٧٠ - بَابُ النَّفْلِ الَّذِي يُنَفِّلُهُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ وَإِذَا خَرَجَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ مَعَ السَّرِيَّةِ وَخَلَّفَ الضَّعَفَةَ فِي الْمُعَسْكَرِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَابْتُلُوا بِالْقِتَالِ فَنَفَّلَ لَهُمْ أَمِيرَهُمْ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ نَفْلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ.
لِأَنَّ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ فِي الْمُعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ سَرِيَّةٍ وَجَّهَهُمْ مِنْ الْمُعَسْكَرِ إلَى نَاحِيَةٍ، فَكَمَا أَنَّ لِأَمِيرِهِمْ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ خَاصَّةً دُونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ.
فَهُنَا لِأَمِيرِ الضَّعَفَةِ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ خَاصَّةً دُونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ فِي حُكْمِ التَّنْفِيلِ.
١٠٤٠ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ الَّذِينَ نَفَّلَ لَهُمْ الْإِمَامُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ بَعُدَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ، ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ سَرِيَّتِهِ وَنَفَّلَهُمْ أَقَلَّ مِنْ النَّفْلِ الْأَوَّلِ وَأَكْثَرَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِ سَرِيَّتِهِ.
ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ نَصِيبَ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ غَنِيمَةٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى السَّرِيَّةِ الْأُولَى. ثُمَّ يَلْحَقُونَ جَمِيعًا بِأَهْلِ الْمُعَسْكَرِ. وَفِي هَذَا يَجُوزُ النَّفَلُ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى، وَيُرْفَعُ ذَلِكَ مِمَّا جَاءُوا بِهِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حِصَّةَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى، ثُمَّ يَنْفُذَ
[ ٦٣٨ ]
مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ نَفْلُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ تَنْفِيلَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى إنَّمَا يَجُوزُ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِهِ خَاصَّةً مِنْ النَّفْلِ وَالْغَنِيمَةِ جَمِيعًا دُونَ حِصَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
فَإِذَا تَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ حِصَّتَهُمْ يُعْطِي مِنْ ذَلِكَ نَفْلَ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ.
فَإِنْ كَانَ يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ حِصَّتِهِمْ وَيَفْضُلُ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْفَضْلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِأَمِيرِهِمْ عَلَى حِصَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ أَذِنَ لَهُ فِي التَّنْفِيلِ، فَحِينَئِذٍ هُوَ نَائِبٌ عَنْ الْأَمِيرِ يَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِي حَقِّ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا إذَا لَمْ يَلْقَوْا أَهْلَ الْعَسْكَرِ حَتَّى خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَهَاهُنَا يَبْطُلُ نَفْلُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُصَابِ لَهُمْ خَاصَّةً، وَالنَّفَلُ الْعَامُّ فِي مِثْلِهِ بَاطِلٌ. كَمَا لَوْ كَانُوا بَعَثُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَجَازَ نَفْلُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ سَرِيَّةٍ مَبْعُوثَةٍ مِنْ جَيْشٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَقَدْ نَفَّلَ لَهُمْ أَمِيرُهُمْ. فَيُعْطِيهِمْ النَّفَلَ مِنْ الْمُصَابِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْسِمُ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ السَّرِيَّةِ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ.
١٠٤١ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ مِنْ الْمُعَسْكَرِ سَرِيَّةً وَنَفَّلَ لَهُمْ الرُّبْعَ قَبْلَ الْخُمُسِ، فَهُوَ تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ مَتَاعٍ.
لِأَنَّهُ سَمَّى لَهُمْ بِلَفْظٍ عَامٍّ.
١٠٤٢ - فَإِنْ خَصَّ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا خَصَّ.
لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ، فَيُرَاعِي صِفَةَ التَّسْمِيَةِ.
[ ٦٣٩ ]
فَإِنْ جَاءَتْ السَّرِيَّةُ بِغَنَائِمَ فِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، فَأَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّةِ بَعْضَ السَّبْيِ فَعِتْقُهُ بَاطِلٌ.
لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ (ص ٢١٥) لَهُمْ بِطَرِيقِ الِاغْتِنَامِ، كَاسْتِحْقَاقِ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لِلْجَيْشِ. فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ حَتَّى لَا يَنْفُذَ الْعِتْقُ مِنْ بَعْضِ الْغَانِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَا كَذَلِكَ، بَلْ الِاسْتِحْقَاقُ لِلنَّفْلِ بِالتَّسْمِيَةِ. وَقَدْ صَحَّتْ مِنْ الْإِمَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْمِلْكُ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ.
قُلْنَا: تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ لِقَطْعِ شَرِكَةِ الْجَيْشِ مَعَهُمْ فِي مِقْدَارِ مَا نَفَّلَ لَهُمْ، لَا لِإِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ بَعْدَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ بِالْإِصَابَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمْ لَا يُفَضَّلُ فِي هَذَا الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ؟ وَلَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْإِصَابَةِ لَثَبَتَ التَّفْضِيلُ. قُلْنَا: الْإِمَامُ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ كَمَا قَطَعَ شَرِكَةَ الْجَيْشِ مَعَهُمْ قَطَعَ حَقَّ الْفَارِسِ فِي التَّفْضِيلِ، لِضَرُورَةِ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي النَّفْلِ.
ثُمَّ مِنْ ضَرُورَةِ انْقِطَاعِ الشَّرِكَةِ لِلْغَيْرِ وَاخْتِصَاصِهِمْ فِي النَّفْلِ أَنْ يَتَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَيَكُونُ الْمُنَفَّلُ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
وَلَوْ أَنَّ الْجَيْشَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنَائِمِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَعْضَ السَّبْيِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ نَصِيبُهُ مِنْهَا بِالْقِسْمَةِ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ الْغَنَائِمَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ. وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ مِنْ السَّبْيِ. فَهَذَا مَوْجُودٌ فِي النَّفْلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَيْضًا.
ثُمَّ خَرَّجَ الْمَسَائِلَ عَلَى هَذَا فَقَالَ:
[ ٦٤٠ ]
وَلَوْ كَانَ فِي السَّبْيِ قَرِيبٌ لِبَعْضِ أَهْلِ السَّرِيَّةِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
١٠٤٥ - وَلَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ فَلَيْسَ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ نَفْلِهِمْ.
كَمَا لَا يَكُونُ لِلْجَيْشِ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
١٠٤٦ - وَلَوْ ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْغَنِيمَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا السَّرِيَّةُ فَأَحْرَزُوهَا ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ قَاتَلُوهُمْ حَتَّى اسْتَنْقَذُوا ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ رَدُّوا النَّفَلَ إلَى أَهْلِهِ.
لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَأَكَّدَ فِي الْمُنَفَّلِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ فَأَحْرَزُوهَا ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُمْ جَيْشٌ آخَرُ فَهُنَاكَ الرِّوَايَةُ وَاحِدَةٌ.
أَنَّ الْأَوَّلِينَ إنْ ظَفِرُوا بِمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ.
لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَأَكَّدَ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ. وَالْحَقُّ الْمُتَأَكِّدُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْهُونَ إذَا أَحْرَزَهُ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ الْمُتَأَكِّدِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا إذَا وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَذُكِرَ هُنَا: أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءُوا عَلَى قِيَاسِ الْمَرْهُونِ.
[ ٦٤١ ]
فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ الْمُتَأَكِّدِ فِيهِ. وَذُكِرَ بَعْدَ هَذَا: أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْجَيْشِ الْأَوَّلِ إنَّمَا تَأَكَّدَ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ الْغَنَائِمَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْقِيمَةِ مُفِيدًا لَهُمْ شَيْئًا بِخِلَافِ الْأَخْذِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَحْرَزَ الْكُفَّارُ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ بِالْمِثْلِ، فَلَا يَكُونُ مُفِيدًا، وَبِخِلَافِ الْمَرْهُونِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي حَبْسِ الْعَيْنِ ثَابِتٌ، فَيَكُونُ الْأَخْذُ مُفِيدًا فِي حَقِّهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُنَفَّلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ (ص ٢١٦)، فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ الَّتِي لَا نَفْلَ فِيهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَإِنَّهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ وَأَحْرَزُوهَا ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُمْ جَيْشٌ آخَرُ، فَلَا سَبِيلَ لِلْجَيْشِ الْأَوَّلِ عَلَيْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ. لِأَنَّ الثَّابِتَ لَهُمْ كَانَ حَقًّا ضَعِيفًا.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَمْ يُورَثْ نَصِيبُهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ شَارَكُوهُمْ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ. وَالْحَقُّ الضَّعِيفُ يُبْطِلُ إحْرَازَ الْمُشْرِكِينَ الْمَالَ بِدَارِهِمْ فَكَأَنَّهَا مَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ حَتَّى الْآنَ.
وَأَمَّا فِي الْمُنَفَّلِ فَالْحَقُّ مُتَأَكِّدٌ لَهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، حَتَّى إنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ يُورَثُ نَصِيبُهُ، وَلَا يَشْرَكُهُمْ الْمَدَدُ فِي ذَلِكَ إذَا لَحِقُوهُمْ. فَلِهَذَا وَجَبَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
[ ٦٤٢ ]
وَلَوْ قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بِيعَتْ وَلَمْ يُقَسَّمْ الثَّمَنُ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنْ الْمُشْتَرِي حَتَّى ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَعَلَى الثَّمَنِ فَأَحْرَزُوهَا، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُمْ عَسْكَرٌ آخَرُ، فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ الْغَنَائِمَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ.
لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَ الْعَيْنَ بِالشِّرَاءِ، فَيَرُدُّونَ الثَّمَنَ عَلَى الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ كَمَا يَرُدُّونَ عَلَى الْجَيْشِ مِنْ أَمْوَالِ سَائِرِ النَّاسِ. لِأَنَّ بَيْعَ الْإِمَامِ حِينَ نَفَذَ مُوجِبُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ، فَهُوَ مُوجِبُ الْمِلْكِ فِي الثَّمَنِ لِمَنْ وَقَعَ الْبَيْعُ لَهُمْ أَيْضًا.
١٠٤٨ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ لَمَّا جَاءَتْ بِالْغَنَائِمِ وَلَهُمْ فِيهَا النَّفَلُ اسْتَهْلَكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ جَمِيعَ تِلْكَ الْغَنَائِمِ. فَهُوَ ضَامِنٌ لِحِصَّةِ النَّفْلِ خَاصَّةً، إلَّا مَنْ قُتِلَ مِنْ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ.
لِأَنَّ النَّفَلَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ.
١٠٤٩ - وَلَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْغَانِمِينَ اسْتَهْلَكَ الْغَنَائِمَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا لِضَعْفِ حَقِّهِمْ فِيهَا. وَلَوْ اسْتَهْلَكَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ كَانَ ضَامِنًا لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ، إلَّا مَنْ قُتِلَ مِنْ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لَهَا.
لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الرِّجَالِ لَا يَتَأَكَّدُ بِالْإِحْرَازِ مَا لَمْ يَضْرِبْ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ الرِّقَّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَهُمْ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَيَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُنَفَّلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ.
[ ٦٤٣ ]
وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ جَاءَتْ بِغَنَائِمَ فِيهَا طَعَامٌ وَعَلَفٌ فَلِأَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَأْكُلُوا ذَلِكَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ.
لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ لِلسَّرِيَّةِ فِيهَا بِسِهَامِهِمْ.
فَكَمَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَتَنَاوَلَ فِيهَا مِقْدَارَ حَاجَتِهِ فَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا.
لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ أَنَّ الْمُنَفَّلَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ. فَإِنَّ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا ضَمَانٍ. فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الْمُنَفَّلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ كَذَلِكَ.
قُلْنَا: إنَّمَا افْتَرَقَا فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ التَّنَاوُلِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَسْتَصْحِبُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ لِلذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، وَلَا يَجِدُونَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ شِرَاءً. وَمَا يَأْخُذُونَهُ يَكُونُ غَنِيمَةً. وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَا تَتَحَقَّقُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِذَا صَارَ مُسْتَثْنًى مِنْ الشَّرِكَةِ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ مُوجِبِ الْمُفَاوَضَةِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. ثُمَّ هَذِهِ الضَّرُورَةُ تَتَحَقَّقُ فِي الْغَنَائِمِ الَّتِي فِيهَا نَفْلٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْغَنَائِمِ الَّتِي لَا نَفْلَ فِيهَا فَيَصِيرُ (ص ٢١٧) مُسْتَثْنًى مِنْ حُكْمِ النَّفْلِ أَيْضًا. وَلِهَذَا جَازَ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ التَّنَاوُلُ مِنْهَا، فَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ إذَا قَسَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَعْطَوْهُمْ النَّفَلَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ كَمَا أَعْطَوْهُمْ مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ صَارَ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ التَّنْفِيلِ لَمَا اسْتَحَقَّ النَّفَلَ مِنْهُ.
[ ٦٤٤ ]
قُلْنَا هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدَرِ الضَّرُورَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ الَّتِي لَا نَفْلَ فِيهَا إذَا قُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَالطَّعَامُ وَغَيْرُ الطَّعَامِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؟ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ تَكُنْ بَاقِيَةً عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُنَفَّلِ. وَلِهَذَا لَا يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ لِلتُّجَّارِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْغُزَاةِ الَّذِينَ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي الْقِسْمَةِ دُونَ التُّجَّارِ. وَلَوْ تَنَاوَلَ التُّجَّارُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ عَلَفُوا دَوَابَّهُمْ لَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا؛ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي قُلْنَا لَا يَتَأَكَّدُ الْحَقُّ فِيهَا، مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَمَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا الْمُنَفَّلَ، وَغَيْرُ الْمُنَفَّلِ فِيهِ سَوَاءٌ، بِمَنْزِلَةِ قَتْلِ الرِّجَالِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا.
١٠٥١ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ أَصَابُوا أَرَاضِي بِمَا فِيهَا. فَلَهُمْ النَّفَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِتَعْمِيمِ التَّنْفِيلِ مِنْ الْإِمَامِ.
فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَمُنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا وَيَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا، فَرُبَّمَا رَأَى النَّظَرَ فِي ذَلِكَ.
وَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّفْلِ أَنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي النَّفْلِ كَحَقِّ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ. وَلِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْمَنِّ هُنَاكَ فَكَذَلِكَ هُنَا.
١٠٥٢ - إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِيَهُمْ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ عِوَضًا مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِفِعْلِ عُمَرَ - ﵁ - فَإِنَّهُ حِينَ بَعَثَ النَّاسَ إلَى
[ ٦٤٥ ]
الْعِرَاقِ قَالَ لِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ: لَك وَلِقَوْمِك رُبْعُ مَا غَلَبْتُمْ عَلَيْهِ فَفَتَحُوا السَّوَادَ. ثُمَّ جَعَلَ عُمَرُ - ﵁ - الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْضَ خَرَاجٍ. وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَا نَفَّلَ جَرِيرًا وَقَوْمَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهُ فَقَالَتْ: إنَّ ذَا قَرَابَةٍ لِي مَاتَ مِنْ الْغُزَاةِ فَتَرَكَ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ مِيرَاثًا، وَلَسْت أُسَلِّمُ مَا صَنَعْت إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي دَنَانِيرَ. فَأَعْطَاهَا كَفًّا مِنْ دَنَانِيرَ.
وَفِي الْمَغَازِي يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهَا قَالَتْ: لَسْت أَرْضَى حَتَّى تَمْلَأَ كَفِّي ذَهَبًا وَتَحْمِلَنِي عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ - ﵁ -.
فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ يُورَثُ نَصِيبُهُ. وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَرْضِيَ أَصْحَابَ النَّفْلِ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا إذَا أَرَادَ الْمَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَرَاضِي بِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٦٤٦ ]