أَحَدٌ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ إلَّا عَبْدُهُ وَأَجِيرُهُ اسْتِحْسَانًا، لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِ إلَى اسْتِصْحَابِهِمْ مَعَ نَفْسِهِ، إمَّا لِلتِّجَارَةِ فِيهِمْ، أَوْ لِنَقْلِ أَمْتِعَةِ التِّجَارَةِ بِهِمْ. وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ آمِنًا بِأَمَانِهِ نَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ فَهُوَ آمِنٌ، لِتَصَادُقِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ ثُبُوتِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ ثُمَّ صَدَّقَهُ كَانَ فَيْئًا. لِأَنَّ بِتَكْذِيبِهِ يَثْبُتُ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ. فَتَصْدِيقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إبْطَالٌ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ صَدَّقَهُ ثُمَّ كَذَّبَهُ كَانَ فَيْئًا أَيْضًا. لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِ، وَذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ.
[ ٣٤٨ ]
إلَّا رَقِيقُهُ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ الَّذِينَ يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. أَمَّا رَقِيقُهُ فَلِأَنَّ مِلْكَهُ تَقَرَّرَ فِيهِمْ بِالتَّصْدِيقِ، فَلَا يَبْقَى لَهُمْ قَوْلٌ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ. وَأَمَّا أَوْلَادُهُ فَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُمْ بِالتَّصْدِيقِ وَتَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُمْ بِاعْتِبَارِ أَمَانِهِ، وَلَا قَوْلَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ مَعْرُوفِ النَّسَبِ وَحُرِّ الْأَصْلِ إذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ صَغِيرٌ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. أَمَّا ابْنَتُهُ وَزَوْجَتُهُ وَأُخْتُهُ وَعَمَّتُهُ إذَا كَذَّبَتْ بَعْدَ التَّصْدِيقِ كَانَتْ فَيْئًا، لِإِقْرَارِهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُ الِابْنَةِ مِنْهُ حِينَ صَدَّقَتْهُ. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِهَا مِنْهُ بُطْلَانُ إقْرَارِهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا. وَالْبَالِغَةُ مَقْبُولَةُ الْقَوْلِ فِيمَا يَضُرُّهَا، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِيمَا يَنْفَعُهُ لَا فِيمَا يَضُرُّهُ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الرِّقِّ بِإِقْرَارٍ بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ حُرِّيَّتُهُ بِتَصْدِيقِهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ هَذَا الصَّغِيرَ لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ عَبْدُهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّهُ لَا بِإِقْرَارِهِ بَلْ بِدَعْوَى ذَلِكَ الرَّجُلِ. إلَّا أَنَّ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ تَكُنْ يَدُ الْغَيْرِ مُسْتَقِرَّةً عَلَيْهِ. فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ وَجَبَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ، وَحِينَ قَالَ: أَنَا عَبْدٌ لَهُ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ يَدُ ذِي الْيَدِ عَلَيْهِ. فَيَثْبُتُ الرِّقُّ بِدَعْوَى ذِي الْيَدِ، وَبِاعْتِبَارِ يَدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ. فَأَمَّا أَنْ يَثْبُتَ الرِّقُّ بِإِقْرَارِهِ (٨٩ آ) فَلَا. لِأَنَّ إقْرَارَ الصَّبِيِّ بِمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ لَا يَصِحُّ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا يَضُرُّهُ؟ .
٥١٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا حِصْنًا فَطَلَبَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ الْأَمَانَ
[ ٣٤٩ ]
عَلَى أَنْ يَنْزِلَ إلَيْهِمْ، فَأَعْطَوْهُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ وَوَلَدُهُ الصِّغَارُ وَرَقِيقُهُ وَمَالُهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءُ غَيْرِهِ. لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ مَقْهُورًا خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنَّمَا يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ.
وَفِي تَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ لَا حَاجَةَ إلَى اتِّبَاعِ شَيْءٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَعَهُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي دَارِهِ غَيْرَ خَائِفٍ. وَإِنَّمَا اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِنَا لِيَسْكُنَ فِيهَا، وَيَتَّجِرَ، وَلَا يَتِمُّ لَهُ هَذَا الْمَقْصُودُ إلَّا بِاسْتِصْحَابِ هَؤُلَاءِ. وَالثَّانِي أَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ مَا فِي الْحِصْنِ هُنَا، فَإِنَّ الْمَحْصُورَ كَالْمَأْخُوذِ. فَلِهَذَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُ تَصَرُّفَاتِهِ. فَالْحَاجَةُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا ثَبَتَ، وَذَلِكَ بِالنَّصِّ يَكُونُ، لَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ. فَأَمَّا الَّذِي اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِنَا لَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيمَنْ اسْتَصْحَبَهُمْ مَعَهُ، وَإِنَّمَا حَاجَتُهُمْ إلَى مَنْعِ ثُبُوتِ حَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِمْ وَدَلَالَةُ الْحَالِ يَكْفِي لِذَلِكَ. وَلَكِنَّ هَذَا الْمَحْصُورَ إنْ خَرَجَ إلَيْنَا بِسِلَاحٍ كَمَا يَلْبِسُ النَّاسُ، رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، وَمَعَهُ نَقْدٌ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ فِي حَقْوَيْهِ فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ عُرْيَانًا. وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنْكَرْنَا مَا عَلَيْهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى لُبْسِ السِّلَاحِ أَيْضًا لِيَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْقِتَالِ أَوْ يَدْفَعُ شَرَّهُمْ عَنْ نَفْسِهِ إنْ رَمَوْهُ بَعْدَ مَا خَرَجَ. وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ رَاكِبًا عَلَى دَابَّتِهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى نَفَقَتِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى شَيْئًا فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ مِنْهُمْ أَنْ يَنْجُوَ رَأْسًا بِرَأْسٍ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَصْحِبْ نَفَقَتَهُ مَاتَ جُوعًا، فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ. فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى يَصِيرُ هَذَا الْقَدْرُ مُسْتَثْنًى مِنْ جُمْلَةِ مَا يَسْتَصْحِبُهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَيُسَلَّمُ لَهُ، كَمَا أَنَّ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ مِمَّا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى عَنْ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ، لِعِلْمِنَا بِوُقُوعِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ اسْتِحْسَانًا.
[ ٣٥٠ ]
ثُمَّ أَوْضَحَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَحْصُورِ وَبَيْنَ الَّذِي جَاءَ مُسْتَأْمَنًا إلَى دَارِنَا فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحْصُورَ لَوْ نَادَى بِالْأَمَانِ وَانْحَطَّ إلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَمِّنُوهُ كَانَ فَيْئًا. وَاَلَّذِي جَاءَ إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ إذَا نَادَى بِالْأَمَانِ وَلَمْ يَقُلْ الْمُسْلِمُونَ لَهُ شَيْئًا كَانَ آمِنًا. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الدَّلَالَةَ هَا هُنَا تَكْفِي وَفِي الْمَحْصُورِ لَا.
٥١٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ (٨٩ ب) أَمَّنُوا رَجُلًا فِي الْحِصْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ خُرُوجَهُ إلَيْهِمْ لِأَمْرٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ. لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ لِيَسْكُنَ فِي مَوْضِعِهِ. وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى لَهُ السُّكْنَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَيَتْبَعُونَهُ فِي الْأَمَانِ بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الْحِصْنِ فَإِنَّهُ اسْتَأْمَنَ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ.
٥١٨ - وَلَوْ تَقَدَّمَتْ مَسَالِحُ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّ مَنْ اسْتَأْمَنَ مِنْكُمْ إلَى دَارِنَا أَوْ إلَى عَسْكَرِنَا فِي تِجَارَةٍ فَهُوَ آمِنٌ وَحْدَهُ دُونَ مَا يَأْتِي بِهِ فَعَلِمُوا بِذَلِكَ، فَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْيٍ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ فَيْءٌ كُلُّهُ لَا يُسَلَّمُ لَهُ، إلَّا مَا يُسَلَّمُ لِلْمَحْصُورِ الَّذِي يَخْرُجُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُمْ قَدْ نَبَذُوا إلَيْهِمْ الْأَمَانَ فِيمَا يَأْتُونَ بِهِ.
وَإِذَا كَانَ النَّبْذُ بَعْدَ الْأَمَانِ يَرْفَعُ حُكْمَ الْأَمَانِ فَاقْتِرَانُهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ. وَلِأَنَّا إنَّمَا كُنَّا نُثْبِتُ الْأَمَانَ لَهُ فِيمَا يَأْتِي بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَلَا دَلَالَةَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ
[ ٣٥١ ]
لَوْ أَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُ لَا أَمَانَ لِمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بِطَلَبِ الْأَمَانِ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمَنُوا، إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْأَمَانَ. فَعَرَفْنَا بِأَنَّ حَالَهُمْ بَعْدَ هَذَا النَّبْذِ كَحَالِ الْمَحْصُورِ.
٥١٩ - وَلَوْ خَرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ حَرْبِيٌّ يُنَادِي بِالْأَمَانِ، وَمَعَهُمَا مَالٌ، فَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ عَلَى دَابَّةٍ مُمْسِكَانِ لَهَا، فَقَالَ: الْمُسْلِمُ: هَذَا عَبْدِي وَالْمَالُ وَالدَّابَّةُ لِي. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: كَذَبَ. بَلْ جِئْت مُسْتَأْمَنًا وَالْمَالُ مَالِي. فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ مَقْهُورًا بِرِبَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ. لِأَنَّهُ صَارَ عَبْدًا لَهُ حِينَ جَاءَ بِهِ مَقْهُورًا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ يَدٌ مُعَارِضَةٌ لِيَدِ مَوْلَاهُ فِي الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْهُورٍ فَهُوَ حُرٌّ مُسْتَأْمَنٌ. لِكَوْنِ الظَّاهِرِ شَاهِدًا لَهُ. ثُمَّ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَالِ مُعَارِضَةٌ لِيَدِ صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ الْمَالُ وَالدَّابَّةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
٥٢٠ - وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا عَلَيْهَا وَالْآخَرُ مُمْسِكًا بِلِجَامِهَا فَالْيَدُ لِلرَّاكِبِ دُونَ الْمُمْسِكِ بِاللِّجَامِ أَيُّهُمَا كَانَ. لِأَنَّ الْمَرْكُوبَ نَفْعٌ لِلرَّاكِبِ، وَمَا عَلَى الدَّابَّةِ فَهُوَ فِي يَدِ مَنْ فِي يَدِهِ الدَّابَّةُ.
٥٢١ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ثَوْبًا وَأَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُمْسِكٌ بِهِ، فَالثَّوْبُ لِلَّابِسِ دُونَ الْمُمْسِكِ بِهِ. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
[ ٣٥٢ ]
وَكَذَلِكَ الْيَدُ لِلرَّاكِبِ دُونَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ لِلدَّابَّةِ. فَإِذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ دُونَ صَاحِبِهِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَقُودُ الدَّابَّةَ وَالْآخَرُ يَسُوقُهَا فَالدَّابَّةُ وَالْمَالُ لِلْقَائِدِ. لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ بِلِجَامِ الدَّابَّةِ فَهِيَ وَمَا عَلَيْهَا فِي يَدِهِ دُونَ السَّائِقِ.
٥٢٣ - فَإِنْ كَانَا خَرَجَا إلَى مُعَسْكَرِنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: هُوَ مَالِي، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: هُوَ مَالِي وَهَبَهُ لِي أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ اغْتَصَبْته مِنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا فِيهِمْ، فَإِنَّ الْمَالَ فِي أَيْدِيهِمَا فَنِصْفُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ (٩٠ آ) وَنِصْفُهُ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ هَذَا النِّصْفَ فِي يَدِ الْأَسِيرِ، وَقَدْ أَحْرَزَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَهُوَ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْهِبَةِ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُشَارَكَةِ مَعَهُ.
٥٢٤ - وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ عَلَى مَا ادَّعَى، قُضِيَ لَهُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ بِجَمِيعِ الْمَالِ. لِأَنَّ مَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ. وَذَلِكَ الْمَالُ يَكُونُ كُلُّهُ فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْعَسْكَرِ وَهُوَ فِيهِمْ. لِأَنَّ مَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَثْبُتُ مَا ادَّعَى مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
[ ٣٥٣ ]
وَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْمَالُ سَالِمٌ لَهُ. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مَا ادَّعَى بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُجْعَلُ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً.
٥٢٥ - وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْمَنِينَ خَاصَّةً وَشَهِدَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ كَانَ لِلْأَسِيرِ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَهُ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ، فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ رُدَّ الْمَالُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً. وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فِي مَنْعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يُقْضَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ كَانَ بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَالْمُسْتَأْمَنُ لَمْ يُلْزَمْ أَحْكَامَنَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَّجِرَ عِنْدَنَا ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى دَارِهِ، فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ جَرَى بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا وَمُسْتَأْمَنًا لَوْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَدَانَهُ دَيْنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً وَأَقَامَ بَيِّنَةً مُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ يَصِيرَ ذِمِّيًّا، فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُ خُصُومَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِنَا.
٥٢٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ فِي دَارِنَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَيْنًا أَوْ وَدِيعَةً، فَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي دَارِنَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَافِ وَالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا مُدَّةَ مُقَامِهِمَا فِي دَارِنَا.
[ ٣٥٤ ]
وَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ تُسْمَعْ الْخُصُومَةُ. فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَا أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً. وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ غَصَبَهُ شَيْئًا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تُسْمَعْ هَذِهِ الْخُصُومَةُ أَيْضًا لِأَنَّهَا دَارُ نُهْبَةٍ. فَكُلُّ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا كَانَ سَالِمًا لَهُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَتْ مُعَامَلَةً جَرَتْ بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي. فَتُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِمَا بَعْدَ مَا صَارَا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.
٥٢٨ - وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْتَأْمَنُ إذَا خَرَجَا وَقَدْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا قَائِمًا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُسْتَأْمَنُ، لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إنْ كَانَ (٩٠ ب) هُوَ الْغَاصِبُ فَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ. وَالْحَرْبِيُّ إنْ كَانَ هُوَ الْغَاصِبُ فَقَدْ تَمَّ إحْرَازُهُ لَهُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ. فَإِنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَالْإِحْرَازَ فِيهِ لَا يَتَحَقَّقُ فَتُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِ لِهَذَا.
٥٢٩ - وَلَوْ خَرَجَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْتَأْمَنُ وَفِي أَيْدِيهِمَا بَغْلٌ عَلَيْهِ مَالٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: مَالِي وَفِي يَدِي. فَقَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَضَى الْقَاضِي بِهِ لَهُ. لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ.
وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَطَأُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا فِيمَا قَالَ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ إذَا قَالَ مِلْكِي وَفِي يَدِي لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي هَذِهِ الْخُصُومَةَ وَيَقُولُ: إذَا كَانَ مِلْكُك فِي يَدِك فَمَاذَا تَطْلُبُ مِنِّي؟ فَقَدْ نَصَّ هُنَا عَلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا لِدَفْعِ مُنَازَعَةِ الْآخَرِ. وَالْبَيِّنَةُ لِهَذَا الْمَقْصُودِ مَقْبُولَةٌ، وَهُوَ يَقُولُ لِلْقَاضِي: أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ مُزَاحِمَتِي وَتُقَرِّرَهُ فِي يَدِي.
[ ٣٥٥ ]
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يَجْعَلْ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِ، وَهُنَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ. فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُسْمَعَ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ مَا لَمْ يَصِرْ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا؟ قُلْنَا: فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ فِي يَدِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ الْخُصُومَةَ فِيهِ بَيْنَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ أَنَّ الْغَاصِبَ وَثَبَ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ حَتَّى تَعَلَّقَ بِالْبَغْلِ مَعَ صَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْمِنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ هَذِهِ الْخُصُومَةَ أَيْضًا وَيَقْضِي بِهِ لِصَاحِبِهِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ وَلَمْ يُحْرِزْهُ غَاصِبُهُ مَا دَامَتْ يَدُ صَاحِبِهِ مُعَارِضَةً لِيَدِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ تَمَّ زَوَالُ يَدِ صَاحِبِهِ. وَقَدْ تَمَّ الْإِحْرَازُ مِنْ الْغَاصِبِ لَهُ. فَلِهَذَا لَا يَقْضِي لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنْ أَسْلَمَا.
٥٣٠ - وَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُ الَّذِي كَانَ أَسِيرًا فِي دَارِهِمْ: هَذَا الْبَغْلُ وَهَذَا الْمَالُ كَانَ لِهَذَا الْمُسْتَأْمَنِ، أَخَذْتُهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ مَا خَرَجْنَا. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: الْبَغْلُ وَمَا عَلَيْهِ لِي وَهَذَا كَاذِبٌ. وَالْبَغْلُ فِي أَيْدِيهِمَا، فَفِي الْقِيَاسِ نِصْفُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَنِصْفُهُ فَيْءٌ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ إذَا أَخْرَجَهُ إلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْأَسِيرَ بِإِقْرَارِهِ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بَعْدَمَا ثَبَتَ حَقُّهُمْ. وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِمْ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ.
[ ٣٥٦ ]
لِأَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ يَدِ الْأَسِيرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الْأَسِيرِ فِي بَيَانِ جِهَةِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى هَذَا الْمَالِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ: إنَّ أَصْلَ الْمَالِ كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ. فَمَا بَقِيَتْ يَدُهُ لَا تَتَقَرَّرُ يَدُ الْأَسِيرِ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ، فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ. سَوَاءٌ خَرَجَا إلَى الْمُعَسْكَرِ أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
٥٣١ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْأَسِيرِ خَاصَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُسْتَأْمَنُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْب فَلَا سَبِيلَ لِلْمُسْتَأْمَنِ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ اسْتِيلَاءُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ حِينَ انْقَطَعَ يَدُ الْمُسْتَأْمَنِ عَنْهُ. فَإِنْ أَخْرَجَهُ إلَى الْمُعَسْكَرِ فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَتِهِمْ. وَإِنْ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً. بِمَنْزِلَةِ مَا يُخْرِجُهُ الْمُتَلَصِّصُ، وَلَا خُمْسَ فِيهِ.
٥٣٢ - وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنِّي فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا أَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ. وَبِأَمَانِهِ صَارَ مِلْكُهُ مَغْصُوبًا مُحْتَرَمًا. فَالْأَسِيرُ يَدَّعِي سَبَبَ تَمَلُّكِ مَالِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِاَللَّهِ. وَلِأَنَّ أَخْذَهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ حَادِثٌ، فَيُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ حُصُولِهِمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. كَمَنْ ادَّعَى تَارِيخًا سَابِقًا فِي الْأَخْذِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُوَفِّقُ. .
[ ٣٥٧ ]