٦٨ - بَابُ النَّفْلِ وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ خَالِصًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَ الْإِمَامُ الرَّجُلَ الْمُحْتَاجَ إذَا أَبْلَى مِنْ الْخُمُسِ مَا يُعِينُهُ، وَيَجْعَلُهُ نَفْلًا لَهُ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ.
؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصَرْفِ الْخُمُسِ إلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَهَذَا مُحْتَاجٌ. وَإِذَا جَازَ صَرْفُهُ إلَى مُحْتَاجٍ لَمْ يُقَاتِلْ فَلَأَنْ يَجُوزَ صَرْفُهُ إلَى مُحْتَاجٍ قَاتَلَ وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا كَانَ أَوْلَى.
وَهَذَا لِأَنَّ بِقِتَالِهِ وَقِتَالِ أَمْثَالِهِ حَصَلَ هَذَا الْخُمُسُ.
وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ وَجَدَ رِكَازًا فَرَآهُ الْإِمَامُ مُحْتَاجًا وَصَرَفَ الْخُمُسَ إلَيْهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ. وَرُدَّ بِنَحْوِهِ أَثَرٌ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لِلْوَاجِدِ: خُمُسُهَا لَنَا وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لَك وَسَنُتِمُّهَا لَك.
ثُمَّ هَذَا تَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا نَفْلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ» . وَعَنْ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ النَّفَلُ مِنْ الْخُمُسِ.
[ ٦٠٧ ]
يَعْنِي النَّفَلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لِلْمُحْتَاجِينَ كَانَ يَكُونُ مِنْ الْخُمُسِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ جَوَّزَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ نَفَّلَ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ»، فَقَدْ أَخْطَأَ. لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّأَمُّلَ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ نَفَّلَ. وَقَدْ كَانَ تَنْفِيلُهُ مِمَّا كَانَ لَهُ خَاصَّةً وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثُ حُظُوظٍ مِنْ الْغَنَائِمِ: الصَّفِيُّ، وَخُمُسُ الْخُمُسِ، وَسَهْمٌ كَسَهْمِ أَحَدِ الْغَانِمِينَ.
وَمَعْنَى الصَّفِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَصْطَفِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِنْ سَيْفٍ أَوْ دِرْعٍ أَوْ جَارِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ هَذَا لِوَلِيِّ الْجَيْشِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعَ حُظُوظٍ أُخَرَ.
وَفِيهِ يَقُولُ الْقَائِلُ:
لَك الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا وَحُكْمُك وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ
فَانْتَسَخَ ذَلِكَ كُلُّهُ سِوَى الصَّفِيِّ. فَإِنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالِاتِّفَاقِ. حَتَّى إنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ الصَّفِيُّ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ - ﵇ -، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي سَهْمِهِ مِنْ الْخُمُسِ أَنَّهُ هَلْ بَقِيَ لِلْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.
٩٧٧ - وَذُكِرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ أَحَدًا
[ ٦٠٨ ]
مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْئًا، إلَّا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَسِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ أَبَا دُجَانَةَ فَإِنَّهُمَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا» .
وَبَيَانُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَاصَّةً فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] (ص ٢٠٤) فَإِنَّهُمْ مَا فَتَحُوا بَنِي النَّضِيرِ عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَإِنَّمَا صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ، إلَّا الْحَلْقَةَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -. وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَلْقَى اللَّهُ مِنْ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي زَمَانِنَا لَوْ حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى مِثْلِ هَذَا هَلْ تَكُونُ الْأَمْوَالُ لَهُ خَاصَّةً أَمْ تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ؟ قُلْنَا: بَلْ تَكُونُ غَنِيمَةً؛ لِأَنَّ خَوْفَهُمْ مِنْ مَنَعَةِ الْإِمَامِ لَا مِنْ نَفْسِهِ، وَمَنَعَتُهُ بِالْجَيْشِ. فَأَمَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَمَنَعَةُ رَسُولِ اللَّهِ مَا كَانَ بِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَأْمَنُونَ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُك مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
٩٧٨ - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ فِيمَا صَنَعَ اسْتَرْضَى الْأَنْصَارَ أَيْضًا. فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا نَازِلِينَ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي بُيُوتِهِمْ وَقَالَ - ﵇ - لِلْأَنْصَارِ: «إمَّا أَنْ أَقْسِمَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ بِرِضَاكُمْ لِيَتَحَوَّلُوا إلَيْهَا فَتَسْلَمَ لَكُمْ مَنَازِلُكُمْ، وَإِمَّا أَقْسِمُهَا بَيْنَ الْكُلِّ وَهُمْ يَسْكُنُونَ مَعَكُمْ فِي مَنَازِلِكُمْ عَلَى حَالِهِمْ.
[ ٦٠٩ ]
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلْ نَرْضَى بِأَنْ تَقْسِمَهَا بَيْنَهُمْ، وَيَكُونُونَ مَعَنَا فِي مَنَازِلِنَا أَيْضًا» .
وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] الْآيَةَ وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - أَعْطَى يَوْمَئِذٍ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَيْفَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، نَفَّلَهُ إيَّاهُ» . وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ تَنْفِيلًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ خَاصَّةً.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -: «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ، وَفَدَكُ، وَخَيْبَرُ» . وَكَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ.
أَيْ مَحْبُوسَةً لِذَلِكَ كَالْمَوْقُوفَةِ.
وَكَانَتْ فَدَكُ لِابْنِ السَّبِيل.
وَالْمُرَادُ بِنَوَائِبِهِ جَوَائِزُ الرُّسُلِ وَالْوُفُودِ الَّذِينَ كَانُوا يَأْتُونَهُ.
وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءَانِ لِلْمُهَاجِرِينَ وَجُزْءٌ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهُ. فَإِنْ فَضَلَ رَدَّهُ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا بَعْضَ خَيْبَرَ لَا كُلَّهَا. فَقَدْ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ قَسَمَ الشِّقَّ وَالنَّطَاةَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي أَوَّلِ الْقِسْمَةِ.
[ ٦١٠ ]
وَذُكِرَ عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ عَامِرًا وَمَوَاتًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ» .
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - أَقْطَعَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسُهَيْلٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَمْوَالًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ عَامِرَةً» .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ غَامِرَةً، وَهِيَ الْخَرَابُ الَّتِي يَبْلُغُهَا الْمَاءُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: فَمَنْ يَسْمَعُ هَذِهِ الْآثَارَ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ نَفَّلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ عَلَى وَجْهِ نَصْبِ الشَّرْعِ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ خَالِصَ حَقِّهِ. فَإِذَا تَأَمَّلَ مَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ - ﵁ - «قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تُخَمِّسُ مَا أَصَبْت مِنْ بَنِي النَّضِيرِ كَمَا خَمَّسْت مَا أَصَبْت مِنْ بَدْرٍ؟ قَالَ: لَا أَجْعَلُ شَيْئًا جَعَلَهُ اللَّهُ لِي دُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ مَا هُوَ لَهُمْ. وَتَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]» .
ثُمَّ ذُكِرَ:
٩٨٠ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْأَنْفَالِ فَقَالَ: لَا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ.
إنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا كَانَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - فَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ مِثْلُ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ لِيُنَفِّلَ مِنْهُ. كَمَا كَانَ يُنَفِّلُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -.
[ ٦١١ ]
وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - نَفَّلَ يَوْمَ بَدْرٍ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ سَيْفَ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ» .
٩٨٢ - وَإِنَّمَا يُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَفَّلَهُ مِنْ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا، أَوْ عَلَى أَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ مُفَوَّضَةً إلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وَعَلَى أَنَّهُ اصْطَفَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَعْطَاهُ سَعْدًا.
وَهُوَ نَظِيرُ مَا يُرْوَى «أَنَّهُ اصْطَفَى يَوْمَ بَدْرٍ ذَا الْفَقَارِ ثُمَّ أَعْطَاهُ عَلِيًّا وَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِ، وَقَدْ كَانَ سَيْفَ مُنَبَّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ» . وَفِي رِوَايَةِ نُبَيْهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَبِخِلَافِ مَا يَزْعُمُ الرَّوَافِضُ أَنَّ ذَا الْفَقَارِ كَانَ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ لِعَلِيٍّ - ﵁ - وَذَلِكَ كَذِبٌ وَزُورٌ. وَمَبْنَى مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ عَلَى الْكَذِبِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْفَقَارِ لِكَسْرٍ فِيهِ.
٩٨٣ - وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يُحْمَلُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - لَمَّا أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يَرُدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْغَنَائِمِ ثُمَّ جَاءَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ بِسَيْفِ ابْنِ عَائِذٍ الْمَخْزُومِيِّ حَتَّى أَلْقَاهُ فِي الْغَنَائِمِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ. فَجَاءَهُ الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ وَعَرَفَ ذَلِكَ السَّيْفَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - ﵇ - فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ» .
٩٨٤ - وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَيْضًا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «جَاءَ عَيْنٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ وَهُمْ
[ ٦١٢ ]
فِي سَفَرٍ. فَأَكَلَ مَعَهُمْ وَخَالَطَهُمْ ثُمَّ ذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -: الْحَقُوهُ فَاقْتُلُوهُ. وَكَانَ سَلَمَةُ سَبَّاقًا يَسْبِقُ الْفَرَسَ عَدْوًا فَلَحِقَهُ وَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ فَقَتَلَهُ. وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﵇ - بِنَاقَتِهِ وَسَلَبِهِ فَنَفَّلَهُ إيَّاهُ» .
وَكَأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا مِنْ الْخُمُسِ، ثُمَّ نَفَّلَهُ إيَّاهُ لِحَاجَتِهِ. وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي مِثْلِ هَذَا.
٩٨٥ - وَذُكِرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ فِي حِصَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَامَ إلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ. فَقَالَتْ صَفِيَّةُ: وَاحِدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -: «أَيُّهُمَا عَلَا صَاحِبَهُ يَقْتُلُهُ. فَعَلَاهُ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ. وَنَفَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - سَلَبَهُ» .
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا بِخَيْبَرَ. فَقَدْ كَانَتْ الْمُبَارَزَةُ وَالْقِتَالُ يَوْمَئِذٍ. فَأَمَّا بَنُو قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِلْمُبَارَزَةِ وَالْقِتَالِ. وَصَفِيَّةُ كَانَتْ أُمَّ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ سِوَاهُ، فَتَأَسَّفَتْ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ لِلْمُبَارَزَةِ وَقَالَتْ: وَاحِدِي. أَيْ وَا أَسَفَا عَلَى وَاحِدٍ لِي لَا وَلَدَ لِي سِوَاهُ. فَطَيَّبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - قَلْبَهَا بِمَا قَالَ. ثُمَّ نَفَّلَ الزُّبَيْرَ سَلَبَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا إنَّهُ جَعَلَهُ مِمَّا كَانَ لَهُ خَاصَّةً ثُمَّ نَفَّلَهُ إيَّاهُ.
٩٨٦ - وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵇ -
[ ٦١٣ ]
بَعَثَ بَعْثًا قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» .
وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُمْ نُفِلُوا ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ لِحَاجَتِهِمْ، أَوْ نُفِلُوا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. وَقَدْ كَانُوا رَجَّالَةً كُلَّهُمْ، أَوْ فُرْسَانًا كُلَّهُمْ. وَعِنْدَنَا مِثْلُ هَذَا التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ يَجُوزُ.
لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقِسْمَةِ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ النَّفَلُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ إذَا كَانَ فِيهِ تَخْصِيصُ بَعْضِهِمْ.
٩٨٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ إمَامًا نَفَّلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَعْضَ مَنْ كَانَ لَهُ جَزَاءٌ أَوْ عَنَاءٌ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ مِنْهُ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى وَالٍ آخَرَ لَا يَرَى التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ يَمْضِي مَا صَنَعَ وَلَا يَرُدُّهُ.
لِأَنَّهُ أَمْضَى تَنْفِيلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ.
بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَضَى عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ. فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ. ٩٨٨ - وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: بَارَزْت دِهْقَانًا فَقَتَلْته، فَنَفَّلَنِي أَمِيرِي سَلَبَهُ. فَأَجَازَ ذَلِكَ عُمَرُ - ﵁ -. وَقَدْ صَحَّ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجَوِّزُ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ: لَا نَفْلَ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ.
[ ٦١٤ ]
فَلَوْ كَانَ هُوَ الْوَالِي مَا نَفَّلَ إلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا نَفَّلَهُ الْأَمِيرُ وَأَمْضَاهُ أَجَازَ ذَلِكَ عُمَرُ - ﵁ -.
٩٨٩ - وَذُكِرَ عَنْ شَبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَارَزْت رَجُلًا مِنْ الْأَعَاجِمِ فَقَتَلْته. فَنَفَّلَنِي سَعْدٌ سَلَبَهُ. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَأَمْضَاهُ.
٩٩٠ - وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ جَمِيعًا: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ نَفْلًا بِالسَّوِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ (ص ٢٠٦) .
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا خَصَّ الْبَعْضَ بِالتَّنْفِيلِ، فَأَمَّا إذَا عَمَّهُمْ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا إبْطَالُ السُّهْمَانِ الَّتِي أَوْجَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -، وَإِبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
٩٩١ - وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: مَا أَصَبْتُمْ فَلَكُمْ، وَلَمْ يَقُلْ: بَعْدَ الْخُمُسِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ الْخُمُسِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْغَنِيمَةِ.
٩٩٢ - وَذُكِرَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْخُمُسَ. لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى قَوِيِّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى ضَعِيفِهِمْ.
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ بَعْدَ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ التَّنْفِيلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ إبْطَالًا لِحَقِّ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -:
[ ٦١٥ ]
أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ، وَآخَرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ أَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْغَنِيمَةِ؟ فَقَالَ - ﵇ -: وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» .
٩٩٣ - قَالَ: وَالنَّفَلُ فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
٩٩٤ - وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا، وَكَانَ مَعَهُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، أَوْ فِضَّةُ سَيْفٍ، أَوْ سِوَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ قُرْطُ ذَهَبٍ، أَوْ مِنْطَقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ. وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَفْلَ فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ. وَإِنَّمَا النَّفَلُ فِيمَا يَكُونُ مِنْ الْأَمْتِعَةِ فَأَمَّا فِي أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ فَلَا.
وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ عَيْنُ مَالٍ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ مُقَرَّرًا فِيهَا. وَقَاسُوا هَذَا بِإِبَاحَةِ التَّنَاوُلِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ فِي الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ دُونَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَرْفَعَ الدَّرَاهِمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّا نَقُولُ: التَّنْفِيلُ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ بِالرُّوحِ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَسْتَوِي الْأَمْوَالُ، بَلْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطِرُ بِأَعَزِّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ لَهُ الْمَالُ النَّفِيسُ يَمْتَنِعُ مِنْ هَذِهِ الْمُخَاطَرَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السَّلَبَ اسْمٌ لِمَا يُسْلَبُ. فَكُلُّ مَا يَكُونُ مَعَ الْحَرْبِيِّ إذَا قَتَلَهُ فَقَدْ اسْتَلَبَهُ مِنْهُ. وَيَسْتَحِقُّ كُلَّ ذَلِكَ بِمُطْلَقِ اسْمِ السَّلَبِ.
[ ٦١٦ ]
ثُمَّ اُسْتُدِلَّ عَلَيْهِ: بِحَدِيثِ عُمَرَ - ﵁ - فِي قِصَّةِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ قَتَلَ مَرْزُبَانَ الزَّارَةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مِنْطَقَةُ ذَهَبٍ فِيهَا جَوْهَرٌ فَقُوِّمَ فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَقَدْ ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ ثَلَاثُونَ أَلْفًا قِيمَةُ الْمِنْطَقَةِ فَقَطْ، وَأَرْبَعُونَ قِيمَةُ جَمِيعِ السَّلَبِ، أَوْ يُقَالُ: مَا سَبَقَ وَهْمٌ مِنْ الرَّاوِي.
وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ هُنَا. فَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: قَالَ: بَعَثْنَا إلَى عُمَرَ بِالْخُمُسِ سِتَّةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. فَبِهَذَا التَّفْسِيرِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ قِيمَةَ السَّلَبِ كَانَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَقَدْ رَوَيْنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَفَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ عَلَيْهِ فِضَّةٌ» . فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّنْفِيلُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَذُكِرَ:
٩٩٥ - عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ لَا سَلَبَ إلَّا لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا أَوْ قَتَلَهُ.
وَلَا يَكُونُ السَّلَبُ فِي يَوْمِ هَزِيمَةٍ أَوْ فَتْحٍ. وَيَصْلُحُ فِي السَّلَبِ الثِّيَابُ وَالسِّلَاحُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالدَّابَّةُ، وَمَا كَانَ مَعَ الْعِلْجِ بَعْدَ هَذَا فَلَا سَلَبَ فِيهِ. وَلَا سَلَبَ فِي السِّلْعَةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ لَا سَلَبَ إلَّا لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا أَوْ قَتَلَهُ فَهُوَ كَمَا قَالَ.
[ ٦١٧ ]
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْجَزَاءِ وَالْعَنَاءِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْأَسْرِ وَالْقَتْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (ص ٢٠٧) لَا سَلَبَ فِي يَوْمِ هَزِيمَةٍ وَلَا فَتْحٍ. فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ الْأَسْلَابَ مِنْ الْقَتْلَى وَالْأَسْرَى فِي الْهَزِيمَةِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا أَوْ أَسَرَ قَبْلَ الْهَزِيمَةِ أَوْ الْفَتْحِ فَلَهُ سَلَبُهُ، وَلْيَتِمَّ النَّظَرُ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي قَتْلِ الْمُنْهَزِمِ إلَى عَظِيمِ جَزَاءٍ وَعَنَاءٍ. وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ.
فَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ وَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ مَا شَرَطَ الْإِمَامُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْهَزِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَبِمُجَرَّدِ الْمَقْصُودِ لَا يَثْبُتُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بَلْ يَجِبُ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَسَرُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ؟ بَلْ كَانَتْ عَامَّةُ الْأُسَرَاءِ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ. ثُمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْأَسْرَى لِمَنْ أَسَرُوهُمْ، حَتَّى أَخَذُوا فِدَاءَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَصْلُحُ مِنْ السَّلَبِ السِّلَاحُ وَالثِّيَابُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالدَّابَّةُ، فَمَا كَانَ مَعَ الْعِلْجِ بَعْدَ هَذَا فَلَا سَلَبَ فِيهِ فَهُوَ كَمَا قَالَ. وَالْمُرَادُ أَنَّ مَا مَعَهُ مِمَّا خَلَّفَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ لَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى فَرَسِهِ الَّذِي خَرَجَ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ السَّلَبِ؛ لِأَنَّ السَّلَبَ اسْمٌ لِمَا يُسْلَبُ مِنْهُ. فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا مَعَهُ خَاصَّةً مِمَّا إذَا قُتِلَ هُوَ لَا يَبْقَى مَانِعٌ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ الْقَاتِلِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا خَلَّفَهُ مِنْ الْمُعَسْكَرِ، فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ مِنْ الْقَاتِلِ. فَلَا يَتَمَكَّنُ هُوَ مِنْ أَخْذِهِ بِقَتْلِ الْعِلْجِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهُ بَغْلَةٌ عَلَيْهَا مَتَاعُهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سَلَبِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ
[ ٦١٨ ]
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَا سَلَبَ فِي السِّلْعَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَقُودُ هَذَا مَعَ نَفْسِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ السِّلَعِ الَّتِي يَحْمِلُهَا لِلتِّجَارَةِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: لَا سَلَبَ فِي السِّلْعَةِ: مَا يَكُونُ مَعَهُ مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَأْخُذُ بِهِ. فَأَمَّا عِنْدَنَا مَا مَعَهُ فِي حَقْوِهِ فَهُوَ مِنْ السَّلَبِ يُسَلَّمُ لِلْقَاتِلِ.
[ ٦١٩ ]