٩٧ - بَابُ سُهْمَانِ الْبَرَاذِينِ ١٥٩٩ - قَالَ عُلَمَاؤُنَا - ﵏ -: الْبِرْذَوْنُ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ بِهِ كَالْفَرَسِ. وَكَذَا الْهَجِينُ وَالْمَقْرِفُ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ.
فَالْفَرَسُ اسْمٌ لِلْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ. وَالْبِرْذَوْنُ لِلْفَرَسِ الْعَجَمِيِّ. وَالْهَجِينُ مَا يَكُونُ الْفَحْلُ عَرَبِيًّا وَالْأُمُّ مِنْ أَفْرَاسِ الْعَجَمِ. وَالْمَقْرِفُ عَلَى عَكْسِ هَذَا.
ثُمَّ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ مِنْ الْغَنِيمَةِ الْعَرَبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ سَوَاءٌ. فَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالْخَيْلِ. وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْخَيْلِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَاسْمُ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُ الْبَرَاذِينَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ فَقَالَ: أَوَ فِي الْخَيْلِ صَدَقَةٌ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵁ -: الْفَرَسُ وَالْبِرْذَوْنُ سَوَاءٌ.
[ ٨٩١ ]
إذْ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَرْبِ يَقُولُونَ: الْبِرْذَوْنُ أَفْضَلُ فِي الْقِتَالِ عِنْدَ اللِّقَاءِ مِنْ الْفَرَسِ. فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَطْفًا وَأَشَدُّ مُتَابَعَةً لِصَاحِبِهِ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَأَصْبَرُ فِي الْقِتَالِ. فَمَا يَفْضُلُهَا الْعَرَّابُ إلَّا لِلطَّلَبِ وَالْهَرَبِ. فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعُ زِيَادَةٍ فِيمَا هُوَ مِنْ أَمْرِ الْقِتَالِ، فَيَسْتَوِيَانِ، إذْ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ، وَمُؤْنَةُ الْبِرْذَوْنِ لَا تَكُونُ دُونَ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ.
١٦٠٠ - فَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَيَقُولُونَ: لَا سَهْمَ لِلْبِرْذَوْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَارِبًا لِلْفَرَسِ وَيَسْتَدِلُّونَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَتَبَ إلَى عُمَرَ - ﵁ -: أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ خَيْلِ الْقَوْمِ خَيْلًا دُكًّا عِرَاضًا، فَمَا يَرَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي إسْهَامِهَا؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى الْبَرَاذِينَ، فَانْظُرْ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُقَارِبًا لِلْخَيْلِ فَأَسْهِمْهَا سَهْمًا، وَأَلْغِ مَا سِوَاهَا. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَإِنَّهُ قَالَ لِعَامِلِهِ: فَإِنْ كَانَ بِرْذَوْنًا رَائِعَ الْجَرْيِ وَالْمَنْظَرِ فَأَسْهِمْ لَهُ، وَلَا تُسْهِمْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ.
وَأُتِيَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِهَجِينٍ. فَقَالَ: لَأَنْ أَسْتَفَّ التُّرَابَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْسِمَ لَهُ.
[ ٨٩٢ ]
وَعَنْ كُلْثُومِ بْنِ الْأَقْمَرِ قَالَ: أَغَارَتْ الْخَيْلُ بِالشَّامِ فَأَدْرَكْتُ الْعِرَابَ مِنْ يَوْمِهَا، وَأَدْرَكْت الكودان ضُحَى الْغَدِ وَعَلَيْهِمْ الْمُنْذِرُ بْنُ أَبِي حِمَّصَةَ الْوَادِعِيُّ. فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَا أُدْرِكَ سَابِقًا كَمَا لَا يُدْرَكُ. فَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ - ﵁ - فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ - ﵁ -: هَبِلَتْ الْوَادِعِيَّ أُمُّهُ لَقَدْ أَذْكَتْ بِهِ، أَيْ أَتَتْ بِهِ ذَكِيًّا.
وَفِي رِوَايَةٍ: لَقَدْ أَذَكَرَتْهُ. أَيْ أَتَتْ بِهِ ذَكَرًا. فَامْضُوهَا عَلَى مَا قَالَ. إلَّا أَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الْآثَارُ تُحْمَلُ عَلَى مَا لَا يَكُونُ صَالِحًا لِلْقِتَالِ مِمَّا يُعَدُّ لِحَمْلِ الْأَمْتِعَةِ عَلَيْهِ دُونَ الْقِتَالِ بِهِ.
وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ فَرَسٍ ضَرْعٍ أَوْ بَغْلٍ فَاجْعَلُوا صَاحِبَهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجَّالَةِ.
ثُمَّ فِي حَدِيثِ الْمُنْذِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْهَامَ لِلْبَرَاذِينِ كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ. فَإِنَّ عُمَرَ تَعَجَّبَ مِنْ صَنِيعِهِ، وَمَا تَعَجَّبَ إلَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَنَعَ ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا. ثُمَّ الْمُنْذِرُ كَانَ عَامِلًا فَحَكَمَ فِيمَا هُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَأَمْضَى عُمَرُ حُكْمَهُ لِهَذَا، لَا لِأَنَّ رَأْيَهُ كَانَ مُوَافِقًا لِذَلِكَ. وَنَحْنُ هَكَذَا نَقُولُ: إنَّ الْحَاكِمَ إذَا قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ بِشَيْءٍ فَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ.
- ثُمَّ قَالَ: بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ: يُسْهِمُ لِلْبِرْذَوْنِ سَهْمًا وَلِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ. وَهَكَذَا ذُكِرَ قَبْلَ ذَلِكَ (ص ٢٩٣) مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُنْذِرِ.
[ ٨٩٣ ]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُسْهَمُ لِلْبِرْذَوْنِ أَصْلًا. كَمَا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَقَالَ: صَاحِبُ الْبِرْذَوْنِ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلَةِ.
- وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: إذَا جَاوَزَ الْفَرَسُ الدَّرْبَ ثُمَّ نَفَقَ أُسْهِمَ لَهُ. وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا: مَعْنَى إرْهَابِ الْعَدُوِّ يَحْصُلُ بِمُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَارِسًا، فَإِنَّ الدَّوَاوِينَ إنَّمَا تُدَوَّنُ، وَالْأَسَامِيَ إنَّمَا تَكْتُبُ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ. ثُمَّ يَنْتَشِرُ الْخَبَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَنَّهُ جَاوَزَ كَذَا كَذَا فَارِسٌ وَكَذَا كَذَا رَاجِلٌ. فَلِحُصُولِ مَعْنَى الْإِرْهَابِ بِهِ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ.
وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ.
لِأَنَّ عِنْدَنَا مَنْ نَفَقَ فَرَسُهُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْغَنِيمَةَ إذَا شَهِدَ الْوَقْعَةَ. عَلَى أَنَّ دُخُولَ دَارِ الْحَرْبِ فَارِسًا بِمَنْزِلَةِ شُهُودِ الْوَقْعَةِ فَارِسًا، وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا لِلْمَدَدِ شَرِكَةً مَعَ الْجَيْشِ فِي الْمُصَابِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ. وَهَذَا لِأَنَّ إعْزَازَ الدِّينِ يَحْصُلُ بِدُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْجِهَادِ. قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إلَّا ذَلُّوا.
[ ٨٩٤ ]
- وَلَا يُسْهَمُ عِنْدَنَا لِصَبِيٍّ وَلَا لِامْرَأَةٍ وَلَا لِعَبْدٍ وَلَا لِذِمِّيٍّ وَإِنَّمَا يُسْهَمُ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا، وَيُرْضَخُ لِمَنْ سِوَاهُمْ إذَا قَاتَلُوا، وَلِلنِّسَاءِ إذَا خَرَجْنَ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى وَالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ لِلْغُزَاةِ.
وَأَهْلُ الشَّامِ يَقُولُونَ: يُسْهَمُ لِلْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ. وَاسْتَدَلُّوا فِيهِ بِحَدِيثِ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَسْهَمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ نَظَرٌ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقِسْمَةَ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ عَلَى أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ، فَكَانَ الرِّجَالُ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ، وَالْخَيْلُ مِائَتَيْ فَرَسٍ، لَمْ يُذْكَرْ فِي ذَلِكَ امْرَأَةٌ وَلَا صَبِيٌّ. وَلَوْ كَانُوا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: كَانَتْ الرِّجَالُ كَذَا وَكَذَا، وَالصِّبْيَانُ كَذَا، وَالنِّسَاءُ كَذَا، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقَالَ ذُكِرَتْ الْخَيْلُ وَلَمْ تُذْكَرْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ قَوْلِ الْكِبَارِ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ عُمَرَ - ﵁ - كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي الْمَغْنَمِ نَصِيبٌ.
١٦٠٤ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَا يُسْهَمُ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ يُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنَائِمِ. أَيْ يُعْطَى لَهُنَّ رَضْخًا» . هَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ لَا يُسْهِمُ لِلْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ» .
[ ٨٩٥ ]
وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يُسْهِمُ لِلْمَمْلُوكِينَ» .
وَرَوَى «أَنَّ شُقْرَانَ غُلَامَ النَّبِيِّ - ﵇ - شَهِدَ بَدْرًا مَعَهُ فَلَمْ يُسْهِمْ لَهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَسَارَى فَجَزَاهُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ الْأَسَارَى، حَتَّى كَانَ حَظُّهُ كَحَظِّ رَجُلٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ فِي الْكِتَابِ» . وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: «شَهِدْت خَيْبَرَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ، فَلَمْ يُسْهِمْ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَعْطَانِي مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ» .
فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ رَضَخَ لِهَؤُلَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ. وَبِهِ نَقُولُ أَنَّهُ يُرْضَخُ لَهُمْ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ، وَلَا يُسَوَّى بَيْنَ التَّبَعِ وَالْمَتْبُوعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، بِخِلَافِ الْخَيْلِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ، فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ التَّبَعِ وَالْمَتْبُوعِ.
وَكَذَلِكَ (ص ٢٩٤) أَهْلُ الذِّمَّةِ أَتْبَاعٌ، فَإِنَّ فِعْلَهُمْ لَا يَكُونُ جِهَادًا فَيُرْضَخُ لَهُمْ وَلَا يُسْهَمُ، إلَّا أَنَّ عَطَاءً كَانَ يَقُولُ: إنْ خَرَجَ الْإِمَامُ بِهِمْ كُرْهًا فَلَهُمْ أَجْرُ مِثْلِهِمْ. وَابْنُ سِيرِينَ كَانَ يَقُولُ: يَضَعُ عَنْهُمْ الْجِزْيَةَ. وَمُرَادُهُمْ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ الرَّضْخِ أَنَّهُ يَكُونُ بِحَسَبِ الْعَنَاءِ وَالْقِتَالِ.
وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: يُسْهَمُ لَهُمْ كَمَا يُسْهَمُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - غَزَا بِأُنَاسٍ مِنْ الْيَهُودِ فَجَعَلَ لَهُمْ سُهْمَانًا مِثْلَ سُهْمَانِ الْمُسْلِمِينَ» . وَلِأَجْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -:
[ ٨٩٦ ]
١٦٠٥ - وَلَوْ أَنَّ وَالِيًا جَعَلَ لِهَؤُلَاءِ السَّهْمِ كَمَا لِلْمُسْلِمِينَ نَفَذَ حُكْمُهُ، حَتَّى لَوْ رُفِعَ إلَى وَالٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْضِيَ ذَلِكَ الْحُكْمَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ. لِأَنَّهُ أَمْضَى الْحُكْمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ بِهِ وَالْحُكْمُ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ بِالْإِجْمَاعِ فَفِي إبْطَالِهِ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
- وَلَا يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ الَّذِي يَسْتَأْجِرُهُ غَازٍ فَيَخْدُمُهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ عَلَى خُرُوجِهِ مَالًا فَلَا يَسْتَوْجِبُ لِهَذَا الْخُرُوجِ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - ﵁ - اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، فَلَمَّا طَلَبَ سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: هَذِهِ الدَّنَانِيرُ حَظُّك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .
وَعَنْ عِكْرِمَةَ «أَنَّ أَجِيرًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزْوَةٍ فَلَمْ يُسْهِمْ لَهُ شَيْئًا» .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ.
وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ إذَا قَاتَلَ وَتَرَكَ الْعَمَلَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَيَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فَلَا يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، وَحَالُهُ كَحَالِ التَّاجِرِ فِي الْعَسْكَرِ: إنْ قَاتَلَ اسْتَحَقَّ السَّهْمَ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ لَا يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٨٩٧ ]