٩٨ - بَابُ سُهْمَانِ الْخَيْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ نَفَقَ فَرَسُهُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَهُوَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.
١٦٠٧ - قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عُقِرَ فَرَسُهُ فِي الْقِتَالِ أَوْ قُتِلَ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.
وَإِنْ كَانَتْ إصَابَةُ الْغَنَائِمِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَالِ مَا كَانَ هُوَ رَاجِلًا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ الْعَدُوُّ فَرَسَهُ وَأَحْرَزُوهُ.
إذْ لَوْ قُلْنَا: يَحْرُمُ سَهْمُ الْفَرَسِ بِهَذَا، امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْخَيْلِ مَخَافَةَ أَنْ تَبْطُلَ سِهَامُهُمْ بِهَا.
وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ مَا فِيهِ زِيَادَةُ تَحْرِيضٍ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْتِزَامِ مُؤْنَةُ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ لَا بِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ فَارِسًا. أَلَا تَرَى أَنَّ قِتَالَهُمْ لَوْ كَانَ فِي الْمَغَائِضِ أَوْ عَلَى أَبْوَابِ الْحُصُونِ أَوْ فِي السُّفُنِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ فَارِسًا مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ؟ وَقَدْ
[ ٨٩٨ ]
«أَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ لِلْفُرْسَانِ، وَكَانَتْ حُصُونًا افْتَتَحُوهَا بِالْقِتَالِ رَجَّالَةً» فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْتِزَامُ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا الْقِتَالُ عَلَيْهِ.
- وَلَوْ ضَنَّ بِفَرَسِهِ فَرَبَطَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ عَلَى آرِيٍّ فَقَاتَلَ رَاجِلًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. فَإِذَا أُصِيبَ فَرَسُهُ فِي الْقِتَالِ لَأَنْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ كَانَ أَوْلَى.
- وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا ثُمَّ اشْتَرَى فَرَسًا فَقَاتَلَ فَارِسًا لَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ الرَّجَّالَةِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ - ﵀ - يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.
لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُؤْنَةَ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ مُجَاوَزَةَ الدَّرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْقِتَالِ حُكْمًا. فَإِذَا كَانَ يَسْتَحِقُّ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ فَلَأَنْ يَسْتَحِقَّ بِحَقِيقَةِ الْقِتَالِ فَارِسًا كَانَ أَوْلَى. وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ انْعِقَادَ (ص ٢٩٥) سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ يَكُونُ مُجَاوَزَةَ الدَّرْبِ، وَقَدْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الرَّاجِلِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِمَامِ مُرَاعَاةُ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُزَاةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ. فَيَجِبُ اعْتِبَارُ حَالِ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ تَيْسِيرًا، لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ عَرَضَ الْجَيْشِ عِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ فِي حَالِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ. فَمَنْ أُثْبِتَ فَارِسًا فِي الدِّيوَانِ
[ ٨٩٩ ]
عِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ وَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ. وَمَنْ أُثْبِتَ فِي دِيوَانِ الرَّجَّالَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا سَهْمَ رَاجِلٍ وَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ.
- فَإِنْ دَخَلَ بِفَرَسٍ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، لِضَعْفِ كِبَرٍ، أَوْ مُهْرٍ لَمْ يُرْكَبْ، لَمْ يُضْرَبْ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ.
لِأَنَّ مَا دَخَلَ بِهِ لَيْسَ بِصَالِحٍ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ دَخَلَ رَاجِلًا، وَحَالُهُ دُونَ حَالِ مَنْ دَخَلَ بِبَغْلَةٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ.
- فَإِنْ كَانَ الْفَرَسُ مَرِيضًا لَا يُسْتَطَاعُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ بِهِ فَلَمْ يَغْنَمْ الْمُسْلِمُونَ غَنِيمَةً حَتَّى صَحَّ الْفَرَسُ، فَفِي الْقِيَاسِ لَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ.
لِأَنَّهُ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَرَسٌ صَالِحٌ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ صَحَّ، فَيُجْعَلُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، أَوْ دَخَلَ بِمُهْرٍ ثُمَّ طَالَ مَقَامُهُمْ حَتَّى صَارَ بِحَالٍ يُرْكَبُ. وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:
١٦١٢ - يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ أَصَابُوهَا قَبْلَ بُرْئِهِ أَوْ بَعْدَ بُرْئِهِ.
لِأَنَّ مَا دَخَلَ بِهَذَا الْفَرَسِ إلَّا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَمَا الْتَزَمَ مُؤْنَتَهُ إلَّا لِذَلِكَ. فَإِنَّهُ كَانَ صَالِحًا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ. فَإِذَا زَالَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. بِخِلَافِ الْمُهْرِ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ،
[ ٩٠٠ ]
وَإِنَّمَا صَارَ صَالِحًا لِذَلِكَ ابْتِدَاءً فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ اشْتَرَى فَرَسًا فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا الْفَرْقَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا، لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِخِدْمَةِ الزَّوْجِ، وَالْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا لَا تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ صَالِحَةً لِخِدْمَتِهِ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ. فَكَذَلِكَ الْفَرَسُ إذَا ضَلَعَ أَوْ مَرِضَ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ضَعْفُهُ لِكِبَرٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ.
- وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا فَقُتِلَ فَرَسُهُ وَأُخِذَ أَسِيرًا قَبْلَ أَنْ تُصَابَ الْغَنَائِمُ، ثُمَّ أَصَابَ الْجَيْشُ الْغَنَائِمَ فَلَمْ يُخْرِجُوهَا حَتَّى انْفَلَتَ فَلَحِقَ بِهِمْ، فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ.
لِأَنَّهُ انْعَقَدَ لَهُ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، وَشَارَكَهُمْ فِي إحْرَازِ الْغَنَائِمِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَيُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ. كَأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُمْ. لِأَنَّهُ اُبْتُلِيَ بِمُفَارَقَتِهِمْ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
- وَلَوْ كَانَ خَرَجَ ذَلِكَ الْجَيْشُ وَدَخَلَ جَيْشٌ آخَرُ فَانْفَلَتَ إلَيْهِمْ رَاجِلًا، ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِهِمْ. فَلَهُ فِي ذَلِكَ سَهْمُ رَاجِلٍ، وَلَا يُشْرِكُهُمْ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهِمْ.
[ ٩٠١ ]
لِأَنَّهُ مَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ السَّبَبُ الَّذِي انْعَقَدَ لَهُ بِخُرُوجِ ذَلِكَ الْجَيْشِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ مَعَهُمْ، فَبَطَلَ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ. ثُمَّ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ بِاللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ الثَّانِي سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ الْآنَ ابْتِدَاءً، فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ.
١٦١٥ - فَإِنْ لَحِقَ بِهِمْ رَاجِلًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الرَّجَّالَةِ، وَإِنْ لَحِقَ فَارِسًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْتَحَقَ بِالْجَيْشِ، أَوْ كَانَ تَاجِرًا مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْتَحَقَ بِالْجَيْشِ. وَلِهَذَا لَا شَرِكَةَ لَهُ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ مَا كَانَ مُنْعَقِدًا لَهُ حِينَ أُصِيبَ ذَلِكَ.
١٦١٦ - إلَّا أَنْ يُبْتَلَى الْمُسْلِمُونَ بِقِتَالٍ فَيُقَاتِلَ مَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، (ص ٢٦٩) فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الشَّرِكَةَ فِيهِمْ بِسَهْمِ رَاجِلٍ إنْ الْتَحَقَ بِهِمْ رَاجِلًا، وَبِسَهْمِ فَارِسٍ إنْ الْتَحَقَ بِهِمْ فَارِسًا عَلَى فَرَسٍ اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ وَهَبُوهُ لَهُ. لِأَنَّ ذَلِكَ الْفَرَسَ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ فَيَكُونُ بِهِ فَارِسًا.
١٦١٧ - وَإِنْ كَانَ أَخَذَ ذَلِكَ الْفَرَسَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَهُوَ رَاجِلٌ، وَذَلِكَ الْفَرَسُ يَكُونُ فَيْئًا.
لِأَنَّهُ أَحْرَزَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَيُشَارِكُهُ فِيهِ الْجَيْشُ، وَهُوَ لَا يَكُونُ فَارِسًا بِفَرَسٍ هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ.
[ ٩٠٢ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرَسِ؟
- وَلَوْ كَانَ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالْعَدُوِّ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَحِقَ بِالْعَسْكَرِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ، وَاَلَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
١٦١٩ - فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا إلَى الْعَسْكَرِ حَتَّى نَفَقَتْ خُيُولُهُمْ فَهُمْ رَجَّالَةٌ.
لِأَنَّ حَالَةَ اللُّحُوقِ بِالْعَسْكَرِ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ. إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَرُبُوا مِنْ الْعَسْكَرِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْعَسْكَرُ رِدْءًا لَهُمْ يُغِيثُونَهُمْ إنْ طَلَبُوا الْغِيَاثَ، ثُمَّ نَفَقَ الْفَرَسُ فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّونَ سَهْمَ الْفُرْسَانِ،.
لِأَنَّهُمْ وَصَلُوا إلَى الْعَسْكَرِ فُرْسَانًا، فَكَأَنَّهُمْ خَالَطُوهُمْ. ثُمَّ نَفَقَتْ أَفْرَاسُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
- وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَارِسًا عَلَى إثْرِ الْعَسْكَرِ فَنَفَقَ فَرَسُهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُمْ رَاجِلًا يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا عَلَى فَرَسٍ، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ لُحُوقِهِ بِالْجَيْشِ فِي اسْتِحْقَاقِ أَصْلِ الشَّرِكَةِ، عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَدَدَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَهَذَا مَدَدٌ حِينَ دَخَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
[ ٩٠٣ ]
- فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ نَهَى النَّاسَ أَنْ يَدْخُلُوا بَعْدَ الْعَسْكَرِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْآنَ إلَى حَالِهِ يَوْمَ لُحُوقِهِمْ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ لِصًّا مُغِيرًا، وَمَا دَخَلَ غَازِيًا حِينَ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ وَحْدَهُ شَيْئًا لَمْ يُخَمَّسْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَأَنَّ هَذَا لَا يُشَارِكُ الْجَيْشَ فِيمَا أَصَابُوهُ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ حَالُ هَذَا كَحَالِ الْأَسِيرِ، وَاَلَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُهُ وَقْتَ اللُّحُوقِ لِأَنَّهُ صَارَ غَازِيًا حِينَئِذٍ.
- وَلَوْ أَنَّ التُّجَّارَ فِي عَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَانُوا فُرْسَانًا فَقَاتَلُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى حَالِهِمْ حِينَ قَاتَلُوا.
لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ يَنْعَقِدُ لَهُمْ ابْتِدَاءً فِي هَذَا الْوَقْتِ. فَإِنَّهُمْ كَانُوا تُجَّارًا قَبْلَ هَذَا لَا غُزَاةً. فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَارِسًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَارِسًا اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَاجِلًا اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
١٦٢٣ - وَلَوْ أَسْلَمُوا ثُمَّ قَاتَلُوا مَعَهُمْ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُمْ فِي صِفَةِ اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ حِينَ قَاتَلُوا مَعَهُمْ. لِأَنَّ حَالَهُمْ كَحَالِ الْأُسَرَاءِ وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ حَيْثُ إنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ يَنْعَقِدُ لَهُمْ الْآنَ.
١٦٢٤ - وَلَوْ لَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ وَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَجَعَلُوا يُقَاتِلُونَ
[ ٩٠٤ ]
مَعَهُمْ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَارِسًا حِينَ لَحِقُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَاجِلًا فَلَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَعَ الْجَيْشِ لِلْقِتَالِ فُرْسَانًا أَوْ رَجَّالَةً، ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنَائِمِ أَوْ بَعْدَهَا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَاجِلًا حِينَ دَخَلَ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الرَّجَّالَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَارِسًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. وَقَدْ طَعَنُوا فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ وَقَالُوا: قَبْلَ الْإِسْلَامِ مَا انْعَقَدَ لَهُمْ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِذَلِكَ. وَانْعِقَادُ السَّبَبِ بِدُونِ أَهْلِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّ لَا يَكُونُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُهُمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا حَالُ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ وَحَالُ اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ (ص ٢٩٧) إذَا كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ. لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَسْتَحِقُّوا شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَسْتَحِقُّونَ الرَّضْخَ، وَذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِيهِ يَتَبَيَّنُ انْعِقَادُ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ عِنْدَ اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ. ثُمَّ إذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ تَمَامِ الِاسْتِحْقَاقِ بِإِحْرَازِ الْغَنَائِمِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ فِي صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، لِأَنَّ الصِّفَةَ تَتْبَعُ الْأَصْلَ فَيُبْتَنَى عَلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلُوا مَدَدًا لِلْجَيْشِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَلْحَقُوا الْجَيْشَ أَوْ بَعْدَ مَا لَحِقُوهُمْ، قَبْلَ الْإِحْرَازِ.
- وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مَعَ مَوْلَاهُ فَارِسًا يُرِيدُ الْقِتَالَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ، وَوَهَبَ لَهُ ذَلِكَ
[ ٩٠٥ ]
الْفَرَسَ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَرْضَخُ لِمَوْلَاهُ، مِمَّا غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ الْعَبْدُ، وَلَا يَبْلُغُ بِذَلِكَ الرَّضْخِ سَهْمَ فَارِسٍ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُزَادَ عَلَى سَهْمِ الرَّاجِلِ. لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي حُكْمِ الرَّضْخِ كَالذِّمِّيِّ، وَلَا يَبْلُغُ بِرَضْخِ الذِّمِّيِّ إذَا كَانَ فَارِسًا سَهْمَ فَارِسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مُقَاتِلٌ إلَّا وَفِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ. فَكَذَلِكَ حَالُ الْعَبْدِ. إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ الرَّضْخُ، لَا يَتَغَيَّرُ بِعِتْقِهِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَحَقُّ لِلذِّمِّيِّ يَتَغَيَّرُ حِينَ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. لِأَنَّ بِإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ لَا يَتَبَدَّلُ الْمُسْتَحَقُّ، فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلسَّهْمِ وَالرَّضْخِ جَمِيعًا، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ إسْلَامُهُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ. وَبِعِتْقِ الْعَبْدِ يَتَبَدَّلُ الْمُسْتَحَقُّ، لِأَنَّ الرَّضْخَ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ مُسْتَحِقًّا بِالْعَبْدِ، كَمَا يَكُونُ السَّهْمُ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِالْفَرَسِ. وَبَعْدَ الْعِتْقِ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْعَبْدِ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْعِتْقُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ اسْتِحْقَاقَ الْمَوْلَى أَصْلًا. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا يَبْقَى حُكْمُ الرَّضْخِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ عِتْقِهِ، وَفِيمَا يُصَابُ بَعْدَ الْعِتْقِ يَكُونُ لِلْعَبْدِ سَهْمُ الْفُرْسَانِ، لِأَنَّهُ كَانَ فَارِسًا عِنْدَ انْعِقَادِ أَصْلِ السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَ الْفَرَسُ لِغَيْرِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ دَخَلَ فَارِسًا عَلَى فَرَسٍ عَارِيَّةٍ، أَوْ هُوَ بَعْدَ الْعِتْقِ حِينَ وَهَبَ لَهُ الْمَوْلَى الْفَرَسَ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ الْتَحَقَ بِالْعَسْكَرِ فَارِسًا مِنْ أَسِيرٍ أَوْ تَاجِرٍ فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.
- قَالَ: وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ وَالْمُكَاتَبُ يَدْخُلَانِ فَارِسَيْنِ. ثُمَّ يُصِيبُ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ، ثُمَّ يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ وَيُسْلِمُ الذِّمِّيُّ، ثُمَّ يُصِيبُونَ غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُرْضَخُ لَهُمَا فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى رَضْخَ فَارِسَيْنِ، وَيُعْطَيَانِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ سَهْمَيْ فَارِسَيْنِ.
[ ٩٠٦ ]
وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الذِّمِّيِّ. فَقَدْ أَجَابَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ لَهُ السَّهْمَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِذَلِكَ. وَهُوَ تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ. وَإِنَّمَا يَقَعُ مِثْلُ هَذَا الْغَلَطِ مِنْ الْكَاتِبِ. وَالصَّحِيحُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى فَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْجَوَابُ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ. لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِكَسْبِهِ دُونَ مَوْلَاهُ، فَبِعِتْقِهِ لَا يَتَبَدَّلُ الْمُسْتَحَقُّ بَلْ يَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ الذِّمِّيِّ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا فِي الْبَابِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ. لِأَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ حَقُّ الْمِلْكِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْقَلِبُ حَقِيقَةُ مِلْكِ الْمَوْلَى بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ فَيَثْبُتُ مَعْنَى تَبَدُّلِ الْمُسْتَحَقِّ بِعِتْقِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؟ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ الرَّضْخُ فِيمَا كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ. وَأَمَّا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ (ص ٢٩٨)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفَرَسُ مِلْكًا لَهُ حَقِيقَةً حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، لِأَنَّ لَهُ مِلْكَ الْيَدِ فِي مَكَاسِبِهِ، فَلَا يَكُونُ فَرَسُهُ دُونَ الْفَرَسِ الْمُسْتَعَارِ.
- وَلَوْ جُعِلَ رَاجِلًا بَعْدَ الْعِتْقِ أَدَّى إلَى أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ دُونَ اسْتِحْقَاقِهِ قَبْلَهُ. لِأَنَّ رَضْخَ الْفَارِسِ قَدْ يَزْدَادُ عَلَى سَهْمِ الرَّاجِلِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِتْقَ يَزِيدُهُ خَيْرًا لَا شَرًّا. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَارِسِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
- وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ لِلْخِدْمَةِ مَعَ مَوْلَاهُ فَقَاتَلَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ أَهْلًا لَهُ عِنْدَ إذْنِ الْمَوْلَى، فَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ إنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ، وَإِلَّا فَلَا.
[ ٩٠٧ ]
١٦٢٩ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُرْضَخُ لَهُ.
لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ الِاكْتِسَابِ، وَعَمَّا يَتَمَحَّصُ مَنْفَعَتُهُ، وَاسْتِحْقَاقُ الرَّضْخِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَيَكُونُ هُوَ كَالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى دَلَالَةً. وَهُوَ نَظِيرُ الْقِيَاسِ، وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ:
- الْمُكَاتَبَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْزُوَ إلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ كَالْقِنِّ.
لِأَنَّهُ فِي الْغَزْوِ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْخَطَرِ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَاطِرَ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالْعَبْدِ، بِخِلَافِ الْخُرُوجِ لِلتِّجَارَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاكْتِسَابِ، فَيَلْتَحِقُ هُوَ بِالْحُرِّ. وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ فِي الْكِتَابَةِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ شَرْطَهُ لَغْوٌ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ.
- فَإِنْ قَاتَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَأَبْلَى بَلَاءً فَإِنَّهُ يُرْضَخُ لَهُ عَلَى قَدْرِ بَلَائِهِ، إنْ كَانَ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا.
لِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا كَانَ اكْتِسَابًا لِلْمَالِ، وَعِنْدَ الْكِتَابَةِ يُطْلَقُ ذَلِكَ لَهُ. فَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ إذَا قَاتَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ.
- وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مَعَ مَوْلَاهُ فَأَعْتَقَهُ وَوَهَبَ لَهُ فَرَسًا، ثُمَّ لَحِقَ بِالْجُنْدِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُ حِينَ لَحِقَ بِهِمْ. فَإِنْ كَانَ فَارِسًا فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا فَلَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ فِيمَا يُصِيبُونَ بَعْدَ مَا يَلْحَقُ بِهِمْ، وَلَا شَرِكَةَ لَهُ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ.
[ ٩٠٨ ]
لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ مَا انْعَقَدَ لَهُ حِينَ دَخَلَ لَا عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ لَهُ السَّبَبُ حِينَ يَلْتَحِقُ بِالْجَيْشِ، فَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ التَّاجِرِ وَاَلَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
- وَلَوْ كَانَ مُكَاتَبًا حِينَ دَخَلَ فَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى، أَوْ أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى حَالِهِ حِينَ دَخَلَ. فَإِنْ كَانَ فَارِسًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ عِتْقِهِ وَبَعْدَهُ.
لِأَنَّ دُخُولَهُ كَانَ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى فِي الْغَزْوِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ. إذْ لَا خِدْمَةَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ. وَقَصْدُهُ إلَى الْقِتَالِ يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّهِ، فَانْعَقَدَ لَهُ السَّبَبُ بِالدُّخُولِ. وَقَدْ كَمُلَ حَالُهُ قَبْلَ تَمَامِ الْإِحْرَازِ، فَيَلْتَحِقُ بِمَا لَوْ كَانَ كَامِلَ الْحَالِ عِنْدَ الدُّخُولِ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَابِ قَبْلَ هَذَا فِي الْمُكَاتَبِ غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ.
١٦٣٤ - فَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ أَوْ بِيعَتْ، فَلَيْسَ لَهُ فِي تِلْكَ الْغَنَائِمِ إلَّا الرَّضْخُ.
لِأَنَّ الْحَقَّ تَأَكَّدَ فِيهَا قَبْلَ كَمَالِ حَالِهِ. فَإِنَّ الْقِسْمَةَ وَالْبَيْعَ فِي تَأَكُّدِ الْحَقِّ فِي الْغَنِيمَةِ كَالْإِحْرَازِ. وَلِهَذَا يَنْقَطِعُ بِهَا شَرِكَةُ الْمَدَدِ. فَيَكُونُ هَذَا وَمَا لَوْ عَتَقَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ. وَالرَّضْخُ الْوَاجِبُ يَكُونُ لَهُ لِأَنَّهُ كَسْبُ الْمُكَاتَبِ، فَيُسَلَّمُ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ.
- وَإِنْ خَاصَمَهُ مَوْلَاهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي الْمُكَاتَبَةِ (ص ٢٩٩) يَفْسَخُ الْقَاضِي الْكِتَابَةَ.
لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِبَعْضِ النُّجُومِ.
[ ٩٠٩ ]
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إنْ كَانَ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ. لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمَّا انْفَسَخَتْ صَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، وَكَأَنَّ كَحَالِ الْعَبْدِ الدَّاخِلِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ فِي الْقِيَاسِ لَا يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَسْتَحِقُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ فَهَذَا مِثْلُهُ.
- وَلَوْ مَاتَ عَاجِزًا أَوْ عَنْ وَفَاءٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ أَوْ الْإِخْرَاجِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِمَوْلَاهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنْ أُدِّيَتْ كِتَابَتُهُ.
لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرَّضْخِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ، وَمَوْتُ الْغَازِي قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ يُبْطِلُ سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَمَوْتُ الْمُكَاتَبِ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ وَالْإِخْرَاجِ فَلَهُ نَصِيبُهُ مِنْهَا. كَمَا لَوْ مَاتَ الْحُرُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا مَاتَ عَاجِزًا كَانَ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْمُكَاتَبَةِ، فَيَقْبِضُهُ الْمَوْلَى مِنْ مُكَاتَبِهِ وَيَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ فَذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: عِتْقُهُ يَسْتَنِدُ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَتَقَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ فِي حَيَاتِهِ. قُلْنَا: عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَيْنِ لَا يَسْتَنِدُ عِتْقُهُ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ هُوَ حَيًّا حُكْمًا إلَى وَقْتِ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ. وَعَلَى الطَّرِيقِ الْأُخْرَى هَذَا الْإِسْنَادُ لِأَجْلِ
[ ٩١٠ ]
الضَّرُورَةِ. فَلَا يَظْهَرُ فِيمَا وَرَاءَ مَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ الضَّرُورَةُ وَهُوَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ. فَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ السَّهْمِ فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ.
- وَلَوْ كَانَ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ فَمَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ فَلَا شَيْءَ لِمَوْلَاهُ مِنْ ذَلِكَ، اعْتِبَارًا بِمَوْتِ مَنْ لَهُ سَهْمٌ.
فَإِنْ قِيلَ: اسْتِحْقَاقُ الرَّضْخِ هَاهُنَا لِلْمَوْلَى بِسَبَبِ عَبْدِهِ كَاسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ لِلْفَارِسِ بِفَرَسِهِ. ثُمَّ بِمَوْتِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُبْطِلُ سَهْمَ الْفَارِسِ فَكَذَلِكَ بِمَوْتِ الْعَبْدِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْطِلَ حَقَّ الْمَوْلَى فِي الرَّضْخِ. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لِلْعَبْدِ هَاهُنَا، ثُمَّ يَخْلُفُهُ الْمَوْلَى فِي مِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ كَمَا يَخْلُفُهُ فِي سَائِرِ أَكْسَابِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ آدَمِيٌّ مُخَاطَبٌ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَنْعَقِدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى أَنْ يَخْلُفَهُ مَوْلَاهُ فِي مِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ قَبْلَ الْقِتَالِ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَوْلَاهُ الرَّضْخَ؟ بِخِلَافِ الْفَرَسِ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ فَرَضْخُهُ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ. لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ قَدْ تَأَكَّدَ، فَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَلَكِنْ يَخْلُفُهُ مَوْلَاهُ فِيهِ كَمَا يَخْلُفُ الْوَارِثُ الْمُوَرِّثَ.
١٦٣٨ - وَإِنْ بَاعَهُ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ رَضْخُهُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ تَحَوَّلَ الْمِلْكُ فِيهِ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ فَيَكُونُ رَضْخُهُ لِمَوْلَاهُ الْأَوَّلِ. أَمَّا إذَا بَاعَهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ انْعَقَدَ لَهُ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى الْأَوَّلِ. وَيَثْبُتُ أَصْلُ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْإِصَابَةِ، فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْمَوْلَى فِيهِ بِبَيْعِهِ كَمَا فِي سَائِرِ أَكْسَابِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَأْذُونَ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ بَاعَهُ مَوْلَاهُ فَإِنَّ الْمُشْتَرَى يَكُونُ لِلْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي.
[ ٩١١ ]
١٦٣٩ - فَإِنْ غَنِمُوا غَنِيمَةً أُخْرَى بَعْدَ مَا بَاعَهُ مَوْلَاهُ فَنَصِيبُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ الثَّانِيَةِ لِلْمُشْتَرِي.
لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ عِنْدَ الْإِصَابَةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ هُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَيَخْلُفُهُ الْمُشْتَرِي فِي الْمِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ.
- وَلَوْ كَانَ حُرًّا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ عَاقِلًا ثُمَّ صَارَ مَعْتُوهًا قَبْلَ الْإِحْرَازِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ نَصِيبَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهَا أُحْرِزَتْ (ص ٣٠٠) وَهُوَ حَيٌّ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا. بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ.
- وَلَوْ لَمْ يَصِرْ مَعْتُوهًا وَلَكِنَّهُ ارْتَدَّ وَخَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ حَتَّى قُتِلَ فَإِنَّ نَصِيبَهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، يُرْضَخُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ رَضْخًا كَمَا يُصْنَعُ بِالذِّمِّيِّ. لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ. وَإِنَّمَا أُحْرِزَتْ الْغَنَائِمُ وَهُوَ أَهْلٌ لِاسْتِحْقَاقِ الرَّضْخِ دُونَ السَّهْمِ، لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا. قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا أَسْلَمَ، أَوْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنَائِمِ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُمَا بِسَهْمٍ كَامِلٍ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى حَالِهِمَا يَوْمَ تُحْرَزُ الْغَنَائِمِ بِالدَّارِ أَوْ تُقْسَمُ أَوْ تُبَاعُ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ جَوَابَهُ الْأَوَّلَ فِي الذِّمِّيِّ وَالْمُكَاتَبِ جَمِيعًا غَلَطٌ كَمَا بَيَّنَّا.
[ ٩١٢ ]
- وَلَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ ثُمَّ رَجَعَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِحَرْبِيِّ الْأَصْلِ، وَالْحَرْبِيُّ إذَا أَسْلَمَ وَلَحِقَ بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ أَوْ قَبْلَهُ وَلَكِنْ لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِكَةٌ فِي الْمُصَابِ، فَالْمُرْتَدُّ مِثْلُهُ. وَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الشَّرِكَةَ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ صَارَ بِحَالٍ لَوْ أُصِيبَ مَالُهُ كَانَ فَيْئًا، وَلَوْ أَخَذَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا فَأَحْرَزَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ صَارَ كَحَرْبِيِّ الْأَصْلِ.
- وَلَوْ لَمْ يَلْتَحِقْ بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ الرِّدَّةِ حَتَّى أُحْرِزَتْ الْغَنَائِمُ أَوْ قُسِمَتْ أَوْ بِيعَتْ فَنَصِيبُهُ مِنْهَا مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ.
لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَأَكَّدَ فِيهَا، فَهُوَ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ. وَلَحَاقُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا كَمَوْتِهِ.
- وَلَوْ لَمْ يَرْتَدَّ وَلَكِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسَرُوهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَلَمْ يَقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْزِلُوا نَصِيبَهُ فِيمَا غَنِمُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ.
لِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ فِيهِ، وَبِالْأَسْرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِتَقَرُّرِ حَقِّهِ بِالْإِحْرَازِ. وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا غَنِمُوا بَعْدَ مَا أُسِرَ.
لِأَنَّ الْمَأْسُورَ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَكُونُ مَعَ الْجَيْشِ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا. فَهُوَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي إصَابَةِ هَذَا وَلَا فِي إحْرَازِهِ بِالدَّارِ.
[ ٩١٣ ]
- فَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَا فَعَلُوا بِهِ حِينَ أُسِرَ قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ وَلَمْ يُوقَفْ لَهُ مِنْهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. لِأَنَّ تَمَامَ الِاسْتِحْقَاقِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِخْرَاجِ. وَالْمَفْقُودُ كَالْمَيِّتِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ ابْتِدَاءً، حَتَّى إذَا مَاتَ قَرِيبٌ لَهُ لَمْ يَرِثْهُ، وَلَمْ يُوقَفْ لِأَجْلِهِ شَيْءٌ. فَهَذَا مِثْلُهُ.
- وَإِنْ قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ حَيًّا مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
لِأَنَّ حَقَّ الَّذِينَ قُسِمَ بَيْنَهُمْ قَدْ تَأَكَّدَ بِالْقِسْمَةِ وَثَبَتَ مِلْكُهُمْ فِيهَا. وَمِنْ ضَرُورَتِهِ إبْطَالُ الْحَقِّ الضَّعِيفِ.
- وَإِنْ بِيعَتْ الْغَنَائِمُ أَوْ أُخْرِجَتْ وَتَخَلَّفَ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِحَاجَةِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فَأُسِرَ، فَإِنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُهُ حَتَّى يَجِيءَ فَيَأْخُذَهُ، أَوْ يَظْهَرُ مَوْتُهُ فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.
لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَأَكَّدَ فِي الْمُصَابِ بِالْإِحْرَازِ فِي الْبَيْعِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ
[ ٩١٤ ]