٩٩ - بَابُ سُهْمَانِ الْخَيْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ وَلَوْ أَنَّ جَيْشًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ، فَقَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، فَإِنَّمَا الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ. هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ. وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْجِهَادِ، وَالْمُجَاهِدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ خَاصَّةً. بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ، فَهُنَاكَ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ فِي الْمُصَابِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ. لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْجِهَادِ وَكَانُوا مُجَاهِدِينَ بِذَلِكَ. وَلِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ مَوْضِعُ الْقِتَالِ (ص ٣٠١)، فَكُلُّ مَنْ حَصَّلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ يُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ. وَدَارُ الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِمَوْضِعِ الْقِتَالِ، فَإِنَّمَا الْمُقَاتِلُ فِيهَا مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ خَاصَّةً. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَفَ فِي الْمَسْجِدِ بِالْبُعْدِ مِنْ الْإِمَامِ وَاقْتَدَى بِهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَكَانُ الصَّلَاةِ، فَيُجْعَلُ هُوَ كَالْوَاقِفِ خَلْفَ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ.
- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ افْتَتَحُوا بَلْدَةً وَصَيَّرُوهَا دَارَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ مَدَدٌ قَبْلَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي الْمُصَابِ.
[ ٩١٥ ]
لِأَنَّ الْغَنَائِمَ بِمَا صَنَعُوا صَارَتْ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ. فَكَأَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ. وَهَذَا لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ شَارَكُوهُمْ فِي الْإِحْرَازِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا.
- وَكَذَلِكَ لَوْ قَسَمُوا الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَاعُوهَا ثُمَّ أَصَابَهُمْ مَدَدٌ.
لِأَنَّ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ يَتَأَكَّدُ الْحَقُّ كَمَا بِالْإِحْرَازِ. وَإِنَّمَا الشَّرِكَةُ لِلْمَدَدِ فِيمَا إذَا لَحِقُوا بِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَتَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهَا، اسْتِدْلَالًا بِالْأَثَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ الصِّدِّيقِ - ﵁ - فِي أَهْلِ النجير بِالْيَمَنِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ ".
- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ فَانْتَهَوْا إلَى مَدِينَةٍ مِثْلِ الْمِصِّيصَةِ أَوْ الْمَلْطِيَّةِ، فَخَرَجَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِهَا وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، فَالْغَنِيمَةُ لَهُمْ دُونَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: قَدْ كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُجَاهِدِينَ، إنَّمَا كَانُوا مُسْتَوْطِنِينَ فِي مَسَاكِنِهِمْ. وَالشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ لِمَنْ كَانَ مُجَاهِدًا. وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.
- فَإِنْ كَانُوا تَسَلَّحُوا وَرَكِبُوا الْخَيْلَ وَأَتَوْا بَابَ الْمَدِينَةِ فَتَضَايَقَ النَّاسُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجَ بَعْضُهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْمُصَابِ هَاهُنَا.
[ ٩١٦ ]
لِأَنَّهُمْ قَدْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ، وَكَانُوا مُجَاهِدِينَ حِينَ تَسَلَّحُوا وَأَتَوْا بَابَ الْمَدِينَةِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَوْمَ يَلْقَوْنَ الْعَدُوَّ مُحْصَرِينَ فَلَا يَلِي الْقِتَالَ مِنْهُمْ إلَّا قَوْمٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ تَكُونُ الْغَنِيمَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ. لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا شَهِدُوا الْوَقْعَةَ فَهَذَا مِثْلُهُ.
- وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ بَلَغُوا بَابَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ مُتَسَلِّحًا فَمَنَعَهُ ذَلِكَ الزِّحَامُ مِنْ الْمُضِيِّ إلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، فَهُوَ شَرِيكُهُمْ فِي الْمُصَابِ.
لِأَنَّهُ مُجَاهِدٌ فِيمَا صَنَعَ، شَاهِدٌ لِلْوَقْعَةِ.
- وَإِنْ كَانَ وَاقِفًا عَلَى بَابِ دَارِهِ، أَوْ فِي جَوْفِ دَارِهِ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا، إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْمُضِيِّ إلَّا الزِّحَامُ. فَإِنْ كَانَ بَابُ دَارِهِ مَفْتُوحًا كَانَ لَهُ سَهْمٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَإِنْ كَانَ بَابُ دَارِهِ مُغْلَقًا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ.
لِأَنَّ هَذَا مُتَحَصِّنٌ بِمَنْزِلِهِ لَيْسَ بِمُتَوَجِّهٍ إلَى مَوْضِعِ الْقِتَالِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَابُ دَارِهِ مَفْتُوحًا.
- قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِهَذَا سَهْمٌ لَكَانَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مَعَ امْرَأَتِهِ
[ ٩١٧ ]
فِي جَوْفِ بَيْتِهِ يُجَامِعُهَا. وَبَعْضُ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ الْبَعْضِ. وَلَكِنْ إنَّمَا يُؤْخَذُ فِيهِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ أُمُورُ النَّاسِ.
١٦٥٦ - وَإِنْ كَانُوا عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ يَرْمُونَ أَوْ يَصِيحُونَ بِمَا فِيهِ تَحْرِيضٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِرْهَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَانُوا شُرَكَاءَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَجَاهَدَ نَوْعًا مِنْ الْجِهَادِ.
- وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ أَمَرَهُمْ بِالْكَيْنُونَةِ عَلَى سُورِهَا لِيَمْنَعُوا الْعَدُوَّ مِنْ دُخُولِ الْمَدِينَةِ إنْ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يُعِينُوا الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْغَنِيمَةِ أَيْضًا.
لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ وَاشْتَغَلُوا بِمَا فِيهِ قُوَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ فَرَاغُ قُلُوبِهِمْ مِنْ أَنْ يَظْفَرَ الْعَدُوُّ بِمَدِينَتِهِمْ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - (ص ٣٠٢) أَنَّهُ أَمَرَ الرُّمَاةَ يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مَرَاكِزَهُمْ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ جُمْلَةِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، شُرَكَاءَ فِي الْمُصَابِ أَنْ لَوْ أَصَابُوا الْغَنَائِمَ.
- وَلَوْ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى بَابِ الْمَدِينَةِ وَقَاتَلُوهُمْ رَجَّالَةً وَقَدْ سَرَّجُوا خُيُولَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، لَمْ يُضْرَبْ لَهُمْ إلَّا بِسَهْمِ الرَّجَّالَةِ.
[ ٩١٨ ]
لِأَنَّهُمْ مَا قَاتَلُوا عَلَى الْأَفْرَاسِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، فَإِسْرَاجُ الْفَرَسِ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْقِتَالِ فِي شَيْءٍ.
- وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْخَيْلِ ثُمَّ نَزَلُوا فِي الْمَعْرَكَةِ وَقَاتَلُوا رَجَّالَةً اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الْفُرْسَانِ.
لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ فُرْسَانًا، وَإِنَّمَا تَرَجَّلُوا لِضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ لِزِيَادَةِ جِدٍّ مِنْهُمْ فِي الْقِتَالِ، فَلَا يُحْرَمُونَ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.
- وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَ الْمَعْرَكَةَ رَاجِلًا وَمَعَهُ غُلَامٌ يَقُودُ مِنْ فَرَسِهِ إلَى جَنْبِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.
لِأَنَّهُ مُقَاتِلٌ بِفَرَسِهِ حُكْمًا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِهِ مِنْ يَدِ الْغُلَامِ، وَالْقِتَالُ عَلَيْهِ.
- وَلَوْ حَضَرَ فَارِسًا ثُمَّ أَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَرُدَّ فَرَسَهُ إلَى مَنْزِلِهِ، فَرَدَّهُ وَقَاتَلَ رَاجِلًا، فَلَهُ سَهْمُ الرَّاجِلِ فَقَطْ.
لِأَنَّ الْغُلَامَ حِينَ رَدَّ فَرَسَهُ فَكَأَنَّهُ مَا أَحْضَرَهُ مَوْضِعَ الْقِتَالِ أَصْلًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ احْتَاجَ إلَى الْقِتَالِ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ.
- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَمْ يَدْنُوَا مِنْ الْمَدِينَةِ وَلَكِنَّهُمْ عَسْكَرُوا عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا، فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ رَجَّالَةً وَفُرْسَانًا حَتَّى هَزَمُوهُمْ وَأَصَابُوا الْغَنَائِمَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَارِسًا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ سَوَاءٌ قَاتَلَ رَاجِلًا أَوْ فَارِسًا.
[ ٩١٩ ]
لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْضَرَ فَرَسَهُ الْعَسْكَرَ فَقَدْ صَارَ مُقَاتِلًا بِفَرَسِهِ حُكْمًا.
- وَإِنْ بَاشَرَ الْقِتَالَ رَاجِلًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ الْفَرَسُ فِي مَنْزِلِهِ عَلَى آرِيِّهِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُجَاهِدًا بِهِ. لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
- وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ عَسْكَرُوا بِحِذَائِهِمْ تَنَحَّى الْمُشْرِكُونَ عَنْ مُعَسْكَرِهِمْ، فَأَتْبَعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَقَاتَلُوهُمْ رَجَّالَةً، وَخُيُولُهُمْ فِي الْمُعَسْكَرِ، فَإِنْ كَانُوا لَقُوهُمْ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ مَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ عَلَى أَنْ يُعِينَهُمْ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَبْعَثُوا إلَى خَيْلِهِمْ بَعَثُوا إلَيْهِمْ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْمُصَابِ، لِلْفَارِسِ مِنْهُمْ سَهْمُ الْفَارِسِ.
لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا فِي الْحُكْمِ قَدْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ لِقُرْبِ الْمُعَسْكَرِ مِنْ مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ.
- وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَبَاعَدُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ فَلَيْسَ لِمَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ سَهْمُ الْفُرْسَانِ إلَّا لِمَنْ حَضَرَ الْمَعْرَكَةَ عَلَى فَرَسِهِ.
لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ رَكِبُوا الْإِبِلَ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى سَارُوا أَيَّامًا كَانُوا رَجَّالَةً وَلَمْ يُنْظَرْ إلَى مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الْخَيْلِ فِي الْمُعَسْكَرِ؟ لِأَنَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ الِاسْتِحْقَاقَ بِشُهُودِ الْوَقْعَةِ، فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ. وَمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شُهُودُ الْوَقْعَةِ بِالْحُضُورِ حَقِيقَةً، أَوْ بِأَنْ كَانُوا بِالْقُرْبِ
[ ٩٢٠ ]
مِنْهُ حُكْمًا عَلَى وَجْهٍ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَمْكَنَهُمْ أَنْ يُغِيثُوهُمْ. فَيَكُونُونَ كَالرِّدْءِ لَهُمْ. فَأَمَّا إذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا مِنْ جُمْلَةِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ.
- وَلَوْ خَرَجُوا إلَى عَسْكَرِهِمْ فُرْسَانًا فَنَفَقَ فَرَسُ بَعْضِهِمْ كَانَ لَهُمْ سَهْمُ الْفَارِسِ.
لِأَنَّهُ حَضَرَ الْمُعَسْكَرَ فَارِسًا فَيَصِيرُ بِهِ مُجَاهِدًا بِفَرَسِهِ، إذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ. وَهَذَا فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَارِسًا أَنْ لَوْ كَانَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَإِنْ كَانَ خَرَجَ إلَى الْعَسْكَرِ رَاجِلًا فَلَمْ يَلْقَ قِتَالًا حَتَّى أَتَى بِفَرَسِهِ، (ص ٣٠٣) أَوْ اشْتَرَى فَرَسًا فَلَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ لَوْ اصْطَفَّ الْفَرِيقَانِ لِلْقِتَالِ وَهُوَ رَاجِلٌ ثُمَّ أَتَى بِفَرَسِهِ أَوْ اشْتَرَى فَرَسًا فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ.
لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا شُهُودُ الْوَقْعَةِ. وَحَقِيقَةُ شُهُودِ الْوَقْعَةِ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ الْقِتَالِ. فَحُضُورُ الْمُعَسْكَرِ وَإِنْ أُقِيمَ مَقَامَهُ حُكْمًا لَا يَسْقُطُ بِهِ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ.
- فَإِنْ الْتَحَمَ الْقِتَالُ وَهُوَ رَاجِلٌ ثُمَّ أَصَابَ فَرَسًا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ.
لِأَنَّ شُهُودَ الْوَقْعَةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا قَدْ وُجِدَ مِنْهُ وَهُوَ رَاجِلٌ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ بِإِصَابَةِ الْفَرَسِ بَعْدَ ذَلِكَ.
[ ٩٢١ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَ فَرَسَهُ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ.
- وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قُتِلَ فِي حَالِ تَشَاغُلِهِمْ بِالْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَزِمَ الْعَدُوُّ فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي الْمُصَابِ.
لِأَنَّ الْإِصَابَةَ لَا تَتِمُّ مَعَ بَقَاءِ الْقِتَالِ. فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ مُمْتَنِعُونَ بَعْدُ، دَافِعُونَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ.
- وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ بَعْدَ مَا انْهَزَمُوا ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمٍ فِي الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ الْقِتَالَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. فَبِانْهِزَامِ الْعَدُوِّ يَتَأَكَّدُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ وَتَصِيرُ الْغَنَائِمُ فِي حُكْمِ الْمُحْرَزَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ لَا يَبْطُلُ نَصِيبُهُ. فَهَذَا مِثْلُهُ.
- وَلَوْ أَصَابَ مُسْلِمٌ فِي حَالِ تَشَاغُلِهِمْ بِالْقِتَالِ فَرَسًا، هِبَةً أَوْ شِرَاءً، فَقَاتَلَ عَلَيْهِ وَغَنِمُوا غَنِيمَةً وَرَجَعُوا إلَى عَسْكَرِهِمْ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ فِيهَا إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ.
لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَ شُهُودِ الْوَقْعَةِ. وَذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ الْقِتَالِ. وَقَدْ كَانَ رَاجِلًا.
- فَإِنْ عَادُوا مِنْ الْغَدِ لِلْقِتَالِ وَعَادَ مَعَهُمْ فَارِسًا وَأَصَابُوا غَنِيمَةً ضُرِبَ لَهُ فِيهَا بِسَهْمِ فَارِسٍ.
لِأَنَّ هَذِهِ وَقْعَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْأُولَى، وَقَدْ شَهِدَهَا فَارِسًا. فَالْأُولَى قَدْ انْقَضَتْ حِينَ كَفَّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
[ ٩٢٢ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَصَابَ الْفَرَسَ قَبْلَ الْقِتَالِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى كَانَ لَهُ سَهْمُ فَارِسٍ فِي الْمُصَابِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَكَذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
- وَلَوْ قَاتَلُوا الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا حَتَّى جَاءَ قَوْمٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مَدَدًا لَهُمْ، فُرْسَانًا أَوْ رَجَّالَةً، فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ، أَوْ وَقَفُوا رِدْءًا لَهُمْ، حَتَّى أَصَابُوا غَنِيمَةً شَارَكُوهُمْ فِيهَا. فَمَنْ كَانَ فَارِسًا ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ، وَمَنْ كَانَ رَاجِلًا ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِ رَاجِلٍ.
لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ، فَكَانَ حَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ خَرَجَ مَعَ الْجَيْشِ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ انْتَهَوْا إلَى عَسْكَرِهِمْ فَأَقَامُوا فِيهِ وَلَمْ يَأْتُوا مَوْضِعَ الْقِتَالِ، أَوْ عَسْكَرُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ حَيْثُ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغِيثُوهُمْ. لِأَنَّهُمْ فَارَقُوا مَنَازِلَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْجِهَادِ، وَعَلَى أَنْ يَكُونُوا مَدَدًا لِلْجَيْشِ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ. فَإِذَا وَصَلُوا إلَى مَوْضِعٍ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَغَاثُوهُمْ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ كَانُوا رِدْءًا لَهُمْ، وَالرِّدْءُ كَالْمُبَاشِرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُصَابِ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا غَنِمُوا غَنَائِمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُمْ وَغَنَائِمَ بَعْدَ مَا أَتَوْهُمْ.
[ ٩٢٣ ]
لِأَنَّ الْقِتَالَ مَا دَامَ قَائِمًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فَالْإِصَابَةُ لَا تَتِمُّ. إذْ الْمُشْرِكُونَ قَاصِدُونَ إلَى الِاسْتِنْقَاذِ مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّمَا تَمَّتْ الْإِصَابَةُ فِي الْكُلِّ بِقُوَّةِ الَّذِينَ أَتَوْهُمْ رِدْءًا.
- وَلَوْ كَانُوا حِينَ غَنِمُوا غَنَائِمَ كَفُّوا عَنْ الْقِتَالِ، فَأَتَى كُلُّ فَرِيقٍ عَسْكَرَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْمَدَدُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْغَنَائِمِ.
لِأَنَّ الْوَقْعَةَ الَّتِي أُصِيبَ فِيهَا تِلْكَ الْغَنَائِمُ قَدْ انْقَضَتْ، فَإِنَّمَا الشَّرِكَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ (ص ٣٠٤) حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَلِأَنَّ الْإِصَابَةَ قَدْ تَمَّتْ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ. حَقِيقَةً بِتَفْرِيقِ الْفَرِيقَيْنِ. وَحُكْمًا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا.
- فَإِنْ عَادُوا إلَى الْعَدُوِّ مِنْ الْغَدِ وَقَاتَلُوهُمْ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، شَارَكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ الثَّانِيَةِ.
لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا صَارَتْ مُحْرَزَةً بِمُبَاشَرَتِهِمْ الْقِتَالَ أَوْ قُرْبِهِمْ بِأَنْ كَانُوا رِدْءًا لِلْجَيْشِ.
- وَإِنْ كَانُوا حِينَ لَقُوا الْعَدُوَّ مِنْ الْغَدِ قَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ إلَى خَنْدَقِهِمْ، فَمَنَعَهُمْ الْمَدَدُ الَّذِينَ جَاءُوا حَتَّى هَزَمُوا عَنْهُمْ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالُوا نُشَارِكُكُمْ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى لِأَنَّا دَفَعْنَا الْمُشْرِكِينَ عَنْهَا بِالْقِتَالِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمْ. لِأَنَّهَا صَارَتْ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ هَذَا الْقِتَالِ. وَالْقِتَالُ لِلدَّفْعِ
[ ٩٢٤ ]
عَنْ الْمَالِ فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ، كَالْقِتَالِ لِلدَّفْعِ عَنْ ثِيَابِ الْجَيْشِ وَأَسْلِحَتِهِمْ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لَهُمْ الشَّرِكَةَ فِيهَا.
- وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ حِينَ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوا تِلْكَ الْغَنَائِمَ فَاسْتَنْقَذَهَا مِنْهُمْ الْمَدَدُ فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَهَا إلَى أَهْلِهَا.
لِأَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ تَأَكَّدَ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْتَحَقَتْ بِأَمْوَالِهِمْ، فَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ أَخَذُوهَا لَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ، فَبَقِيَتْ حَقًّا لِلْأَوَّلِينَ كَمَا كَانَتْ. بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِينَ هُنَاكَ لَمْ يَتَأَكَّدْ لِانْعِدَامِ الْإِحْرَازِ. وَإِحْرَازُ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهَا بِالْأَخْذِ يَتِمُّ فَيَبْطُلُ حَقُّ الْأَوَّلِينَ عَنْهَا وَيَلْتَحِقُ بِالْغَنَائِمِ الَّتِي يُصِيبُونَهَا الْآنَ ابْتِدَاءً.
- وَلَوْ كَانَ الْعَدُوُّ فِي السُّفُنِ فِي الْبَحْرِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ فِي السُّفُنِ وَحَمَلُوا مَعَهُمْ الْخَيْلَ رَجَاءَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الْبَرِّ فَيُقَاتِلُوهُمْ، فَالْتَقُوا فِي الْبَحْرِ فَاقْتَتَلُوا، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنَّهُمْ يَقْسِمُونَهَا عَلَى الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ.
لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِقَصْدِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ، فَلَا يُحْرَمُونَ سَهْمَ الْفُرْسَانِ بِقِتَالِهِمْ رَجَّالَةً فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ لَقُوهُمْ فِي بَعْضِ الْمَضَايِقِ فَتَرَجَّلُوا أَوْ قَاتَلُوا رَجَّالَةً
[ ٩٢٥ ]
اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الْفُرْسَانِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ قَاتَلُوهُمْ عَلَى بَابِ حِصْنٍ رَجَّالَةً اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الْفُرْسَانِ لِهَذَا الْمَعْنَى كَذَلِكَ هُنَا.
- فَإِنْ كَانُوا تَرَكُوا الْخَيْلَ عَلَى السَّاحِلِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَرَكِبُوا السُّفُنَ رَجَّالَةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانُوا تَبَاعَدُوا مِنْ خُيُولِهِمْ، حَتَّى لَوْ كَانُوا فِي الْبَرِّ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَفْرَاسِهِمْ إنْ احْتَاجُوا إلَى الْقِتَالِ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمُ الْفَرَسِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ تَخَلَّفَ فِي الْمُعَسْكَرِ عَلَى السَّاحِلِ شَرِكَةٌ مَعَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عَلَى الْبَرِّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِحْقَاقُ لِمَنْ تَخَلَّفَ فِي الْمُعَسْكَرِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ فَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا فِي الْبَحْرِ.
- وَإِنْ كَانُوا لَقُوا الْعَدُوَّ قَرِيبًا مِنْ الْمُعَسْكَرِ حَيْثُ يُغِيثُونَهُمْ إنْ أَرَادُوا غَنَائِمَهُمْ فَلَهُمْ الشَّرِكَةُ، وَيُضْرَبُ لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ فِيهَا بِسِهَامِ الْخَيْلِ.
لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ وَصَارُوا بِقُرْبِهِمْ مِنْ مَوْضِعِ الْقِتَالِ كَأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْقِتَالِ. وَإِنَّمَا انْهَزَمَ الْعَدُوُّ وَظَفِرَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ بِقُوَّةِ مَنْ كَانَ فِي الْمُعَسْكَرِ فَيُشَارِكُونَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ كَانُوا فِي جَزِيرَةٍ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ
[ ٩٢٦ ]
عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِثْلُ عَرْضِ الدِّجْلَةِ، فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ فِي السُّفُنِ حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنَّ مَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ يُشَارِكُهُمْ فِيهَا إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ (ص ٣٠٥)، فَكَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ.
- وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ غَيْضَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ غِيَاضِ طَبَرِسْتَانَ، فَلَمْ يَقْدِرْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَدْخُلُوهَا عَلَى الْخَيْلِ، فَدَخَلُوهَا رَجَّالَةً، وَقَاتَلُوا الْعَدُوَّ قَرِيبًا مِنْ مُعَسْكَرِهِمْ حَيْثُ يَسْمَعُونَ صَهِيلَ خُيُولِهِمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ شُرَكَاؤُهُمْ فِيمَا غَنِمُوا، وَلِأَصْحَابِ الْخَيْلِ سَهْمُ الْفُرْسَانِ. لِأَنَّ الْكُلَّ، لِلْقُرْبِ مِنْ مَوْضِعِ الْقِتَالِ، كَالْحُضُورِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
- وَإِنْ أَمْعَنُوا فِي الْغَيْضَةِ عَلَى إثْرِ الْعَدُوِّ حَتَّى اقْتَتَلُوا فِي مَوْضِعٍ لَوْ طَلَبُوا الْغِيَاثَ لَمْ يُغِثْهُمْ أَصْحَابُهُمْ فَلَا شَرِكَةَ لِمَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا لِبُعْدِهِمْ مِنْ مَوْضِعِ الْقِتَالِ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَصَّنَ الْمُسْلِمُونَ فِي قَلْعَةٍ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ. أَوْ فِي جَبَلٍ لَا تَقْدِرُ الْخَيْلُ عَلَى صُعُودِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، أَوْ تَحَصَّنُوا فِي حِصْنٍ وَجَعَلُوا الْمَاءَ فِي الْخَنْدَقِ، حَتَّى صَارَ مَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ شَبَهَ الْبُحَيْرَةِ،
[ ٩٢٧ ]
فَرَكِبُوا السُّفُنَ حَتَّى انْتَهَوْا إلَى الْحِصْنِ، وَصَعِدُوا الْقَلْعَةَ رَجَّالَةً حَتَّى فَتَحُوا الْقَلْعَةَ، وَأَصَابُوا الْغَنَائِمَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ شُرَكَاؤُهُمْ فِيهَا، وَلِأَصْحَابِ الْخَيْلِ سَهْمُ الْفُرْسَانِ.
لِأَنَّ الَّذِينَ ظَفِرُوا بِالْعَدُوِّ إنَّمَا ظَفِرُوا بِقُوَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ حِينَ كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ.
- إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَسْكَرُ نَائِيًا عَنْ الْقَلْعَةِ وَالْحِصْنِ بِحَيْثُ لَا يُغِيثُونَهُمْ وَلَا يَكُونُونَ رِدْءًا لَهُمْ، فَحِينَئِذٍ لَا شَرِكَةَ مَعَهُمْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ الْإِصَابَةِ بِقُوَّةِ أَنْفُسِهِمْ لَا بِقُوَّةِ مَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ، وَالْإِصَابَةُ تَتِمُّ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَى الْمُعَسْكَرِ هَاهُنَا، وَتَصِيرُ الْغَنِيمَةُ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا هَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ، وَلَكِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْمُعَسْكَرِ لَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا، إلَّا إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ. حِينَ اقْتَتَلُوا وَأَصَابُوا عَلَى وَجْهٍ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَغَاثُوهُمْ؟ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. إلَّا أَنَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ خَلَّفَ فَرَسَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِصَابَةُ بَعْدَ مَا بَعِدُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ هُنَاكَ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ قَدْ انْعَقَدَ بِمُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَارِسًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَفَقَ فَرَسُهُ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا خَلَّفَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ الْجُنْدِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ بِسَهْمٍ.
[ ٩٢٨ ]
فَلِهَذَا لَا شَرِكَةَ لِمَنْ تَخَلَّفَ فِي الْمُعَسْكَرِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّةِ خَلَّفَ فَرَسَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ اسْتَحَقَّ السَّهْمَ بِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ هَاهُنَا بِشُهُودِ الْوَقْعَةِ فَارِسًا، وَحِينَ كَانَ فَرَسُهُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ إنْ لَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَهُوَ مَا شَهِدَ الْوَقْعَةَ إلَّا رَاجِلًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَارِسِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٩٢٩ ]