٦٩ - بَابُ النَّفْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ٩٩٦ - قَالَ: كُلُّ أَمِيرٍ كَانَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ يَلِي سَرِيَّةً أَوْ جُنْدًا فَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْهَا أَصْحَابَهُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ.
لِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرُ الْقِتَالِ، وَالتَّنْفِيلُ مِنْ تَدْبِيرِ الْقِتَالِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. فَكُلُّ أَمِيرٍ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُمْ بِشَيْءٍ فِي الْقِتَالِ كَانَ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، فَكَذَلِكَ فِي التَّنْفِيلِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ.
٩٩٧ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الشَّامِ بَعَثَ جُنْدًا إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَمِيرِهِمْ أَنْ يُنَفِّلَ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَرَأَى أَمِيرُهُمْ أَنْ يُنَفِّلَ جَازَ تَنْفِيلُهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ تَحْتَ رَايَتِهِ.
لِأَنَّهُ مَا أُمِرَ بِأَنْ يَتَّبِعَ رَأْيَهُمْ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ فِيمَا يَرَاهُ صَوَابًا.
وَلِأَنَّهُ وَلِيَ الْقِتَالَ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ.
٩٩٨ - وَإِنْ نَهَاهُ الَّذِي وَجَّهَهُ أَنْ يُنَفِّلَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا.
لِأَنَّ سَبَبَ الْإِمَارَةِ التَّقْلِيدُ. وَهُوَ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَبِمَنْزِلَةِ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ
[ ٦٢٠ ]
فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ. وَلِأَنَّا إنَّمَا صَحَّحْنَا تَنْفِيلَهُ قَبْلَ النَّهْيِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا عِنْدَ التَّنْصِيصِ بِخِلَافِهَا.
٩٩٩ - فَإِنْ رَضِيَ جَمِيعُ مَنْ مَعَهُ جَازَ تَنْفِيلُهُ مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ بَعْدَ رَفْعِ الْخُمُسِ.
لِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعْمِلُ رِضَاهُ فِي حَقِّهِمْ. فَأَمَّا الْخُمُسُ حَقُّ غَيْرِهِمْ، فَلَا يُعْمِلُ فِيهِ رِضَاهُمْ بِالتَّنْفِيلِ.
١٠٠٠ - وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَأَذِنَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ حِصَصِ الَّذِينَ أَذِنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ وِلَايَتَهُمْ مَقْصُورَةٌ عَلَى حِصَصِهِمْ دُونَ حِصَصِ الْبَاقِينَ مِمَّنْ كَرِهَ تَنْفِيلَهُ.
١٠٠١ - قَالَ (ص ٢٠٨) وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمِصِّيصَةِ بَعَثَ سَرِيَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ السَّرِيَّةَ مَا أَصَابُوا.
١٠٠٢ - بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ الْإِمَامُ مَعَ الْجَيْشِ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةً وَنَفَّلَ لَهُمْ مَا أَصَابُوا فَإِنَّهُ يَجُوزُ. لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الْمَبْعُوثَةَ مِنْ الْمِصِّيصَةِ يَخْتَصُّونَ بِمَا أَصَابُوا قَبْلَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْمِصِّيصَةِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ الْمِصِّيصَةَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ،
[ ٦٢١ ]
وَمَنْ يَتَوَطَّنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُشَارِكُ الْجَيْشَ فِيمَا أَصَابُوا، فَلَيْسَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ.
وَأَمَّا السَّرِيَّةُ الْمَبْعُوثَةُ مِنْ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَخْتَصُّونَ بِالْمُصَابِ قَبْلَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا هَذَا التَّنْفِيلُ لِلتَّخْصِيصِ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيضِ لَهُمْ، فَكَانَ مُسْتَقِيمًا.
١٠٠٣ - ثُمَّ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا إلَّا بِبَلَاءٍ يُبْلِيهِ. وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ فِي التَّنْفِيلِ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَيَحْصُلُ فِي السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا جَمِيعًا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ اخْتَصَّتْ السَّرِيَّةُ بِالتَّقَدُّمِ فِي نَحْوِ الْعَدُوِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إظْهَارَ الْبَلَاءِ مِنْهُمْ، فَإِذَا نَفَّلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا، بِمَنْزِلَةِ التَّنْفِيلِ فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا بَرَزَ عِلْجٌ مِنْ الصَّفِّ وَدَعَا إلَى الْبِرَازِ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ بَرَزَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ، فَذَلِكَ تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ؟ لِأَنَّ الَّذِي يَبْرُزُ إلَيْهِ يُظْهِرُ فَضْلَ بَلَاءٍ بِصُنْعِهِ، فَيَجُوزُ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُنَفِّلَهُ عَلَى ذَلِكَ.
١٠٠٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ حَاصَرُوا حِصْنًا فَكَرِهَ الْقَوْمُ التَّقَدُّمَ فَيَقُولُ الْأَمِيرُ: مَنْ تَقَدَّمَ إلَى الْقِتَالِ، أَوْ إلَى الْبَابِ، أَوْ إلَى حَصْرِ الْحِصْنِ فَلَهُ كَذَا، فَذَلِكَ تَنْفِيلٌ مُسْتَقِيمٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّحْرِيضِ
[ ٦٢٢ ]
وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الْمُصَابِ قَبْلَ الْخُمُسِ وَالْقِسْمَةِ. فَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَنْبَغِي فِيهِ التَّنْفِيلُ.
لِأَنَّ لَا مَقْصُودَ فِيهِ سِوَى إبْطَالِ الْخُمُسِ، أَوْ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
١٠٠٥ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَّهَ سَرِيَّتَيْنِ بَعْدَ الْخُمُسِ إحْدَاهُمَا يَمْنَةً وَالْأُخْرَى يَسْرَةً، وَنَفَّلَ لِإِحْدَاهُمَا الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ مِمَّا يُصِيبُونَ وَلِأُخْرَى الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَهُوَ جَائِزٌ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْخُرُوجِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّرِيقِ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَالْوُعُورَةِ وَالسُّهُولَةِ، وَالْخَوْفِ وَالْأَمْنِ، وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ فِي الْمَنَعَةِ وَالْقُوَّةِ، وَالْأَمِيرُ نَاظِرٌ لَهُمْ فَيَجُوزُ أَنْ يُفَاوِتَ فِي النَّفْلِ بِحَسَبِ ذَلِكَ.
١٠٠٦ - فَإِنْ جَاءَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ بِمَالٍ أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أُعْطُوا نَفْلَهُمْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لَا يُفَضَّلُ فِيهِ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ.
لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّسْمِيَةِ بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ، فَاسْتِحْقَاقُهَا بِاعْتِبَارِ الْعَنَاءِ وَالْقُوَّةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْمِيرَاثِ، وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي الْوَصِيَّةِ.
١٠٠٧ - ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَسَّمُ بَيْنَ أَصْحَابِ السَّرِيَّتَيْنِ وَالْجَيْشِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
[ ٦٢٣ ]
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا بِالدَّارِ.
١٠٠٨ - فَإِنْ ذَهَبَ رَجُلٌ مِمَّنْ بَعَثَهُ فِي سَرِيَّةِ الرُّبْعِ مَعَ أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ لِهَذَا الرَّجُلِ مِنْ النَّفْلِ.
لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْلِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَمَا سَمَّى الْإِمَامُ لَهُ شَيْئًا فِي أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ، وَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ الَّذِينَ سَمَّى لَهُ نَفْلًا مَعَهُمْ، فَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ تَخَلَّفَ مَعَ الْعَسْكَرِ وَلَمْ يَخْرُجْ أَوْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ مَعَ أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْخُرُوجِ أَصْلًا فَكَمَا لَا يَسْتَحِقُّ هُنَاكَ النَّفَلَ فَكَذَلِكَ هُنَا.
وَلَمْ يُبَيَّنْ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ هُنَا. فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا (ص ٢٠٩): عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ لَهُ النَّفَلُ مَعَ أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ. لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْإِمَامِ لَهُمْ مَا كَانَ بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهِمْ بَلْ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الطَّرِيقِ الَّذِي وُجِّهُوا إلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا فِي حَقِّ الْوَاحِدِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ لِلِاسْتِحْسَانِ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ فَسَّرَهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ فَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
١٠٠٩ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَخْرُجْ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ، وَمَنْ شَاءَ فِي هَذِهِ، فَلِجَمِيعِ مَنْ خَرَجُوا النَّفَلَ الَّذِي نُفِلُوا.
لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً، بَيْنَ مَا إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ لِلْخُرُوجِ قَوْمًا فِي كُلِّ جَانِبٍ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ وَجَعَلَ الْأَمْرَ مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِهِمْ.
[ ٦٢٤ ]
وَلَوْ بَعَثَ سَرِيَّةً وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ وَنَفَّلَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ؛ ثُمَّ إنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ نَفَّلَ قَوْمًا نَفْلًا لِفَتْحِ الْحِصْنِ أَوْ لِلْمُبَارَزَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَمَرَهُ الْأَمِيرُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ نَفْلَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ يَجُوزُ مِنْ حِصَّةِ السَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ، وَمِنْ سِهَامِهِمْ بَعْدَ النَّفْلِ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ سِهَامِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ مِمَّا أَصَابُوا.
لِأَنَّهُ أَمِيرٌ عَلَى السَّرِيَّةِ. فَهُوَ فِي حَقِّ الْعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، فَلَا يَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ عَلَيْهِمْ. وَهُوَ فِي حَقِّ السَّرِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ، فَيَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِيمَا هُوَ حَقُّهُمْ، وَحَقُّهُمْ مَا نَفَّلَ لَهُمْ وَمَا يُصِيبُهُمْ مِنْ السِّهَامِ بِالْقِسْمَةِ، فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُ أَمِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ خَاصَّةً.
١٠١١ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ لَمَّا بَعُدُوا مِنْ الْعَسْكَرِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ فَقَدُوا رَجُلًا مِنْهُمْ. فَقَالُوا لِبَعْضِهِمْ: أَقِيمُوا عَلَى صَاحِبِنَا هَا هُنَا. وَبَعْضُهُمْ ذَهَبُوا حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ وَرَجَعُوا إلَى أَصْحَابِهِمْ وَقَدْ وَجَدُوا الرَّجُلَ، كَانُوا شُرَكَاءَ كُلَّهُمْ فِي النَّفْلِ.
لِأَنَّهُمْ فَارَقُوا الْمُعَسْكَرَ جُمْلَةً، وَأَحْرَزُوا الْمُصَابَ بِالْمُعَسْكَرِ جُمْلَةً، فَكَانُوا شُرَكَاءَ فِي النَّفْلِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاشَرَ الْقِتَالَ بَعْضُهُمْ وَالْبَعْضُ كَانُوا رِدْءًا لَهُمْ وَهَذَا لِأَنَّ إحْرَازَ الْمُصَابِ بِالْمُعَسْكَرِ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ.
[ ٦٢٥ ]
وَلَوْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ لِبَعْضِ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا عِنْدَ إحْرَازِ الْغَنَائِمِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي الْغَنِيمَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَصَابَ الرَّجُلُ الْمَفْقُودُ غَنَائِمَ، وَاَلَّذِينَ قَامُوا لِانْتِظَارِهِ غَنَائِمَ. وَالسَّرِيَّةُ كَذَلِكَ، ثُمَّ الْتَقَوْا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ، فَلَهُمْ النَّفَلُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَفَرَّقُوا.
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِ الْمُصَابِ بِالْمُعَسْكَرِ.
١٠١٣ - وَلَوْ لَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى أَتَى كُلُّ فَرِيقٍ الْمُعَسْكَرَ، فَلِكُلِّ فَرِيقٍ النَّفَلُ مِمَّا أَصَابَ خَاصَّةً.
لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِحْرَازِ ذَلِكَ بِالْمُعَسْكَرِ. وَالْإِمَامُ إنَّمَا نَفَّلَ لَهُمْ الثُّلُثَ مِمَّا أَصَابُوا، فَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ.
ثُمَّ الْبَاقِي يَكُونُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
١٠١٤ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ بَعْدَمَا بَعُدَتْ مِنْ الْمُعَسْكَرِ تَفَرَّقُوا سَرِيَّتَيْنِ، وَبَعُدَتْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ إحْدَاهُمَا عَلَى عَوْنِ الْأُخْرَى، فَإِنْ الْتَقَوْا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ كَانَ لَهُمْ النَّفَلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ حِينَ أَصَابُوا.
وَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى أَتَى كُلُّ فَرِيقٍ الْمُعَسْكَرَ، فَلِكُلِّ فَرِيقٍ النَّفَلُ مِمَّا أَصَابُوا خَاصَّةً.
[ ٦٢٦ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ الْتَقَوْا فِي مَكَان دُونَ الْمُعَسْكَرِ بِحَيْثُ يَرَاهُمْ أَهْلُ الْمُعَسْكَرِ، لَوْ قُوتِلُوا لَنَصَرُوهُمْ. فَهَذَا وَمَا لَوْ الْتَقَوْا فِي الْمُعَسْكَرِ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ جَوْفِ الْمُعَسْكَرِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ إحْرَازَ الْمُصَابِ (ص ٢١٠) بِالْمُعَسْكَرِ يَحْصُلُ بِالِاتِّصَالِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ.
١٠١٥ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ حِينَ بَعُدُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْمُعَسْكَرِ، فَخَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَمْ يَلْتَقُوا مَعَ أَهْلِ الْمُعَسْكَرِ.
فَالْغَنِيمَةُ كُلُّهَا لَهُمْ: يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّهُمْ تَفَرَّدُوا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ سَبَبُ تَأَكُّدِ الْحَقِّ.
فَإِنْ قَالُوا: سَلِّمْ لَنَا نَفْلَنَا أَوَّلًا، لَمْ يُسَلِّمْ لَهُمْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ كُلُّهَا بَطَلَ التَّنْفِيلُ، بِمَنْزِلَةِ مَا كَانُوا دَخَلُوا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
١٠١٦ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَنَفَّلَ لَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ أَوْ قَبْلَ الْخُمُسِ كَانَ هَذَا التَّنْفِيلُ بَاطِلًا.
لِأَنَّهُ مَا خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالتَّنْفِيلِ، وَلَا مَقْصُودَ مِنْ هَذَا التَّنْفِيلِ سِوَى إبْطَالِ الْخُمُسِ، وَإِبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
بِخِلَافِ مَا إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَفِي التَّنْفِيلِ هُنَاكَ مَعْنَى التَّخْصِيصِ لَهُمْ.
[ ٦٢٧ ]
لِأَنَّ الْجَيْشَ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، فَفِي التَّنْفِيلِ يَخُصُّهُمْ بِبَعْضِ الْمُصَابِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ.
١٠١٧ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ أَصَابَتْ الْغَنَائِمَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فِيهِ رِدْءًا لَهُمْ، يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغِيثُوهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا، ثُمَّ خَرَجُوا بِالْغَنِيمَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا الْمُعَسْكَرَ، فَأَهْلُ الْمُعَسْكَرِ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُصَابِ.
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ حُكْمًا حِينَ كَانُوا رِدْءًا لَهُمْ وَقْتَ الْإِصَابَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
١٠١٨ - وَإِذَا ثَبَتَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فَلِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ نَفْلُهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَجَعُوا بِالْمُصَابِ إلَى الْعَسْكَرِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ يَلْحَقُ الْجَيْشَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْمُصَابِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَدَدُ لَمْ يَلْحَقْ الْجَيْشَ وَلَمْ يَقْرُبُوا مِنْهُمْ حَتَّى خَرَجُوا فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي الْمُصَابِ.
وَإِنْ قَرُبُوا مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَغَاثُوهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ الْجَيْشُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعُوا، فَلَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ.
لِأَنَّهُمْ حِينَ قَرُبُوا مِنْهُمْ فَكَأَنَّهُمْ خَالَطُوهُمْ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الْإِحْرَازُ بِقُوَّةِ الْجَمَاعَةِ.
١٠١٩ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ
[ ٦٢٨ ]
الْحَرْبِ نَفَّلَ قَوْمًا مَا صَعِدُوا الْحِصْنَ بِالسَّلَالِيمِ حَتَّى فَتَحُوهُ، فَنَفْلُهُ جَائِزٌ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا.
وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ السَّرِيَّةُ إلَى الْمُعَسْكَرِ حَتَّى خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ جَازَ نَفْلُ أَمِيرِهِمْ فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا.
لِأَنَّهُمْ لَا شَرِكَةَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ لَهُمْ خَاصَّةً. وَنَفْلُ الْأَمِيرِ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ يَبْطُلُ نَفْلُ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ لَهُمْ لِفَوَاتِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ، حَتَّى اخْتَصُّوا بِالسَّرِيَّةِ فِي الْمُصَابِ دُونَ الْعَسْكَرِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ تَنْفِيلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ وَإِنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرْجِعُوا كَانَ الْمُصَابُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْعَسْكَرِ الشَّرِكَةُ مَعَهُمْ بِالرُّجُوعِ، وَقَدْ سَبَقَ تَنْفِيلُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ فَلَا يَتَضَمَّنُ هَذَا التَّنْفِيلُ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لَهُمْ.
قُلْنَا: هُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الشَّرِكَةَ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِمْ خَاصَّةً، بَلْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ الرِّدْءِ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مَعَهُمْ.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْحَقَّ كَانَ ثَابِتًا لَهُمْ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِمْ لَمَا اسْتَحَقُّوا، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا عَنْ الْغَنِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ التُّجَّارِ وَالْأُسَرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
١٠٢٠ - وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ (ص ٢١١) إذَا الْتَحَقُوا بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الشَّرِكَةَ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا.
وَهَا هُنَا لَمَّا اسْتَحَقُّوا عَرَفْنَا أَنَّ الطَّرِيقَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا.
١٠٢١ - وَعَلَى هَذَا لَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ السَّلَامِ وَنَفَّلَ
[ ٦٢٩ ]
لَهُمْ الثُّلُثَ وَقَالَ: تَقَدَّمُوا حَتَّى نَلْحَقَكُمْ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ الْعَسْكَرُ، فَإِنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُمْ النَّفَلُ. وَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ بِأَنْ أَخْطَأَ الْعَسْكَرُ الطَّرِيقَ أَوْ بَدَا لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَبْعَثَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فَلَا شَيْءَ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ.
لِأَنَّ الْمُصَابَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ خَاصَّةً.
١٠٢٢ - وَإِذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْمُصَابُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَسْكَرِ، فَيَحْصُلُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ، فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا نَفْلَهُمْ. وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَذْهَبِنَا.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ فَلَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَيَرْوُونَ فِيهِ أَثَرًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا: لَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا لَمْ يَلْتَحِقْ بِهِمْ الْجَيْشُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إبْطَالَ الْخُمُسِ، وَإِبْطَالَ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ.
١٠٢٣ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لَهُمْ: لَا خُمُسَ عَلَيْكُمْ فِيمَا أَصَبْتُمْ، أَوْ الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ سَوَاءٌ. فِيمَا أَصَبْتُمْ، كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ كُلُّ تَنْفِيلٍ لَا يُفِيدُ إلَّا ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ فِي قَوْلِ الْأَمِيرِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ إبْطَالَ الْخُمُسِ عَنْ الْأَسْلَابِ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَقِيمًا؟ قُلْنَا: هُنَاكَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ، أَوْ تَخْصِيصُ الْقَاتِلِينَ بِإِبْطَالِ شَرِكَةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَنْ الْأَسْلَابِ، ثُمَّ تَثْبِيتُ إبْطَالِ حَقِّ أَرْبَابِ
[ ٦٣٠ ]
الْخُمُسِ عَنْ خُمُسِ الْأَسْلَابِ تَبَعًا، وَقَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا، بِمَنْزِلَةِ الشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ فِي الْبَيْعِ، وَالْوُقُوفِ فِي الْمَنْقُولِ، وَيَثْبُتُ تَبَعًا لِلْعَقَارِ وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا.
وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ ظَهَرَ عَلَى بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا خَرَاجًا، وَيُبْطِلُ مِنْهَا سِهَامَ مَنْ أَصَابَهَا وَالْخُمُسَ.
١٠٢٤ - وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَيَجْعَلَ حِصَّةَ الْخُمُسِ خَرَاجًا لِلْمُقَاتِلَةِ الْأَغْنِيَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْإِبْطَالِ الْخُمُسُ مَقْصُودًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَفِي الْأَوَّلِ إبْطَالُ الْخُمُسِ يَثْبُتُ تَبَعًا لِإِبْطَالِ حَقِّ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَيَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يُخَلِّصُ الْمَنْفَعَةَ لِلْمُقَاتِلَةِ.
١٠٢٥ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، دُونَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَانَ هَذَا جَائِزًا. لِأَنَّ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ. فَإِنَّ الْمُقَاتِلَ وَالْمُصِيبَ يَخْتَصُّ بِالنَّفْلِ، وَيَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى التَّحْرِيضِ. بِخِلَافِ مَا إذَا نَفَّلَ لَهُمْ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ التَّنْفِيلِ تَخْصِيصُ الْبَعْضِ وَلَا إبْطَالُ حَقِّ أَحَدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ.
١٠٢٦ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لِقِتَالٍ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، خَمَّسَ مَا أَصَابُوا.
لِأَنَّهُمْ أَصَابُوا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، فَإِنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ
[ ٦٣١ ]
كَانُوا ظَاهِرِينَ بِقُوَّةِ الْإِمَامِ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمُدَّهُمْ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ. فَلِهَذَا يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، بِخِلَافِ مَا يُصِيبُ الْمُتَلَصِّصُ الْخَارِجُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ.
١٠٢٧ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لَهُمْ: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ عَلَى سِهَامِكُمْ، (ص ٢١٢) وَلَا خُمُسَ فِيهِ، فَهُوَ جَائِزٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَقَالَ لَهُمْ الْإِمَامُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
لِأَنَّ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ إنَّمَا يَثْبُتُ الْخُمُسُ فِيمَا أَصَابُوا بِاعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُبْطِلَ بِقَوْلِهِ مَا كَانَ وُجُوبُهُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ. فَأَمَّا وُجُوبُ الْخُمُسِ فِيمَا أَصَابَ أَهْلُ الْمَنَعَةِ فَلَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا مُغِيرِينَ بِغَيْرِ إذْنِهِ خَمَّسَ مَا أَصَابُوا؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَمَعْنَى إعْزَازِ الدِّينِ يَحْصُلُ بِقِتَالِهِمْ.
فَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ حَقُّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ مِنْ مُصَابِهِمْ بِإِسْقَاطِ الْإِمَامِ أَيْضًا. وَهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ هُنَاكَ كَالْمُبَيِّنِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: لَا خُمُسَ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَمُدَّهُمْ وَأَنْ يُغِيثَهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا بِهِ، فَالْتَحَقُوا فِي ذَلِكَ بِالْمُتَلَصَّصِينَ، وَانْعَدَمَ بِهِ السَّبَبُ الَّذِي كَانَ يَجِبُ الْخُمُسُ لِأَجْلِهِ فِي مُصَابِهِمْ. وَفِي حَقِّ أَهْلِ الْمَنَعَةِ لَمْ يَنْعَدِمْ السَّبَبُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قُوَّتُهُمْ، وَمَنَعَتُهُمْ، وَذَلِكَ بَاقٍ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ: أَبْطَلْت الْخُمُسَ عَنْكُمْ.
١٠٢٨ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ وَنَفَّلَهُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ كَانَ جَائِزًا.
وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ تَخْصِيصَ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِالْإِبْطَالِ دُونَ حَقِّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ. وَإِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ حَقِّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ بِالْإِبْطَالِ بِسَبَبِ التَّنْفِيلِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي
[ ٦٣٢ ]
أَنْ لَا يَجُوزَ تَخْصِيصُ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِالْإِبْطَالِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَرْبَابَ الْخُمُسِ يَسْتَحِقُّونَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَلَا عَنَاءٍ مِنْ جِهَتِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّهِمْ إلَّا تَبَعًا لِحَقِّ الْمُقَاتِلَةِ. وَأَمَّا الْمُقَاتِلَةُ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ بِالْعَنَاءِ وَالْقِتَالِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لِفَضْلِ عَنَاءٍ كَانَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ.
١٠٢٩ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَالَ: لَكُمْ مِمَّا أَصَبْتُمْ الرُّبُعُ بَعْدَ الْخُمُسِ. وَبَعَثَ سَرِيَّةً أُخْرَى وَقَالَ: لَكُمْ الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ. فَضَلَّ رَجُلٌ مِنْ كُلِّ سَرِيَّةٍ الطَّرِيقَ وَوَقَعَ مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُخْرَى فَذَهَبَ مَعَهُمْ. وَأَصَابَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ الْغَنَائِمَ، ثُمَّ لَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى انْتَهَوْا إلَى الْعَسْكَرِ. فَإِنَّ مَا أَصَابَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ يُقْسَمُ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الرَّجُلُ الَّذِي الْتَحَقَ بِهِمْ، عَلَى قَدْرِ مَا جَعَلَ لَهُمْ الْإِمَامُ فِي الِاسْتِحْسَانِ.
وَهَذَا الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّهُ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فِيمَا سَبَقَ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ جَعَلَ لَهُ الْإِمَامُ الثُّلُثَ أَخَذَ الثُّلُثَ مِنْ حِصَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ جَعَلَ لَهُ الرُّبُعَ أَخَذَ الرُّبُعَ، وَكَانَ مَا بَيْنَ الرُّبُعِ إلَى الثُّلُثِ مِنْ نَصِيبِهِ غَنِيمَةً لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
يَعْنِي أَهْلَ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ نَفْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْمُصَابِ، فَيُجْعَلُ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ
[ ٦٣٣ ]
مِنْهُمْ كَانَ شُرَكَاؤُهُ كَانُوا فِي مِثْلِ حَالِهِ فِي حُكْمِ النَّفْلِ، حَتَّى إذَا كَانَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ مِائَةَ رَجُلٍ قُسِّمَ مُصَابُ كُلِّ سَرِيَّةٍ عَلَى مِائَةٍ لِيَتَبَيَّنَ مُصَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيَأْخُذُ نَفْلَهُ مِنْ جُزْئِهِ ثُلُثًا كَانَ أَوْ رُبْعًا، ثُمَّ الْبَاقِي يَكُونُ غَنِيمَةً.
١٠٣٠ - وَإِنْ لَحِقَ رَجُلٌ مِنْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى خَاصَّةً قُسِمَ مُصَابُهُمْ عَلَى مِائَةِ سَهْمٍ وَسَهْمٍ.
لِأَنَّ عَدَدَهُمْ مِائَةٌ وَوَاحِدٌ. فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ.
١٠٣١ - ثُمَّ يَأْخُذُ الرَّجُلُ اللَّاحِقُ بِهِمْ مِنْ جُزْئِهِ مَا كَانَ سَمَّى الْإِمَامُ لَهُ مِنْ النَّفْلِ.
لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَ الْإِصَابَةِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ جُزْئِهِ (ص٢١٣) بِالنَّفْلِ مِقْدَارَ مَا سُمِّيَ لَهُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى نَفْلِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي التَّسْمِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ فِي الْمُسْتَحَقِّ بِالتَّسْمِيَةِ.
١٠٣٢ - فَإِنْ الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ فَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمَا أَصَابَ اللَّاحِقَ بِالسَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ ضَمَّهُ إلَى نَصِيبِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانَ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مَعَهُمْ فَاقْتَسَمُوا نَفْلَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى مَا كَانَ جَعَلَ لَهُمْ الْإِمَامُ. وَإِنْ لَمْ تُصِبْ تِلْكَ السَّرِيَّةُ شَيْئًا دَخَلَتْ مَعَهُ فِي نَفْلِهِ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِحْرَازَ بِالْمُعَسْكَرِ هُنَا حَصَلَ بِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ.
[ ٦٣٤ ]
وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ ضَلَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ الطَّرِيقَ، فَذَهَبَ وَحْدَهُ فَأَصَابَ غَنِيمَةً، وَلَمْ تُصِبْ السَّرِيَّةُ شَيْئًا، ثُمَّ الْتَقَوْا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ، فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مَعَهُ فِي النَّفْلِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَصَابُوهُ جَمِيعًا. وَلَوْ لَمْ يَلْقَوْهُ حَتَّى انْتَهَوْا إلَى الْمُعَسْكَرِ كَانَ النَّفَلُ لَهُ خَاصَّةً.
١٠٣٣ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّتَيْنِ أَصَابَتَا الْغَنِيمَةَ وَهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ بِحَيْثُ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إلَّا أَنَّ كُلَّ سَرِيَّةٍ أَصَابَتْ غَنِيمَةً عَلَى حِدَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ بَعْضُهُمْ فِي نَفْلِ بَعْضٍ.
لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْلِ بِالتَّسْمِيَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ سَمَّى النَّفَلَ لِبَعْضِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِينَ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ وَإِنْ شَارَكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ حَقِيقَةً. فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
١٠٣٤ - وَإِنْ شَارَكَتْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ الْأُخْرَى فِي الْإِصَابَةِ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَعْضِ أَنْ يَدْخُلَ فِي نَفْلِ الْبَعْضِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِيَّتَيْنِ لَوْ قَاتَلَتَا فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ أَهْلُ الْعَسْكَرِ عَلَى أَنْ يُعِينُوهُمَا، لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي النَّفْلِ، بِاعْتِبَارِ هَذَا الْقُرْبِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ السَّرِيَّتَيْنِ.
١٠٣٥ - وَلَكِنَّهُمْ لَوْ أَصَابُوا جَمِيعًا غَنِيمَةً وَاحِدَةً قُسِّمَتْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ لِيَتَبَيَّنَ مَحَلُّ النَّفْلِ لِكُلِّ سَرِيَّةٍ فَإِنَّ مَحَلَّ النَّفْلِ مَا أَصَابَتْ.
[ ٦٣٥ ]
وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ مُصَابُ كُلِّ سَرِيَّةٍ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ. ثُمَّ تَأْخُذُ كُلُّ سَرِيَّةٍ نَفْلَهَا مِمَّا أَصَابَهَا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي النَّفْلِ يَسْتَوِي الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ بَيَّنَ لَهُمْ بِأَنْ يَقُولَ: لَكُمْ الرُّبْعُ بَعْدَ الْخُمُسِ، لِلْفَارِسِ مِنْكُمْ سَهْمُ الْفَارِسِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمُ الرَّاجِلِ.
لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ، فَإِذَا فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي التَّسْمِيَةِ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِتَسْمِيَتِهِ وَإِذَا لَمْ يُفَضِّلْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. وَلَا يُقَالُ.
١٠٣٦ - وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْإِمَامُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ فِي هَذَا بِنَاءً عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبِ الْقِتَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّفَلَ غَيْرُ الْغَنِيمَةِ. فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ رَضَخَ لَهُمْ الْإِمَامُ بِاعْتِبَارِ جَزَائِهِمْ وَعَنَائِهِمْ. وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِنْ كَانَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ التَّقْيِيدُ فِي الْغَنِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّقْيِيدِ فِي النَّفْلِ، وَلَكِنْ يُعْتَبَرُ فِي النَّفْلِ إطْلَاقُ التَّسْمِيَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
أَلَا نَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَاعْتَوَرَ الْقَتِيلَ فَارِسٌ وَرَاجِلٌ حَتَّى قَتَلَاهُ، كَانَ سَلَبُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؟
١٠٣٧ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعَثَهُمْ سَرِيَّةً: لَكُمْ
[ ٦٣٦ ]
الرُّبْعُ مِمَّا أَصَبْتُمْ. فَكَانَ فِيهِمْ فُرْسَانٌ وَرَجَّالَةٌ، كَانَ الرُّبْعُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
(ص ٢١٤) ١٠٣٨ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ سِهَامٌ مَعْرُوفَةٌ لِيُعْتَبَرَ النَّفَلُ بِهَا بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْنَا: أَرَأَيْتُمْ لَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فِيهَا مِائَتَا رَجُلٍ: مِائَةٌ مُسْلِمُونَ وَمِائَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَنَفَّلَهُمْ الرُّبْعَ. فَإِنْ قَسَمَ النَّفَلَ بَيْنَهُمْ فَجَعَلَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ نِصْفَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَلِلْمُسْلِمِينَ نِصْفَهُ، وَفَضَّلَ فِيهِ الْفَارِسَ عَلَى الرَّاجِلِ، كَأَنَّ الرَّاجِلَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَدْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ رَاجِلُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ عَمِلَا عَمَلًا وَاحِدًا، وَأَجْزَيَا جَزَاءً وَاحِدًا، فَأَيُّ فِعْلٍ يَكُونُ أَقْبَحَ مِنْ هَذَا. فَكَأَنَّهُ أَشَارَ فِي هَذَا إلَى مُخَالِفٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَلَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ الْمُخَالِفُ. وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ لَهُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَإِنْ كَانَا فِي حَادِثَيْنِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٦٣٧ ]