بَابٌ مِنْ النَّفْلِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِقَتْلِ الْقَتِيلِ وَلَا يُسْتَحَقُّ إذَا اُخْتُلِفَ فِيهِ
وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَضَرَبَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا فَصَرَعَهُ، وَاجْتَزَّ آخَرُ رَأْسَهُ (ص ٢٣٧) فَإِنْ كَانَ الَّذِي ضَرَبَهُ قَتَلَهُ، وَاجْتَزَّ الْآخَرُ رَأْسَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَالسَّلَبُ لِلضَّارِبِ.
لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ. فَإِنَّ تَمَامَ فِعْلِ الْقَتْلِ بِالْمَقْتُولِ، وَقَدْ صَارَ مَقْتُولًا بِضَرْبَتِهِ.
١١٩٢ - وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى التَّحَامُلِ مَعَ ضَرْبَتِهِ أَوْ الْعَوْنِ بِالْكَلَامِ أَوْ غَيْرِهِ فَالسَّلَبُ لِلَّذِي اجْتَزَّ رَأْسَهُ.
لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ. فَإِنَّهُ بَعْدَ فِعْلِ الْأَوَّلِ كَانَ مَضْرُوبًا مَقْتُولًا.
وَإِنَّمَا صَارَ مَقْتُولًا بَعْدَ فِعْلِ الثَّانِي. وَالْإِمَامُ لَمْ يَقُلْ مَنْ صَرَعَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: مَنْ قَتَلَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْلَا فِعْلُ الْأَوَّلِ لَمَا تَمَكَّنَ الثَّانِي مِنْ جَزِّ رَأْسِهِ. قُلْنَا: وَلَوْلَا خُرُوجُهُ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مَا تَمَكَّنَ الْقَاتِلُ مِنْ قَتْلِهِ فِيهِ، ثُمَّ بِهَذَا لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ يَكُونُ قَاتِلًا نَفْسَهُ.
أَرَأَيْت لَوْ تَوَهَّقَهُ إنْسَانٌ فَرَمَى بِهِ عَنْ بِرْذَوْنِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ فَوَثَبَ آخَرُ فَجَزَّ
[ ٧٠٤ ]
رَأْسَهُ أَكَانَ الْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ؟ لَا، وَلَكِنَّ الْقَاتِلَ مَنْ جَزَّ رَأْسَهُ وَإِنْ كَانَ لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ فِعْلِ الْآخَرِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ.
١١٩٣ -. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ضَرَبَهُ الْأَوَّلُ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّ آخِرَهُ يَكُونُ إلَى الْمَوْتِ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا عَاشَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَاجْتَزَّ آخَرُ رَأْسَهُ فَالسَّلَبُ لِلثَّانِي.
لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ حَقِيقَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ فِي نَظِيرِهِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ يَكُونُ الْقَوَدُ عَلَى الثَّانِي، وَيُجْعَلُ فِعْلُ الثَّانِي فِي حَقِّ الْأَوَّلِ كَالْبُرْءِ، لِأَنَّهُ قَاطِعٌ لِسِرَايَةِ فِعْلِ الْأَوَّلِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ:
١١٩٤ - بِحَدِيثِ عُمَرَ - ﵁ -. فَإِنَّ الَّذِي ضَرَبَهُ فِي الْمِحْرَابِ أَصَابَ مَقْتَلَهُ حَتَّى شَرِبَ اللَّبَنَ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، وَعُلِمَ أَنَّ آخِرَ أَمْرِهِ إلَى الْمَوْتِ. وَمَعَ هَذَا كَانَ حَيًّا مَا لَمْ يَمُتْ. حَتَّى لَوْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ وَرِثَهُ عُمَرُ وَلَمْ يَرِثْ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْهُ شَيْئًا.
١١٩٥ - وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَرَبَهُ فَنَثَرَ مَا فِي بَطْنِهِ فَأَلْقَاهُ، أَوْ قَطَعَ أَوْدَاجَهُ إلَّا أَنَّ فِيهِ الرُّوحَ بَعْدُ، فَاجْتَزَّ الْآخَرُ رَأْسَهُ فَالسَّلَبُ لِلَّذِي ضَرَبَهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ بِفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي بَقِيَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ اضْطِرَابِ الْمَذْبُوحِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ.
[ ٧٠٥ ]
أَلَا تَرَى أَنَّ الذِّئْبَ لَوْ عَدَا عَلَى شَاةٍ فَقَطَعَ أَوْدَاجَهَا أَوْ نَثَرَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ أَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَضْطَرِبُ عِنْدَ الذَّبْحِ.
وَمِثْلُهُ لَوْ عَقَرَهَا الذِّئْبُ عَقْرًا يُعْلَمُ أَنَّ آخِرَ ذَلِكَ الْمَوْتُ إلَّا أَنَّهَا تَعِيشُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَذَبَحَهَا صَاحِبُهَا جَازَ أَكْلُهَا. وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] .
وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - فِي شَاةٍ بَقَرَ الذِّئْبُ بَطْنَهَا فَخَرَجَ قَصَبُهَا فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا. قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُتَيَقَّنَ بِهِ لَا يَتَبَدَّلُ إلَّا بِمِثْلِهِ. فَالرُّوحُ قَبْلَهُ كَانَ مُتَيَقَّنًا بِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ إلَّا بِفِعْلٍ يَتَيَقَّنُ بِهِ بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَهُ، وَمَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَعِيشَ بَعْدَهُ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُجْعَلُ مَقْتُولًا، بَلْ إنَّمَا يُجْعَلُ مَقْتُولًا بِحَزِّ الرَّأْسِ.
١١٩٦ - فَإِنْ قَالَ الَّذِي اجْتَزَّ رَأْسَهُ: اجْتَزَزْت رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَقَالَ الضَّارِبُ: بَلْ اجْتَزَزْت رَأْسَهُ بَعْدَ مَا مَاتَ. فَإِنَّهُ يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ. فَإِنْ كَانَ فِعْلُ الضَّارِبِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ أَوْ إلْقَاءِ مَا فِي الْبَطْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ فِعْلَهُ قَاتِلُهُ وَفِعْلَ الثَّانِي كَذَلِكَ.
وَعِنْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْأَثَرِ يَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِالسَّبْقِ.
وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْأَوَّلِ بِحَيْثُ يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي وَالسَّلَبُ لَهُ.
لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ فِعْلَ الثَّانِي قَتْلٌ، وَلَا نَتَيَقَّنُ بِهِ فِي فِعْلِ الْأَوَّلِ. وَلَا مُعَارَضَةَ
[ ٧٠٦ ]
بَيْنَ الْأَضْعَفِ وَالْأَقْوَى. فَإِنَّمَا يُحَالُ بِزَهُوقِ الرُّوحِ عَلَى الْأَقْوَى (ص ٢٣٨) الَّذِي نَتَيَقَّنُ بِهِ
١١٩٧ - وَإِنْ كَانَتْ جِرَاحَةُ الْأَوَّلِ مُشْكِلَةً، أَوْ كَانَ خَفِيَ عَلَيْهِ مَوْضِعُهَا مِنْ الْجَسَدِ، أَوْ أَخَذَهُ أَصْحَابُهُ فَاحْتَمَلُوهُ فَالسَّلَبُ لِلَّذِي اجْتَزَّ رَأْسَهُ.
لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِأَنَّ فِعْلَهُ قَتْلٌ. وَفِي فِعْلِ الْأَوَّلِ تَرَدُّدٌ إذَا لَمْ يُوقَفْ عَلَى صِفَتِهِ، وَالْمُتَرَدِّدُ لَا يُعَارِضُ الْمُتَيَقَّنَ بِهِ، لِأَنَّ مَنْ عُلِمَ حَيَاتُهُ يَقِينًا لَا يُجْعَلُ مَيِّتًا إلَّا بِتَيَقُّنٍ مِثْلِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ فِعْلِ الثَّانِي. .
١١٩٨ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا احْتَمَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَنْ فَرَسِهِ حَتَّى جَاءَ بِهِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ذَبَحَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ.
لِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِهِ إلَى الصَّفِّ حَيًّا فَقَدْ صَارَ هَذَا أَسِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ الْأَسِيرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ. لِأَنَّ لِلْإِمَامِ فِي الْأَسِيرِ رَأْيًا بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ فَيْئًا. وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ الْإِمَامِ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ الْأَسِيرَ، وَكَيْفَ يَكُونُ قَصْدُهُ هَذَا وَإِنَّمَا نَفَّلَ لِلتَّحْرِيضِ. وَقَتْلُ الْأَسِيرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَا يَحِلُّ شَرْعًا.
١١٩٩ - فَلَوْ كَانَ حِينَ احْتَمَلَهُ أَنْزَلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ كَانَ لَهُ سَلَبُهُ.
لِأَنَّهُ قَتَلَ مُقَاتِلًا عَلَى وَجْهِ الْمُبَارَزَةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَصِرْ أَسِيرًا بِمُجَرَّدِ إنْزَالِهِ عَنْ دَابَّتِهِ.
[ ٧٠٧ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْلَا أَخْذُهُ لَكَانَ يَنْتَصِفُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا حَصَلَ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ صَارَ مَقْهُورًا لَا يَنْتَصِفُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذَ هَذَا الرَّجُلِ.
وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَا جَاءَ بِهِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ.
١٢٠٠ - وَلَوْ أَسْلَمَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بَعْدَ مَا أَنْزَلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ كَانَ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.
١٢٠١ - وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَهَّقَهُ حَتَّى أَنْزَلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَلَهُ سَلَبُهُ.
١٢٠٢ - فَلَوْ جَرَّهُ بِوَهْقِهِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُ مُمْتَنِعًا مَعَ ذَلِكَ يُعَالِجُ نَفْسَهُ وَيُقَاتِلُهُ بَعْدَ مَا أَتَى بِهِ صَفَّ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ أَسْرُهُ بَعْدَ إذْ كَانَ مُمْتَنِعًا مُقَاتِلًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ فَوَقَعَ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يُقَاتِلُ مَعَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ؟
١٢٠٣ - وَلَوْ أَسْلَمَ حِينَ وَقَعَ فِي الصَّفِّ وَأَلْقَى سِلَاحَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ أَسِيرًا مَقْهُورًا بِمَا صَنَعَهُ. .
١٢٠٤ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ حِينَ اصْطَفَّ الْفَرِيقَانِ لِلْقِتَالِ: مَنْ
[ ٧٠٨ ]
جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ. فَهَذَا جَائِزٌ، وَهُوَ عَلَى رُءُوس الرِّجَالِ لَيْسَ عَلَى السَّبْيِ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِمَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ. فَكُلُّ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا وَجَاءَ بِرَأْسِهِ اسْتَحَقَّ النَّفَلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَمَا سَمَّى لَهُ الْإِمَامُ.
١٢٠٥ - فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ بِرَأْسٍ وَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ. وَقَالَ آخَرُ: بَلْ أَنَا قَتَلْتُهُ، وَهَذَا أَخَذَ بِرَأْسِهِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي جَاءَ بِالرَّأْسِ.
لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ. فَإِنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ جَزِّ رَأْسِهِ وَالْمَجِيءِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: بِالظَّاهِرِ يُدْفَعُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَحَاجَتُهُ إلَى إثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ.
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ، وَهُوَ عِنْدَ قَتْلِ الْمُشْرِكِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ عَادَةً، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْكِيمِ الْعَلَامَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِ.
وَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ فَالسَّلَبُ لَهُ.
لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقَتْلِ وَحَثُّ الْمُبَارِزِينَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، وَذَلِكَ فِعْلُ الْقَتْلِ دُونَ جَزِّ رَأْسِ الْمَقْتُولِ.
فَكَأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ كِنَايَةً عَنْ هَذَا. وَاللَّفْظُ مَتَى صَارَ مَجَازًا عَنْ غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ سَقَطَ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهِ.
أَرَأَيْت (ص ٢٣٩) أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ مُشْرِكًا فَاجْتَرَّهُ أَصْحَابُهُ إلَيْهِمْ
[ ٧٠٩ ]
فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَأْسِهِ، أَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَنْدَرَهُ فَوَقَعَ فِي نَهْرٍ فَذَهَبَ بِهِ الْمَاءُ أَكَانَ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِهَذَا؟ أَرَأَيْت لَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَنْدَرَهُ فَوَقَعَ فِي كَفِّ آخَرَ أَكَانَ السَّلَبُ لِلَّذِي وَقَعَ فِي كَفِّهِ؟ لَا، وَلَكِنَّهُ لِلْقَاتِلِ.
١٢٠٦ -. وَلَوْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا رَجُلٌ مَاتَ فَاجْتَزَّ رَأْسَهُ. وَقَالَ الَّذِي جَاءَ بِرَأْسِهِ: بَلْ قَتَلْتُهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
لِأَنَّا وَجَدْنَا مَعَهُ عَلَامَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ، وَتَحْكِيمُ الْعَلَامَةِ فِي مِثْلِ هَذَا أَصْلٌ.
١٢٠٧ - وَلَوْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا رَأْسُ مُسْلِمٍ. نُظِرَ إلَى السِّيمَاءِ. فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُشْرِكِينَ فَلَهُ النَّفَلُ، وَإِلَّا فَلَا.
لِأَنَّ تَحْكِيمَ السِّيمَاءِ فِيمَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْعَلَامَةِ أَصْلٌ، بِدَلِيلِ مَا إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْمُشْرِكِينَ. فَإِنَّ تَحْكِيمَ السِّيمَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالدَّفْنِ.
١٢٠٨ - وَإِنْ أُشْكِلَ فَلَمْ يَدْرِ أَرَأْسُ مُسْلِمٍ هُوَ أَوْ رَأْسُ مُشْرِكٍ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ رَأْسُ مُشْرِكٍ.
لِأَنَّ مَعَهُ عَلَامَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ مُشْرِكٌ. وَبِدُونِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ.
فَمَا لَمْ يُعْلَمْ بِمَا هُوَ الْمَشْرُوطُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.
١٢٠٩ - وَإِنْ جَاءَ بِرَأْسٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَمَعَهُ آخَرُ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ
[ ٧١٠ ]
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فِي يَدِهِ الرَّأْسُ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ النَّفَلَ، وَإِنْ نَكَلَ فَفِي الْقِيَاسِ لَا نَفْلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
لِأَنَّ النَّاكِلَ قَدْ صَارَ مُقِرًّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ. وَلَمْ يُجَدْ مَعَ الْآخَرِ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ قَاتِلٌ، إذْ الرَّأْسُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ. وَحَاجَتُهُ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَنُكُولُ النَّاكِلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِمْ.
١٢١٠ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ النَّفَلُ لِلْآخَرِ. لِأَنَّ نُكُولَ النَّاكِلِ كَإِقْرَارِهِ.
١٢١١ - وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْقَاتِلَ هَذَا، بَعْدَ مَا جَحَدَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَجْحَدَ كَانَ النَّفَلُ لَهُ.
فَكَذَلِكَ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ. وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِالرَّأْسِ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّفْلِ بِوُجُودِ الْعَلَامَةِ مَعَهُ. فَهُوَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ نُكُولِهِ حَوَّلَ مَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ إلَى الثَّانِي، وَذَلِكَ صَحِيحٌ. كَمَنْ أَقَرَّ بِعَيْنِ الْإِنْسَانِ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَيْسَ لِي وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي، وَيُجْعَلُ مُحَوَّلًا إلَيْهِ مَا صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِإِقْرَارِهِ.
١٢١٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ رَجُلَانِ بِرَأْسٍ وَهُمَا يَزْعُمَانِ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ. فَالنَّفَلُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الرَّأْسُ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ.
لِأَنَّ الْعَلَامَةَ ظَهَرَتْ فِي حَقِّهِمَا بِتَصَادُقِهِمَا، أَوْ بِكَوْنِ الرَّأْسِ فِي أَيْدِيهِمَا.
١٢١٣ - وَإِنْ قَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ الرَّأْسُ: قَتَلْتُهُ أَنَا وَهَذَا الرَّجُلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: قَتَلْتُهُ دُونَهُ. فَالنَّفَلُ لَهُمَا.
[ ٧١١ ]
لِأَنَّ الْعَلَامَةَ لِمَنْ فِي يَدِهِ الرَّأْسُ. وَهُوَ مَا حُوِّلَ بِإِقْرَارِهِ إلَى صَاحِبِهِ، إلَّا بِنِصْفِ مَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ. فَيَبْقَى اسْتِحْقَاقُهُ لِلنِّصْفِ الْآخَرِ.
١٢١٤ - وَلَوْ جَاءَ بِالرَّأْسِ وَهُمَا آخِذَانِ بِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: أَنَا قَتَلْتُهُ وَحْدِي. اُسْتُحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا فَالنَّفَلُ لِصَاحِبِهِ خَاصَّةً. فَإِنْ حَلَفَا فَالنَّفَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْعَلَامَةِ وَهُوَ الْمَجِيءُ بِالرَّأْسِ وَالِاسْتِحْقَاقُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ. .
١٢١٥ - وَلَوْ نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إلَى رَجُلٍ يَجْتَزُّ رَأْسَ مَقْتُولٍ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ. وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ أُعْطِيَ نَفْلَهُ.
لِوُجُودِ الْعَلَامَةِ مَعَهُ. فَإِنْ كَانُوا رَأَوْهُ جَاءَ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا يَقْتُلُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى اجْتَزَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَهَذَا لَا نَفْلَ لَهُ. لِأَنَّ تَحْكِيمَ الْعَلَامَةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَقَدْ عَارَضَهُ دَلِيلٌ هَا هُنَا، وَهُوَ عِلْمُنَا بِأَنَّهُ مَقْتُولٌ (ص ٢٤٠) حَالَ مَا كَانَ الرَّجُلُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ضَرْبِهِ. وَاَلَّذِي سَبَقَ إلَى وَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ كَاذِبٌ.
١٢١٦ - فَإِنْ قَالَ: إنِّي كُنْتُ قَتَلْتُهُ ثُمَّ قَاتَلْت ثُمَّ رَجَعْت إلَيْهِ فَاجْتَزَزْت رَأْسَهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ.
[ ٧١٢ ]
لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ بِهِ، وَبِمَا لَيْسَ مَعَهُ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِدْقِهِ. فَلَوْ أُعْطِيَ شَيْئًا إنَّمَا يُعْطَى بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِالنَّصِّ.
١٢١٧ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ حِينَ انْهَزَمَ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَهَذَا أَيْضًا عَلَى رُءُوس الرِّجَالِ.
لِأَنَّ فِي انْهِزَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي آثَارِهِمْ يَقْتُلُونَهُمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّحْرِيضُ عَلَى الِاتِّبَاعِ وَالْقَتْلِ.
وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ: عَنَيْت السَّبْيَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ.
لِأَنَّهُ أَضْمَرَ خِلَافَ مَا أَظْهَرَ، وَلَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِي ضَمِيرِهِ. فَإِنَّمَا يُبْنَى الْحُكْمُ فِي حَقِّهِمْ عَلَى مَا أَظْهَرَ وَعَلَى مَا عَلَيْهِ الْغَالِبُ مِنْ الْأُمُورِ، إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ فَيَقُولَ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ مِنْ السَّبْيِ فَلَهُ كَذَا.
١٢١٨ - وَإِنْ كَانُوا قَدْ انْهَزَمُوا وَتَفَرَّقُوا وَكَفَّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ الْقَتْلِ، وَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ كَذَا فَهَذَا عَلَى السَّبْيِ.
لِأَنَّهُ قَدْ انْقَضَى وَقْتُ الْقِتَالِ. وَإِنَّمَا الْآنَ وَقْتُ جَمْعِ الْغَنَائِمِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ التَّحْرِيضُ عَلَى الطَّلَبِ وَالْجَمْعِ. وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ رَأْسَ الْقَتِيلِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ يُبْنَى عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ الْمُرَادِ فِي كُلِّ فَصْلٍ. .
١٢١٩ - وَلَوْ قَالَ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسَيْنِ فَلَهُ أَحَدُهُمَا فَهَذَا عَلَى السَّبْيِ. لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ بَعْضَ مَا يَأْتِي بِهِ. وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي السَّبْيِ لَا فِي رَأْسِ الْقَتِيلِ. فَإِنَّهُ جِيفَةٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى التَّحْرِيضِ بِخِلَافِ
[ ٧١٣ ]
مَا إذَا قَالَ: فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيضِ عَلَى الْقَتْلِ هُنَاكَ يَحْصُلُ بِمَا أَوْجَبَ لَهُ.
١٢٢٠ - وَلَوْ قَالَ: بِطْرِيقُ الْقَوْمِ قُتِلَ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَلَهُ مِائَةٌ. فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إلَّا بِقِتَالٍ فَقَاتَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى جَاءَ بِهِ فَلَهُ النَّفَلُ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ فِيهِ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُشْرِكُونَ عَنْهُ فَأَخَذَهُ وَجَاءَ بِهِ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ فَلَهُ النَّفَلُ، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ التَّحْرِيضُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِرَأْسِهِ، فَقَدْ أُتِيَ بِهِ، وَفِي هَذَا كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْعَدُوِّ.
لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَنْصِبَ رَأْسًا بِطْرِيقِهِمْ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قُتِلَ فَتَنْكَسِرَ شَوْكَتُهُمْ.
وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ، فَيَسْتَحِقُّ النَّفَلَ عَلَيْهِ.
١٢٢١ - فَإِنْ تَنَحَّى الْعَدُوُّ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَذَهَبَ رَجُلٌ حَتَّى اجْتَزَّ رَأْسَهُ وَجَاءَ بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ لَا يُخَافُ فِيهِ الْعَدُوُّ فَلَيْسَ لَهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
لِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا لَيْسَ بِجِهَادٍ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ الْأَمِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْجَارِ بِحَمْلِ الْجِيفَةِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَصْمُدْ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ. إنَّمَا قَالَ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ. وَفِي مِثْلِ هَذَا الِاسْتِئْجَارِ بَاطِلٌ.
١٢٢٢ - فَإِنْ عَمَدَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ: إنْ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْبِطْرِيقِ فَلَكَ كَذَا. أَوْ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَقَالَ: أَيُّكُمْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَلَهُ كَذَا.
وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَلِلَّذِي جَاءَ بِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ لَهُ.
[ ٧١٤ ]
لِأَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْجَارِ، وَلَكِنَّهُ إجَازَةٌ فَاسِدَةٌ. فَإِنَّ مِقْدَارَ الْعَمَلِ كَانَ مَجْهُولًا، لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ حِينَ اسْتَأْجَرَهُ. وَالْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ إقَامَتِهِ الْعَمَلَ، وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا يُسَمَّى لَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْمُسَمَّى. وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ يَنْصِبَ رَأْسَهُ لِتَنْكَسِرَ قُلُوبُهُمْ فَلَا يَكُرُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ يَسُوقَ الْغَنَمَ أَوْ الرَّمَكَ، أَوْ لِيَحْمِلَ الْأَمْتِعَةَ، وَيُعْطِيَهُ ذَلِكَ مِمَّا غَنِمُوا قَبْلَ هَذَا، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَجْرِ لَا عَلَى وَجْهِ النَّفْلِ. وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَجُوزُ التَّنْفِيلُ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَصَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (ص ٢٤١) . .
[ ٧١٥ ]