٣٨ -
[ ٢٢٠ ]
٣٨ - بَابُ سَجْدَةِ الشُّكْرِ
- وَإِذَا أَتَى الْأَمِيرَ أَمْرٌ يَسُرُّهُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُكَبِّرَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَخِرَّ سَاجِدًا يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَشْكُرُهُ، وَيُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ. وَهَذِهِ سَجْدَةُ الشُّكْرِ
وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ سِمَاعَةَ. فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَكَانَ لَا يَرَاهَا شَيْئًا، أَيْ شَيْئًا مَسْنُونًا، أَوْ لَا يَرَاهَا شُكْرًا تَامًّا، فَإِنَّ تَمَامَ الشُّكْرِ فِي أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا «فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا. وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مَنْ يَكُونُ مَنْظُورًا إلَيْهِ رُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ عِنْدَ حُدُوثِ النِّعَمِ، فَيَكُونُ مُدْخِلًا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. وَقَالَ - ﵇ -: «مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» . وَمَا مِنْ سَاعَةٍ إلَّا وَفِيهَا نِعْمَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ صِحَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَلَوْ اشْتَغَلَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِشُغْلٍ آخَرَ. وَلَمَّا وُفِّقَ حَتَّى سَجَدَ كَانَ ذَلِكَ نِعْمَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ لَهَا ثَانِيًا. وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ مُحَمَّدٌ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي الْبَابِ.
[ ٢٢١ ]
- مِنْهَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا بُشِّرَ بِبُشْرَى تَسُرُّهُ يَخِرُّ سَاجِدًا لِلَّهِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ - ﵇ - مَرَّ بِرَجُلٍ بِهِ زَمَانَةٌ فَسَجَدَ» . وَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (٥٩ ب) فَفَعَلَا ذَلِكَ. وَفِي كُتُبِ الْحَدِيثِ يُرْوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - مَرَّ بِنُغَاشِي فَسَجَدَ» . يَعْنِي نَاقِصَ الْخَلْقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - لَمَّا أَتَاهُ فَتْحُ الْيَمَامَةِ سَجَدَ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالنَّهْرَوَانِ فَقَالَ: الْتَمِسُوهُ، يَعْنِي ذَا الثُّدَيَّةِ. فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَجَعَلَ
[ ٢٢٢ ]
يَعْرَقُ جَبِينُهُ وَيَقُولُ: مَا كَذَبْت وَلَا كُذِّبْت. فَوَجَدُوهُ فِي سَاقِيَةٍ أَوْ بِئْرٍ فَسَجَدَ عَلِيٌّ - ﵁ - سَجْدَةً.
وَأَصْلُ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَاتَلَ عَلِيٌّ - ﵁ - الْحَرُورِيَّةَ قَالَ: اُنْظُرُوا. فَإِنَّ فِيهِمْ رَجُلًا إحْدَى ثَدْيَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ. حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ أَنِّي صَاحِبُهُ. فَقَلَّبُوا الْقَتْلَى فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَقَالَ: اُنْظُرُوا، فَوَاَللَّهِ مَا كَذَبْت وَلَا كُذِّبْت. قَالُوا: فَإِنَّ سَبْعَةَ نَفَرٍ تَحْتَ نَخْلٍ لَمْ نُقَلِّبْهُمْ بَعْدُ. قَالَ: اُنْظُرُوا. قَالَ الرَّاوِي: فَرَأَيْت فِي رِجْلَيْهِ حَبْلًا جَرُّوهُ بِهِ حَتَّى أَلْقَوْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَقَالَ: أَبْشِرُوا. إنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْقَوْمَ الَّذِي فِيهِمْ رَجُلٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُقَاتِلُونَك وَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ. فَحِينَ وَجَدُوهُ كَانَ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. فَلِهَذَا خَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا. وَبِاَللَّهِ الْعَوْنُ وَالتَّوْفِيقُ.
[ ٢٢٣ ]