٩٢ - بَابُ النَّفْلِ فِي دُخُولِ الْمَطْمُورَةِ وَإِذَا وَقَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَابِ مَطْمُورَةٍ فِيهَا الْعَدُوُّ يُقَاتِلُونَ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ هَذِهِ الْمَطْمُورَةِ فَلَهُ نَفْلُ مِائَةِ دِرْهَمٍ. فَاقْتَحَمَ الْبَابَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا لِلْمَطْمُورَةِ بَابٌ آخَرُ دُونَ ذَلِكَ الْبَابِ (ص ٢٧٥) مُغْلَقٌ. وَإِذَا لَيْسَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ. فَقَاتَلَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَابِ الثَّانِي حَتَّى اقْتَحَمُوا، فَلِلَّذِينَ اقْتَحَمُوا الْبَابَ الْأَوَّلَ نَفْلُهُمْ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ أَوْجَبَ لَهُمْ ذَلِكَ. فَإِنَّ كَلِمَةَ (مَنْ) تُوجِبُ الْعُمُومَ، عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ. فَإِنْ قَالَ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ: لَا نُعْطِيهِمْ النَّفَلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ، وَقَدْ اجْتَمَعْنَا عَلَى الْقِتَالِ عَلَى بَابِ الْمَطْمُورَةِ. قِيلَ لَهُمْ: إنَّ الْأَمِيرَ حَرَّضَ الدَّاخِلِينَ عَلَى دُخُولِ الْبَابِ الْأَوَّلِ بِمَا أَوْجَبَ لَهُمْ، فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّنْفِيلِ مَاسَّةً يَوْمَئِذٍ. فَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَدْرُونَ أَنَّ وَرَاءَ الْبَابِ بَابًا آخَرَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَوْ قَالَ الْإِمَامُ مَنْ دَخَلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَهُوَ مَا صَمَدَ
[ ٨٣٧ ]
لَبَابٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَطْمُورَةِ. وَبَابُ الْمَطْمُورَةِ الْبَابُ الْأَقْصَى. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ بَابَ الْمَطْمُورَةِ عِنْدَ الْأَمِيرِ وَالْمُسْلِمِينَ حِينَ نُفِلَ كَانَ الْبَابَ الْأَوَّلَ، وَكَانُوا لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ، فَاَلَّذِينَ دَخَلُوهُ بَعْدَ التَّنْفِيلِ خَاطَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَتَوْا بِمَا أَوْجَبَ لَهُمْ الْإِمَامُ النَّفَلَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى جَمَاعَتُهُمْ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ الْإِمَامُ ذَلِكَ لِلدَّاخِلَيْنِ. قُلْنَا: مُطْلَقُ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَتَسَارَعُ إلَى الْأَفْهَامِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الْمِائَةُ نَفْلًا. فَإِنَّهُ نَكَّرَ الْمِائَةَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ لِصَاحِبِهِ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ فَلَهُ رَأْسٌ - بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ فَلَهُ الرُّبْعُ مِنْ الْغَنِيمَةِ - فَدَخَلَ عَشْرَةٌ، فَلَهُمْ الرُّبْعُ بَيْنَهُمْ.
لِأَنَّ هُنَاكَ عُرْفًا مَا أَوْجَبَ لِلدَّاخِلَيْنِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْغَنِيمَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِشْرَاكُ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجُزْءِ الْمُسَمَّى. أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّاخِلِينَ يَزِيدُونَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ عَادَةً، وَلَا تَكُون الْغَنِيمَةُ إلَّا أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ؟ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِشْرَاكُ بَيْنَهُمْ فِي الرُّبْعِ وَإِنْ كَثُرُوا.
- وَإِنْ دَخَلَ وَاحِدٌ ثُمَّ وَاحِدٌ هَكَذَا (ص ١٩١) حَتَّى كَمُلُوا عَشْرَةً. فَالرُّبْعُ بَيْنَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَخَلُوا مَعًا.
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ عَلَى الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ بِجَمْعٍ أَوْ تَرْتِيبٍ.
[ ٨٣٨ ]
- وَلَكِنَّ هَذَا لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ قَبْلَ أَنْ يَتَنَحَّى الْعَدُوُّ مِنْ الْبَابِ. فَإِذَا تَنَحَّوْا أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ فَلَا نَفْلَ لِمَنْ يَدْخُلُ بَعْدَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّحْرِيضُ عَلَى الدُّخُولِ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ.
- وَكَذَلِكَ إنْ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبَابَ وَهَابُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَخَافَةَ كَمِينٍ خَلْفَ الْبَابِ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحْرِيضُ عَلَى الدُّخُولِ فَيَتَقَيَّدُ بِحَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ فَلَهُ بِطْرِيقُ الْمَطْمُورَةِ. فَدَخَلَ الْعَشَرَةُ مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ حَالَ قِيَامِ الْخَوْفِ. .
لِأَنَّهُ عَرَّفَ الْبِطْرِيقَ بِالْإِضَافَةِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْإِشْرَاكُ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ فِيهِ.
- وَلَوْ قَالَ: فَلَهُ بِطْرِيقٌ مِنْ بِطَارِقَتِهِمْ. فَلِكُلِّ دَاخِلٍ بِطْرِيقٌ.
لِأَنَّ مَا أَوْجَبَهُ هُنَاكَ مُنْكَرٌ.
إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَطْمُورَةِ إلَّا بِطْرِيقَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لَا يُعْطَوْنَ شَيْئًا آخَرَ.
لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِيجَابِ بِاعْتِبَارِ الْمَحِلِّ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا فِي مِقْدَارِ الْمَوْجُودِ فِي الْمَحِلِّ.
[ ٨٣٩ ]
- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: فَلَهُ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيهِمْ. ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ إلَّا ثَلَاثَ جِوَارٍ، فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ.
وَلَا يُعْطَوْنَ شَيْئًا آخَرَ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لَمْ يُوجَدْ فِيمَا سِوَى الْجَوَارِي الْمَوْجُودَاتِ فِيهَا.
- بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: فَلَهُ جَارِيَةٌ. وَلَمْ يَقُلْ مِنْ جَوَارِيهِمْ. فَإِنَّ هُنَاكَ يُعْطَى، كُلُّ دَاخِلٍ جَارِيَةً أَوْ قِيمَةَ جَارِيَةٍ وَسَطٍ مِنْ الْمَالِ الْمَوْجُودِ فِيهَا.
لِأَنَّهُ سَمَّى لِكُلِّ دَاخِلٍ جَارِيَةً مُطْلَقًا. وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ تُوجِبُ الْحَقَّ فِي مَالِيَّةِ جَارِيَةٍ إمَّا عَيْنُهَا أَوْ قِيمَتُهَا.
وَلَكِنْ يَتَقَيَّدُ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْمَطْمُورَةِ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ
الْمَنْفَعَةِ
إلَى الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا تَقَيَّدَ النَّفَلُ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ فِيهَا.
حَتَّى إذَا لَمْ يَجِدُوا فِي الْمَطْمُورَةِ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِلدَّاخِلِينَ.
لِانْعِدَامِ الْمَحِلِّ الَّذِي أَوْجَبَ الْإِمَامُ حَقَّهُمْ فِيهِ. وَأَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ بِالْوَصِيَّةِ:
[ ٨٤٠ ]
فَإِنَّ مَنْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِجَارِيَةٍ مِنْ جَوَارِيَّ، فَمَاتَ وَلَيْسَ لَهُ جَوَارٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ شَيْءٌ. وَلَوْ قَالَ بِجَارِيَةٍ. أُعْطِيَ قِيمَةَ جَارِيَةٍ مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ. فَكَذَلِكَ حُكْمُ التَّنْفِيلِ. إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمَطْمُورَةِ شَيْءٌ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ النَّفَلُ.
لِأَنَّ مَا يُقَيَّدُ مِنْ الْكَلَامِ بِمَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ بِمَنْزِلَةِ مَا يَتَقَيَّدُ بِتَنْصِيصِ الْمُتَكَلَّمِ عَلَيْهِ.
- فَإِنْ دَخَلَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (ص ١٩١) وَنَادَى أَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَ هَذَا الْبَابِ أَحَدٌ ثُمَّ دَخَلَ جَمَاعَةٌ فَالنَّفَلُ لِلْأَوَّلِ خَاصَّةً.
لِأَنَّهُ تَقَيَّدَ بِحَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ، وَقَدْ زَالَ حِينَ سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ الْأَوَّلِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْمَطْمُورَةُ مُظْلِمَةً وَلَمْ يُسَمُّوا مِنْ الْأَوَّلِ كَلَامًا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى إثْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ لَهُمْ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي حَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ، فَهُمْ كَالدَّاخِلِ أَوَّلًا فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ.
- وَلَوْ دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ بَابِهَا، وَتَدَلَّى قَوْمٌ مِنْ فَوْقِهَا. دَلَّاهُمْ غَيْرُهُمْ بِإِذْنِهِمْ، حَتَّى دَخَلُوا وَسَطَهَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ النَّفَلُ إذَا كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: مَنْ دَخَلَهَا.
[ ٨٤١ ]
لِأَنَّهُ شَرَطَ الدُّخُولَ مُطْلَقًا. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَطْمُورَةِ، لِأَنَّ هُنَاكَ قَيَّدَ الْكَلَامَ بِاشْتِرَاطِ الدُّخُولِ مِنْ الْبَابِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ خَرَجْت مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَخَرَجَتْ مِنْ جَانِبِ السَّطْحِ، لَمْ يَقَع عَلَيْهَا شَيْءٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ.
- فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ تَدَلَّوْا جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي قُدُورٍ مِنْ حَدِيدٍ ثُمَّ أَمَرُوا أَصْحَابَهُمْ فَدَلُّوهُمْ، وَكَانُوا مُعَلَّقِينَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ، حَتَّى فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ. فَلَهُمْ النَّفَلُ.
لِأَنَّهُمْ انْتَهَوْا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْقِتَالِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْجُرْأَةُ بِالْوُصُولِ إلَيْهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَإِنَّمَا تَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْفَتْحِ بِاشْتِغَالِ الْعَدُوِّ بِالْقِتَالِ مَعَ الَّذِينَ تَدَلَّوْا.
- فَإِنْ كَانُوا دَلُّوهُمْ ذِرَاعًا أَوْ ذِرَاعَيْنِ ثُمَّ أَخْرَجُوهُمْ لَمْ يَكُنْ هَذَا دُخُولًا.
لِأَنَّهُمْ مَا وَصَلُوا إلَى مَوْضِعِ الْقِتَالِ وَمَا انْتَفَعَ الْمُسْلِمُونَ بِمَا صَنَعُوا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ النَّفْلِ.
- وَلَوْ انْقَطَعَتْ الْحِبَالُ حِينَ دَلُّوهُمْ، فَوَقَعُوا فِي الْحِصْنِ، أَخَذُوا النَّفَلَ.
لِأَنَّهُمْ دَلُّوهُمْ بِأَمْرِهِمْ. فَكَأَنَّهُمْ طَرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَيَسْتَحِقُّونَ النَّفَلَ لِإِتْيَانِهِمْ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ.
[ ٨٤٢ ]
- فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ دَلُّوهُمْ قَطَعُوا الْحِبَالَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ، فَوَقَعُوا فِي الْمَطْمُورَةِ فَقَاتَلُوا حَتَّى فَتَحُوا، لَمْ يَكُنْ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُمْ مَا دَخَلُوهَا، وَإِنَّمَا أُلْقُوا فِيهَا. فَإِنَّ الْقَطْعَ إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ لَا يَكُونُ فِعْلُ الْقَاطِع مُضَافًا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِأَمْرِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ عَطَبُوا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ وَقْعَتِهِمْ ضَمِنَ الْقَاطِعُونَ دِيَاتِهِمْ. وَفِي الْأَوَّلِ لَا يَضْمَنُونَ شَيْئًا. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا. فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُمْ بَيْنَ النَّفْلِ وَالدِّيَاتِ.
- وَلَوْ زَلِقَتْ رِجْلُ أَحَدٍ مِنْ الْوَاقِفِينَ فَوْقَ الْمَطْمُورَةِ وَهُوَ يُقَاتِلُ فَوَقَعَ فِيهَا فَلَهُ النَّفَلُ.
لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ قَدَمَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمَا طَرَأَ عَلَى فِعْلِهِ فِعْلٌ آخَرُ مُعْتَبَرٌ. فَيَكُونُ حُصُولُهُ فِيهَا مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ، كَأَنَّهُ دَخَلَهَا قَصْدًا.
- وَلَوْ دَفَعَهُ إنْسَانٌ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ طَرَأَ عَلَى فِعْلِهِ فِعْلٌ مُعْتَبَرٌ، فَيَكُونُ هُوَ مُلْقًى فِيهَا لَا دَاخِلًا. إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِأَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا. فَإِنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ الْجُرْأَةِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِيمَا فَعَلَ بِهِ غَيْرُهُ (ص ٢٧٧) بِأَمْرِهِ، وَلَا يَحْصُلُ إذَا فَعَلَ بِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
- وَلَوْ أَنَّ أَصْحَابَهُ دَلُّوهُ فِيهَا، فَقَطَعَ أَهْلُ الْحَرْبِ الْحِبَالَ بِالسُّيُوفِ، فَوَقَعَ فِيهَا وَقَاتَلَ حَتَّى فُتِحَتْ الْمَطْمُورَةُ فَلَهُ النَّفَلُ.
لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَوْضِعَ الْقِتَالِ حَيْثُ وَصَلَتْ السُّيُوفُ إلَى الْحِبَالِ فَقَطَعُوهَا، أَوْ إلَى الْقُدُورِ فَكَسَرُوهَا.
[ ٨٤٣ ]
- فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْهَوَاءِ أَعْلَى مِنْ أَنْ يَصِلَ سِلَاحُ الْعَدُوِّ إلَيْهِ فَتُوهِقُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ بِوَهَقٍ حَتَّى رَمَوْا بِهِ فِي الْمَطْمُورَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ مُلْقَى فِي الْمَطْمُورَةِ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُعْتَبَرٍ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ إظْهَارُ الْجُرْأَةِ. فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ.
- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوا الرِّجَالَ وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَالَ وَالذُّرِّيَّةَ، وَأَدْخَلُوا النَّاسَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَنَظَرُوا فَإِذَا عِدَّةُ الرِّجَالِ خَمْسُونَ. فَأَجَابُوهُمْ إلَى مَا الْتَمَسُوا مِنْ الصُّلْحِ. ثُمَّ لَمَّا دَخَلُوا وَجَدُوا فِيهَا أَلْفَ رَجُلٍ. فَإِذَا الْمَطْمُورَةُ أَمْيَالٌ فِي الْأَرْضِ إلَّا أَنَّ بَابَهَا الَّذِي يَخْرُجُ أَهْلُهَا مِنْهُ إلَى الْأَرْضِ وَاحِدٌ. فَهَذِهِ مَطْمُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَجَمِيعُ مَنْ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ آمِنٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ بَابَ الْمَطْمُورَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَاحِدٌ. فَتَكُونُ مَطْمُورَةً وَاحِدَةً، بِمَنْزِلَةِ دَارٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فِيهَا حُجَرٌ وَمَقَاصِيرُ، وَلَكِنَّ بَابَهَا إلَى السِّكَّةِ وَاحِدٌ. فَإِنَّهَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ دَارٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ قَدْ آمَنُوا الرِّجَالَ الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَطْمُورَةِ. وَإِنَّمَا ظَنُّوا قِلَّةَ عَدَدِهِمْ. وَلَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى الظَّنِّ، وَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ. فَكَانُوا جَمِيعًا آمَنِينَ.
[ ٨٤٤ ]
- وَإِنْ كَانَ لِأَقْصَى الْمَطْمُورَةِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ بَابٌ يَخْرُجُ إلَى أَعْلَى الْأَرْضِ فَهَاتَانِ مَطْمُورَتَانِ، بِاخْتِلَافِ الْمَدْخَلِ.
بِمَنْزِلَةِ دَارٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ عَظِيمَةٍ، لِكُلِّ جَانِبٍ مِنْهَا بَابٌ، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ فِي حُكْمِ دَارَيْنِ.
- ثُمَّ الْأَمَانُ أَيْضًا وَقَعَ عَلَى الْمَطْمُورَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ وُجِدَ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ وُجِدَ فِي الْمَطْمُورَةِ الْأُخْرَى مِنْ الرِّجَالِ فَهُوَ فَيْءٌ.
١٤٩٨ - فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ مِنْ الْمَطْمُورَةِ الْأُولَى لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى كَلَامِهِمْ.
لِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْأَمَانِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِيمَا يَدَّعُونَ مِنْ الْأَمَانِ. إلَّا أَنْ يُعْرَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ. بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنْ قُرَى أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ إلَّا مِنْ عُرِفَ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ.
- وَمَنْ وُجِدَ فِي الْمَطْمُورَةِ الْأُولَى، فَهُوَ آمِنٌ.
لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَوْضِعِ الْأَمْنِ. إلَّا مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ الْأُخْرَى. بِمَنْزِلَةِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا قَرْيَةً مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَا سَبِيلَ
[ ٨٤٥ ]
لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى اسْتِرْقَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إلَّا مَنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
- ثُمَّ إنْ كَانَ بَيْنَ الْمَطْمُورَتَيْنِ حَائِطٌ. وَعَلَيْهِ بَابٌ يَصِلُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، فَالْحَائِطُ هُوَ الْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَطْمُورَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَائِطٌ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ مِنْهُ وُصُولُ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ، فَمِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تَفْتَرِقُ الْمَطْمُورَتَانِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ يَنْقَطِعُ مِنْهُ وُصُولُ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ فَهَذِهِ كُلُّهَا مَطْمُورَةٌ وَاحِدَةٌ.
بِمَنْزِلَةِ مَدِينَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَهَا أَبْوَابٌ. فَإِنَّ بِاخْتِلَافِ الْأَبْوَابِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ مَدِينَةً وَاحِدَةً.
وَالْمَطَامِيرُ تَحْتَ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبْنِيَةِ فَوْقَهَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ جَمِيعُ مَنْ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ.
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[ ٨٤٦ ]