ِ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ (ص ٢٤٩)
- قَالَ: أَمَانُ الْخَوَارِجِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ جَائِزٌ كَأَمَانِ أَهْلِ الْعَدْلِ، لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ فِئَةٍ مُمْتَنِعَةٍ وَبَيَانُ هَذَا الْوَصْفِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ - ﵁ -: إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا. ثُمَّ أَمَانُ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَأَمَانِ جَمَاعَتِهِمْ.
لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَقِفُونَ عَلَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْقِتَالِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ، حَتَّى يُمَيِّزُوا أَهْلَ الْعَدْلِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَيَسْتَأْمِنُوا مِنْهُمْ. فَإِذَا اسْتَأْمَنُوا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَدْ سَالَمُونَا عَلَى أَنْ يَتَّجِرُوا فِينَا وَذَلِكَ أَمَانٌ نَافِذٌ
فَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.
إنْ كَانُوا فِي مَنَعَةٍ، أَوْ يُبْلِغُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ إنْ كَانُوا فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ.
١٢٨٩ - وَلَوْ اسْتَعَانَ الْخَوَارِجُ بِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ، سَبَوْا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَلَا يَكُونُ اسْتِعَانَةُ الْخَوَارِجِ بِهِمْ أَمَانًا لَهُمْ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ أَمَانًا لَهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ حِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ
[ ٧٤١ ]
صَارُوا نَاقِضِينَ لِذَلِكَ الْأَمَانِ. وَهَذَا غَلَطٌ. فَإِنَّهُمْ لَوْ أَمَّنُوهُمْ ثُمَّ قَاتَلُوا مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْأَمَانِ إذَا كَانُوا تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا وَلَكِنَّ. الْوَجْهَ فِيهِ أَنَّهُمْ مَا خَرَجُوا مُسَالِمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا خَرَجُوا مُقَاتِلِينَ. أَمَّا فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَدْلِ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ فَلِأَنَّهُمْ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ لِيُعِينُوهُمْ لَا لِيَكُونُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَيْشَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُعِينُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْ بَعْضٍ.
١٢٩٠ - فَإِذَا ظَفِرْنَا بِهِمْ كَانُوا فَيْئًا، سَوَاءٌ قَاتَلُونَا مَعَ الْخَوَارِجِ أَوْ لَمْ يُقَاتِلُونَا. وَلَكِنْ إنْ أَرَادَ الْخَوَارِجُ قَتْلَهُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ ضَمِنُوا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ حِينَ دَعَوْهُمْ إلَى أَنْ يَخْرُجُوا مُقَاتِلِينَ مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ، إذْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِهَذَا. وَمَنْ ضَمِنَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ.
١٢٩١ - فَإِنْ سَبَوْهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ لَمْ يَحِلَّ لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّهَا جُعِلَتْ لَهُمْ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا. وَلَوْ اشْتَرَاهَا مُشْتَرٍ جَازَ شِرَاؤُهُ.
[ ٧٤٢ ]
لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ لِعِصْمَةِ الْمَحَلِّ بَلْ لِمَعْنَى الْغَدْرِ. فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُتَمَلَّكِ.
١٢٩٢ - وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ يَدْخُلُ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ كَأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُعْطِيًا لَهُمْ أَمَانًا بِهَذَا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْبِيَ بَعْضَهُمْ وَيَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْغَدْرِ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أُمِرَ بِرَدِّهِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَالَ جَازَ الشِّرَاءُ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ.
١٢٩٣ - فَإِنْ قَاتَلُوا فَقَالَ أَمِيرُ أَهْلِ الْعَدْلِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا مِنْ الْخَوَارِجِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.
لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَأَمْوَالُهُمْ مُحْرَزَةٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا تَكُونُ غَنِيمَةً.
١٢٩٤ - وَإِنْ قَتَلَ حَرْبِيًّا فَلَهُ سَلَبُهُ.
لِأَنَّ مَالَهُ مُبَاحُ الِاغْتِنَامِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْ جِهَةِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
١٢٩٥ - فَإِنْ أَخَذَ أَهْلُ الْحَرْبِ رَقِيقًا وَأَمْوَالًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَأَحْرَزُوهَا بِمَنَعَةِ الْخَوَارِجِ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَعَلَيْهِمْ رَدُّ جَمِيعِ مَا أَخَذُوا.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ.
[ ٧٤٣ ]
١٢٩٦ - وَلَوْ كَانَتْ الْمَنَعَةُ لَهُمْ فِي دَارِنَا فَأَحْرَزُوا الْمَالَ بِهَا لَمْ يَمْلِكُوهَا. فَإِذَا كَانَتْ لِلْخَوَارِجِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكُوهَا.
فَإِنْ كَانُوا أَدْخَلُوهَا دَارَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً فَهِيَ لَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِتَمَامِ الْإِحْرَازِ. وَقَالَهُ - ﵇ -: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ»
١٢٩٧ - وَلَوْ أَصَابُوا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَصِبْيَانِهِمْ لَمْ يَسَعْ الْخَوَارِجَ تَرْكُهُمْ يَذْهَبُونَ بِهِمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ (ص ٢٥٠) .
لِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ الْوَفَاءُ لَهُمْ بِالتَّقْرِيرِ عَلَى الظُّلْمِ، وَلَكِنَّهُمْ يَأْمُرُونَهُمْ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ. فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلُوهُمْ لِاسْتِنْقَاذِ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ. لَمْ يَسَعْهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ اسْتِنْقَاذِ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ لَمْ يَسَعْهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ.
١٢٩٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادُوا إدْخَالَ الْأَمْوَالِ دَارَهُمْ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْخَوَارِجِ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِيَرُدُّوهَا عَلَى أَهْلِهَا.
[ ٧٤٤ ]
لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَمْلِهَا، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ مَلَكُوا الْمَالَ بِالْإِحْرَازِ، وَهُوَ قَدْ ضَمِنَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِي أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، فَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا. وَإِذَا عَلِمَ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْأَمْوَالِ فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ فَفِي الْإِحْرَازِ أَوْلَى.
١٢٩٩ - وَإِنْ كَانُوا اسْتَهْلَكُوا مَا أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ ثُمَّ أَسْلَمُوا لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ وَهُمْ مُحَارِبُونَ.
وَلِأَنَّهُمْ حِينَ انْضَمُّوا إلَى أَهْلِ الْبَغْيِ كَانُوا بِمَنْزِلَتِهِمْ فِي هَذَا الْحُكْمِ. وَأَهْلُ الْبَغْيِ إذَا اسْتَهْلَكُوا أَمْوَالَ أَهْلِ الْعَدْلِ ثُمَّ تَابُوا لَمْ يَضْمَنُوا، فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَكُونُوا خَوَارِجَ وَلَكِنَّهُمْ لُصُوصٌ غَيْرُ مُتَأَوِّلِينَ.
لِأَنَّ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ حُكْمَ سُقُوطِ الضَّمَانِ لَا يَخْتَلِفُ بِالتَّأْوِيلِ وَعَدَمِ التَّأْوِيلِ، إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَلَا يَضْمَنُونَ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ وَهُمْ مُحَارِبُونَ.
١٣٠٠ - وَلَوْ اسْتَعَارَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ السِّلَاحَ، ثُمَّ قَالَ أَمِيرُ أَهْلِ الْعَدْلِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقُتِلَ خَارِجِيٌّ عَلَيْهِ سِلَاحُ حَرْبِيٍّ وَعَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ فِي الْوَجْهَيْنِ.
[ ٧٤٥ ]
أَمَّا إذَا كَانَ سِلَاحُ الْخَارِجِيِّ عَلَى الْحَرْبِيِّ فَلِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاغْتِنَامِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ سِلَاحُ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْخَارِجِيِّ فَلِأَنَّهُ حِينَ اسْتَعَارَهُ مِنْهُ وَأَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَقَدْ ثَبَتَ حُكْمُ الْأَمَانِ فِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ بَعَثُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَاسْتَعَارُوا مِنْهُمْ سِلَاحًا أَوْ كُرَاعًا فَأَخْرَجُوهُ إلَيْهِمْ أَنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ الْأَمَانِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، لِحُصُولِهِ فِي يَدِ الْخَوَارِجِ، حَتَّى لَا يَكُونَ غَنِيمَةً، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ إذَا ظَفِرُوا بِذَلِكَ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُمْ يَبِيعُونَهُ وَيَقِفُونَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَأْخُذُونَ الثَّمَنَ.
١٣٠١ - وَمَنْ اسْتَهْلَكَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا وَقَعَتْ فِي يَدِ أَهْلِ الْعَدْلِ.
وَهَذَا لِأَنَّ ثُبُوتَ الْأَمَانِ فِي هَذَا الْمَالِ بِثُبُوتِ يَدِ أَهْلِ الْبَغْيِ عَلَيْهِ، وَالْيَدُ لَا تَكُونُ فَوْقَ الْمِلْكِ.
١٣٠٢ - وَلَوْ مَلَكُوهَا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ هَذَا، وَلَوْ لَمْ يَبِعْ ذَلِكَ أَهْلُ الْعَدْلِ حَتَّى تَفَرَّقَ الْخَوَارِجُ ثُمَّ جَاءَ أَصْحَابُ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ فَفِي الْقِيَاسِ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِيَرُدُّوهُمْ عَلَى دَارِهِمْ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ كَانَ ثَابِتًا فِي هَذَا الْمَالِ مِنْ جِهَةِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ.
[ ٧٤٦ ]
وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْخَوَارِجِ وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَا تَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ فِئَةٌ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُجْبَرُونَ عَلَى بَيْعِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَخْذِ ثَمَنِهِ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَحْبُوسًا فِي يَدِ أَهْلِ الْعَدْلِ. وَالْكُرَاعُ وَالسِّلَاحُ بَعْدَ مَا صَارَ مُحْتَبَسًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُمَكَّنُ الْكَافِرُ مِنْ رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ كَانُوا عَبِيدًا فَأَسْلَمُوا.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لَوْ كَانَ لِلْخَوَارِجِ لَمْ يَجُزْ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ بَقَاءِ تَوَهُّمِ الِاسْتِعَانَةِ عَلَى (ص ٢٥١) قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، إنْ كَانَتْ مَنَعَتُهُمْ بَاقِيَةً. فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ رَدُّهُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَنَعَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ بَاقِيَةٌ.
١٣٠٣ - وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ أَمَّنُوا تُجَّارًا دَخَلُوا عَسْكَرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ اسْتَعَارُوا مِنْهُمْ كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا، أَوْ أَخَذُوا مِنْهُمْ غَصْبًا، ثُمَّ قُتِلَ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ عَلَيْهِ ذَلِكَ السِّلَاحُ بَعْدَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ سَلَبَهُ لَا يَكُونُ لِلْقَاتِلِ.
لِأَنَّ بِأَمَانِهِمْ صَارَ هَذَا الْمَالُ مَعْصُومًا مِنْ الِاغْتِنَامِ، فَإِنَّ أَمَانَهُمْ فِي ذَلِكَ كَأَمَانِ أَهْلِ الْعَدْلِ يَبِيعُونَ مَا أَصَابُوا مِنْ ذَلِكَ وَيَقِفُونَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَجِيئُوا فَيَأْخُذُوهُ.
١٣٠٤ - وَإِنْ احْتَاجَ أَهْلُ الْعَدْلِ إلَى أَنْ يُقَاتِلُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ لِيُقَاتِلُوا بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ لِلْمُسْلِمِينَ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ
[ ٧٤٧ ]
الْحَاجَةِ. فَإِذَا كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فَأَوْلَى. وَلِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ حِينَ أَعَارُوهُمْ هَذَا الْمَالَ لِيُقَاتِلُوا بِهِ أَهْلَ الْعَدْلِ فَقَدْ رَضَوْا بِأَنْ يَكُونَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ فِي حَقِّنَا. وَلَوْ ظَفِرْنَا بِأَمْوَالِ الْخَوَارِجِ جَازَ أَنْ نَفْعَلَ بِهِ هَذَا، فَكَذَلِكَ فِي أَمْوَالِ الْمُسْتَأْمَنِينَ إذَا كَانُوا هُمْ الَّذِينَ أَعَارُوهُمْ.
١٣٠٥ - وَإِنْ كَانُوا أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ غَصْبًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِإِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ لِيُقَاتِلَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ.
لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ الرِّضَا بِأَنْ يُقَاتِلَ أَحَدٌ بِمَالِهِمْ. وَالْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ بِسَبَبِ الْأَمَانِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ رَضَوْا هُنَالِكَ بِأَنْ يُقَاتَلَ بِمَالِهِمْ.
١٣٠٦ - وَعَلَى هَذَا لَوْ اسْتَهْلَكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَدْلِ ذَلِكَ الْمَالَ هُنَا ضَمِنَهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَا يَضْمَنُ مَالَ الْخَوَارِجِ.
وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِأَمِيرِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَ هَذَا الْمَالَ هُنَا، إلَّا أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ عَلَيْهِ فَيَبِيعَهُ حِينَئِذٍ.
لِأَنَّ عَيْنَ الْمَالِ مَحْفُوظٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ كَمَا هُوَ مَحْفُوظٌ عَلَى الْمُسْلِمِ.
فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَالٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي يَدِهِ وَصَاحِبُهُ غَائِبٌ، فَيَحْفَظُ عَيْنَهُ. إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ فَيَبِيعَهُ وَيَحْفَظَ ثَمَنَهُ عَلَيْهِ.
[ ٧٤٨ ]
فَإِنْ تَفَرَّقَ الْخَوَارِجُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ الْإِمَامُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ الْمَالُ فِي الْفَصْلَيْنِ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَرُدُّوهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْخَوَارِجِ، وَهُنَاكَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَيْنُ مَالِهِمْ بَعْدَ مَا تَفَرَّقُوا.
وَلِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا الْمَالَ هُنَا إلَى الْخَوَارِجِ بَعْدَ مَا ثَبَتَتْ الْعِصْمَةُ فِيهَا بِالْأَمَانِ، فَلَا يُحْبَسُ فِي دَارِنَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْأَمَانُ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ ثُمَّ أَعَارُوا الْخَوَارِجَ كُرَاعَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ.
١٣٠٧ - وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ آمَنُوا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ، فَخَرَجُوا فَقَاتَلُوا، أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا، حَتَّى ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ يَقَعُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ سَبْيٌ وَلَا تَكُونُ أَمْوَالُهُمْ غَنِيمَةً.
لِأَنَّهُمْ حِينَ أَعْطَوْهُمْ الْأَمَانَ فَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ الْعِصْمَةُ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَبِسَبَبِ الْقِتَالِ لَا يُنْبَذُ ذَلِكَ الْأَمَانُ، لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا بِمَنَعَةِ الْخَوَارِجِ. فَكَمَا أَنَّ الْقِتَالَ مِنْ الْخَوَارِجِ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ، فَكَذَلِكَ الْقِتَالُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَعَهُمْ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْأَمَانِ، وَلَكِنَّ حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ الْخَوَارِجِ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُمْ وَمَا يَحْرُمُ، وَفِي التَّنْفِيلِ فِي السَّلَبِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ إذَا قَالُوا لَهُمْ: اُخْرُجُوا فَقَاتِلُوا مَعَنَا، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْأَمَانَ.
لِأَنَّ أُولَئِكَ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ الْعِصْمَةُ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. فَإِنَّ انْضِمَامَهُمْ إلَى الْخَوَارِجِ لِلْقِتَالِ مَعَنَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ.
[ ٧٤٩ ]
وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا هُمْ الدَّاخِلِينَ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (ص ٢٥٢) فَأَمَّنَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ: فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ فِي عِزِّهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ فَهُمْ فَيْءٌ، وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.
لِأَنَّهُمْ فِي عِزِّهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ لَا يَكُونُونَ مُسْتَأْمَنِينَ. وَإِنَّمَا الْخَوَارِجُ هُمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ إلَيْهِمْ. وَلِأَنَّهُمْ حِينَ قَاتَلُوا فِي مَنَعَتِهِمْ وَدَارِهِمْ فَقَدْ انْتَبَذَ الْأَمَانُ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَكَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ ظَفِرْنَا بِهِمْ.
١٣٠٩ - وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا إلَى عَسْكَرِ الْخَوَارِجِ بِأَمَانٍ، وَكَانُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ إلَّا بِمَنَعَةِ الْخَوَارِجِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ سَبْيٌ.
لِأَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ فِي مَنَعَةِ الْخَوَارِجِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي حُكْمِ الْعِصْمَةِ. وَلِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يُنْبَذْ بِقِتَالِهِمْ حِينَ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بِأَنْفُسِهِمْ.
١٣١٠ - وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ طَلَبُوا إلَى تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنِينَ فِيهِمْ أَنْ يُعِينُوهُمْ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، فَأَنْعَمُوا لَهُمْ، وَعَلِمَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعَدْلِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ التَّعَرُّضُ لَهُمْ بِقَتْلٍ وَلَا أَخْذِ مَالٍ حَتَّى يَنْصِبُوا الْحَرْبَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ.
لِأَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ، فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ قَصَدُوا أَنْ يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ فَمَا لَمْ يَظْهَرُوا ذَلِكَ لَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ حِينَ أَنْعَمُوا لِلْخَوَارِجِ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْخَوَارِجِ، وَالْخَوَارِجُ مَا لَمْ يَنْصِبُوا لِقِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ لَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لَهُمْ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ.
[ ٧٥٠ ]
فَإِنْ قَاتَلُوا فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الْخَوَارِجِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ.
لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ، فَلَا يُنْتَبَذُ أَمَانُهُمْ بِذَلِكَ.
١٣١١ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ قَالُوا لِمُسْلِمٍ: أَنْتَ آمِنٌ فَادْخُلْ إلَيْنَا. فَدَخَلَ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْ مِنْ الْخَوَارِجِ.
لِأَنَّهُ ضَمِنَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ، وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا ضَمِنَ، لِقَوْلِهِ - ﵇ - «وَفَاءٌ لَا غَدْرَ فِيهِ» .
١٣١٢ - وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِمْ حَتَّى آمَنَهُمْ وَآمَنُوهُ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ الْأَوَّلِ فِي حَقِّهِ.
لِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ صَحِيحٍ مِنْ جِهَتِهِ.
إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَلَا أَخْذِ مَالٍ، حَتَّى يُنْبَذَ إلَيْهِمْ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ ضَامِنًا لِجَمِيعِ مَا اسْتَهْلَكَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
لِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَا فِي أَمَانٍ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّهُ آمَنَهُمْ وَهُوَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَصَحَّ أَمَانُهُ. وَفِي الْأَوَّلِ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ لِأَنَّهُ مَا آمَنَهُمْ الْمُسْلِمُ، وَلَكِنَّهُمْ آمَنُوهُ. إلَّا أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ فِي أَمَانِهِمْ أَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُمْ كَمَا لَا يَعْرِضُونَ لَهُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَكُونُوا فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
[ ٧٥١ ]
وَلَوْ سَأَلَ الْخَوَارِجُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يُعِينُوهُمْ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَالُوا: لَا نُعِينُكُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ مِنَّا، وَيَكُونُ حُكْمُنَا هُوَ الْجَارِي. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ، فَأَهْلُ الْحَرْبِ وَأَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ.
أَمَّا إذَا كَانَتْ الْخَوَارِجُ لَمْ يُؤَمِّنُوهُمْ فَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ. لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَا أَمَانَ لَهُمْ.
وَأَمَّا إذَا كَانُوا أَمَّنُوهُمْ حِينَ خَرَجُوا فَلِأَنَّهُمْ نَقَضُوا ذَلِكَ الْأَمَانَ حِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ لِمَنَعَتِهِمْ وَتَحْتَ رَايَتِهِمْ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَهُنَاكَ إنَّمَا قَاتَلُوا تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ، وَكَانَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ هُوَ الْجَارِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ.
وَأَمَّا أَمْوَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ إذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارهَا.
لِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ.
١٣١٤ - وَحُكْمُ تَنْفِيلِ السَّلَبِ عَلَى هَذَا. حَتَّى إذَا قُتِلَ خَارِجِيٌّ وَعَلَيْهِ سِلَاحُ حَرْبِيٍّ فَهُوَ لِلْقَاتِلِ.
لِأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ هُنَا.
فَإِنْ قُتِلَ حَرْبِيٌّ وَعَلَيْهِ سِلَاحُ خَارِجِيٍّ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ.
[ ٧٥٢ ]
لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ عَنْ الِاغْتِنَامِ.
وَاسْتُوْضِحَ هَذَا بِمَا:
١٣١٥ - لَوْ اجْتَمَعَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، أَوْ امْتَنَعُوا وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ. بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَحُكْمُهُمْ فِي هَذَا كَحُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
١٣١٦ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ دَخَلُوا لِإِعَانَةِ الْخَوَارِجِ قَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ مِنْ نَاحِيَةٍ، وَقَاتَلَهُمْ الْخَوَارِجُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى. فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَمِيرُهُمْ مِنْهُمْ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ بِغَيْرِ مَنَعَةِ الْخَوَارِجِ فَهُمْ فَيْءٌ إذَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ.
وَإِنْ كَانَتْ مَنَعَتُهُمْ بِالْخَوَارِجِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْخَوَارِجِ، وَإِنْ كَانَ أَمِيرُهُمْ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْقِتَالِ بِالْمَنَعَةِ لَا بِالْأَمِيرِ.
١٣١٧ - وَلَوْ أَنَّ عَشَرَةً مِنْ الْخَوَارِجِ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ آمَنُوا عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا فَيُغِيرُوا مَعَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ السَّبْيُ. وَلَا تَكُونُ أَمْوَالُهُمْ غَنِيمَةً.
[ ٧٥٣ ]
لِأَنَّهُمْ فِي أَمَانِ قَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا نَقَضُوا ذَلِكَ الْأَمَانَ بِالْإِغَارَةِ وَالْقِتَالِ حِينَ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ.
وَلَكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِجَمِيعِ مَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ الْأَمْوَالِ، وَيَقْتُلُونَ بِمَنْ قَتَلُوهُ عَمْدًا.
لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ اللُّصُوصِ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنَعَةٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَعَهُمْ.
١٣١٨ - وَلَوْ كَانُوا لَمْ يُؤَمِّنُوهُمْ وَإِنَّمَا قَالُوا لَهُمْ: اُخْرُجُوا فَأَغِيرُوا مَعَنَا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَالْجَوَابُ فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ فِي هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَهُمْ فَيْءٌ وَجَمِيعُ مَا مَعَهُمْ، وَلَا يُقْتَلُونَ بِمَنْ قَتَلُوا، وَلَا يَضْمَنُونَ مَا اسْتَهْلَكُوا، لِأَنَّهُمْ لَا أَمَانَ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّهُمْ لُصُوصٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلُصُوصُ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ أَنْ يَقَعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
وَعَلَى هَذَا يُبْتَنَى حُكْمُ التَّنْفِيلِ فِي السَّلَبِ، فَإِنَّ أَمْوَالَهُمْ لَمَّا كَانَتْ فَيْئًا كَانَ لِلْقَاتِلِ مِنْهُمْ السَّلَبُ بِالتَّنْفِيلِ.
فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ جِهَةِ الْخَوَارِجِ وَالْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ جِهَةِ
[ ٧٥٤ ]
أَهْلِ الْعَدْلِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ التَّلَصُّصِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَفِيمَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ حِينَ قَاتَلُوا.
١٣١٩ - وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ صَالَحُوا أَهْلَ الْحَرْبِ وَوَادَعُوهُمْ ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِغَيْرِ أَمَانٍ كَانَ آمِنًا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ.
لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الْمُوَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ وَإِعْطَاءِ الْأَمَانِ هُمْ بِمَنْزِلَتِهِمْ؟ فَكَذَلِكَ فِي الْمُوَادَعَةِ.
١٣٢٠ - وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ مِنْ جِهَتِهِمْ. فَإِنْ اسْتَعَانَ بِهِمْ الْخَوَارِجُ فَخَرَجُوا وَقَاتَلُوا مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ فَوَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ لَمْ يُسْبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ تِلْكَ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ يَكُونُ فِي أَمَانٍ مِنْ الْخَوَارِجِ إذَا قَاتَلَ أَهْلَ الْعَدْلِ تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْأَمَانِ. فَهَؤُلَاءِ كَذَلِكَ. وَحَالُهُمْ كَحَالِ الْخَوَارِجِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْهُمْ وَمِنْ أَمْوَالِهِمْ.
١٣١٢ - وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ (ص ٢٥٤) الْأَمِيرُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ فَهُمْ فَيْءٌ.
لِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ حِينَ قَاتَلُوا بِمَنَعَتِهِمْ أَهْلَ الْعَدْلِ. وَحُكْمُ التَّنْفِيلِ فِي السَّلَبِ عَلَى هَذَا يُخَرَّجُ فِي الْفَصْلَيْنِ.
[ ٧٥٥ ]
وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا خَرَجُوا هُمْ مِنْ نَاحِيَةٍ لِيُقَاتِلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ، وَالْخَوَارِجُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ أَمِيرُ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ فَهُمْ فَيْءٌ.
لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا تَحْتَ رَايَتِهِمْ بِمَنَعَتِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ الْخَوَارِجُ بَعَثُوا إلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْهُمْ فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الْخَوَارِجِ لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ. ١٣٢٣ -
وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمُوَادِعِينَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَأَغَارُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَوَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ اللُّصُوصِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ وَالْقِصَاصِ.
لِأَنَّهُمْ مَا قَاتَلُوا عَنْ مَنَعَةٍ لَهُمْ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا مِنْهُمْ لِلْمُوَادَعَةِ.
١٣٢٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَمَّنَهُمْ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ نَبَذَ الْإِمَامُ إلَيْهِمْ، فَأَمَّنَهُمْ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ أَيْضًا فَهُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ صَحَّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مَوْجُودٌ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
١٣٢٥ - فَإِنْ قَالَ لَهُمْ الْأَمِيرُ: إنَّ هَذَا قَدْ آمَنَكُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَا تَلْتَفِتُوا إلَى أَمَانِهِ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا آمَنَكُمْ فَقَدْ نَبَذْنَا إلَيْكُمْ، كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا مِنْهُ.
[ ٧٥٦ ]
لِأَنَّ نَبْذَ الْأَمَانِ تَأْثِيرُهُ فِي إطْلَاقِ الْأَمَانِ وَالِاسْتِغْنَامِ، فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ كَالطَّلَاقِ. وَلِأَنَّ النَّبْذَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفْيِ الْغُرُورِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالنَّبْذِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. .
١٣٢٦ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَمَّنَ حَرْبِيًّا فَكَرِهَ الْإِمَامُ مَقَامَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ.
وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ النَّبْذِ بَعْدَ صِحَّةِ الْأَمَانِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، فَيَتَقَدَّمُ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ، وَيُجْعَلُ لَهُ مِنْ الْمُهْلَةِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ الْخُرُوجِ بِغَيْرِ ضَرَرٍ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا طَالَ الْمَقَامُ فِي دَارِنَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيهِ.
١٣٢٧ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِحَرْبِيٍّ: لَا تَدْخُلْ دَارَنَا بِأَمَانِ فُلَانٍ فَإِنَّك إنْ دَخَلْت بِأَمَانِهِ فَأَنْتَ فَيْءٌ، ثُمَّ دَخَلَ بِأَمَانِهِ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا.
لِأَنَّ حَجْرَ الْمُسْلِمِ عَنْ إعْطَاءِ الْأَمَانِ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَا تَنْعَدِمُ بِحَجْرِهِ الْعِلَّةُ الْمُصَحِّحَةُ لِأَمَانِهِ، فَيَكُونُ حَجْرُهُ إبْطَالًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ. وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ كَلَامِهِ نَبْذًا لِأَمَانٍ وَهُوَ فِي دَارِنَا. لِأَنَّ نَبْذَ الْأَمَانِ بَعْدَ إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ، فَكَذَلِكَ قَبْلَ إعْطَاءِ الْأَمَانِ. وَبِهِ فَارَقَ الْمُوَادِعِينَ، لِأَنَّ أُولَئِكَ فِي مَنَعَتِهِمْ، وَنَبْذُ الْأَمَانِ صَحِيحٌ لَوْ حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ الْأَمَانِ، فَكَذَلِكَ قَبْلَهُ. فَأَمَّا هَذَا فِي دَارِنَا فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ نَبْذَ أَمَانِهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ. وَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ.
١٣٢٨ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ دَارَنَا بِأَمَانِ فُلَانٍ فَهُوَ ذِمَّةٌ لَنَا. فَدَخَلَ رَجُلٌ قَدْ عَلِمَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ بِأَمَانِ فُلَانٍ. فَهُوَ ذِمَّةٌ، وَلَا يُتْرَكُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
[ ٧٥٧ ]
لِأَنَّ دُخُولَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَقَالَةِ الْأَمِيرِ دَلَالَةُ الرِّضَا بِقَبُولِ الذِّمَّةِ، وَالدَّلَالَةُ فِي هَذَا كَالصَّرِيحِ. بِمَنْزِلَةِ مَقَامِ الذِّمِّيِّ الَّذِي يُقَدَّمُ إلَيْهِ الْأَمَانُ فِي دَارِنَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ فَهُوَ فَيْءٌ.
لِأَنَّ ذَلِكَ نَبْذُ الْأَمَانِ، فَلَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَتِهِ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلْأَمْنِ الثَّابِتِ بِذَلِكَ الْأَمَانِ وَلَيْسَ بِنَبْذٍ.
١٣٢٩ - وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِلْمَحْصُورِينَ: إنْ آمَنَكُمْ فُلَانٌ فَقَدْ نَبَذْت إلَيْكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. ثُمَّ آمَنَهُمْ فُلَانٌ، كَانَ مَا تَقَدَّمَ نَبْذًا صَحِيحًا وَحَلَّ بِهِ قِتَالُهُمْ.
لِأَنَّهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ.
١٣٣٠ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ خَرَجَ مِنْكُمْ بِأَمَانِ فُلَانٍ فَهُوَ فَيْءٌ، أَوْ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ. فَخَرَجَ (ص ٢٥٥) رَجُلٌ فَهُوَ آمِنٌ لِأَنَّ النَّبْذَ إلَيْهِ وَهُوَ فِي مَنَعَتِنَا بَاطِلٌ.
١٣٣١ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ خَرَجَ مِنْكُمْ بِأَمَانِ فُلَانٍ فَهُوَ ذِمَّةٌ لَنَا فَهَذَا صَحِيحٌ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَبْذُ الْأَمَانِ، إنَّمَا فِيهِ تَقْرِيرُ حُكْمِ الْأَمْنِ. فَكَوْنُهُ فِي مَنَعَتِنَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧٥٨ ]