بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ ٨١ - قَالَ: وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا مِنْ وَجْهِ الدِّينِ. وَلَكِنَّهُ فَشَلٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ تَحْرِيضٌ وَمَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. يَعْنِي أَنَّ الْمُبَارِزِينَ يَزْدَادُونَ نَشَاطًا بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِيهِ إرْهَابٌ لِلْعَدُوِّ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «صَوْتُ أَبِي دُجَانَةَ فِي الْحَرْبِ فِئَةٌ» . فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَهُوَ فَشَلٌ. وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَيْشِ فَلِهَذَا لَا يُسْتَحَبُّ.
٨٢ - وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ ثَلَاثَةٍ: عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الْجَنَائِزِ، وَعِنْدَ الزَّحْفِ»، أَيْ الْقِتَالِ.
٨٣ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ: الْجَنَائِزِ وَالْقَتَال وَالذِّكْرِ.
[ ٨٩ ]
وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْوَعْظُ. فَفِي الْحَدِيثَيْنِ كَرَاهَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ. فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْوَجْدَ وَالْمَحَبَّةَ مَكْرُوهٌ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الدِّينِ. وَيَسْتَبِينُ بِهِ أَنَّهُ تُمْنَعُ الصُّوفِيَّةُ مِمَّا يَعْتَادُونَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ وَتَخْرِيقِ الثِّيَابِ عِنْدَ السَّمَاعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي الدِّينِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ، فَمَا ظَنُّك عِنْدَ سَمَاعِ الْغِنَاءِ؟ فَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ فَالْمُرَادُ بِهِ النَّوْحُ وَتَمْزِيقُ الثِّيَابِ وَخَمْشُ الْوُجُوهِ، فَذَلِكَ حَرَامٌ، وَالْمُرَادُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْإِفْرَاطِ فِي مَدْحِ الْمَيِّتِ عِنْدَ جِنَازَتِهِ، حَتَّى كَانُوا يَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ شِبْهُ الْمُحَالِ. وَفِيهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهِنَّ أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا» أَرَادَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ امْنَعُوهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا تَذْكُرُوهُ بِسُوءٍ. .
[ ٩٠ ]