٢٦٠ - وَإِذَا جَعَلَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ عَلَى السَّاقَةِ رَجُلًا يَلْحَقُ مَنْ تَخَلَّفَ بِالْمُعَسْكَرِ فَهُوَ حَسَنٌ فِي دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ وَالِانْصِرَافِ مِنْهَا. لِأَنَّ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَاَلَّذِي يَغْلِبُهُ النَّوْمُ أَوْ يَعِي رُبَّمَا يَجْلِسُ أَوْ يَنَامُ لِلِاسْتِرَاحَةِ فِي مَوْضِعِ الْخَوْفِ ثُمَّ لَا يَلْتَحِقُ بِالْجَيْشِ فَيَضِيعُ.
- وَإِذَا كَانَ عَلَى السَّاقَةِ مَنْ يُكَلِّفُهُ اللُّحُوقَ بِالْعَسْكَرِ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الضَّيَاعُ. وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ.
- فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبُ السَّاقَةِ رَجُلًا قَامَتْ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتْرُكَ الدَّابَّةَ وَيَلْتَحِقَ بِالْعَسْكَرِ كَيْ لَا يَهْلِكَ، فَأَخَذَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ دَابَّتَهُ فَهَلَكَتْ، لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا.
لِأَنَّهُ مَا تَعَرَّضَ لِلدَّابَّةِ بِشَيْءٍ، إنَّمَا أَحْسَنَ إلَى صَاحِبِهَا حِينَ أَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ
[ ٢١٤ ]
وَلَوْ أَسَاءَ إلَى صَاحِبِهَا بِأَنْ حَبَسَ صَاحِبَ الْمَوَاشِي حَتَّى ضَاعَتْ مَوَاشِيه لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا. فَإِذَا أَحْسَنَ إلَيْهِ كَانَ أَوْلَى. وَلِأَنَّ الرَّجُلَ ابْتَلَى بِبَلِيَّتَيْنِ: إمَّا يُضَيِّعُ دَابَّتَهُ أَوْ يُضَيِّعُ نَفْسَهُ (٥٨ آ) إنْ وَقَفَ مَعَهَا. وَمَنْ دُفِعَ إلَى شَرَّيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا. وَذَلِكَ تَرْكُ الدَّابَّةِ. فَصَاحِبُ السَّاقَةِ أَمْرٌ يَحِقُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ شَرْعًا فَيَكُونُ مُحْسِنًا، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.
- وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الدَّابَّةَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا فَنَحَّاهَا عَنْهُ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ أَخْذِهَا، فَهَلَكَتْ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ قِيمَتَهَا. لِأَنَّهُ فَوَّتَ لَهُ يَدَهُ بِصُنْعٍ أَحْدَثَهُ فِي الدَّابَّةِ، وَذَلِكَ غَصْبٌ مِنْهُ. تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِزَالَةِ يَدِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ عَنْ الدَّابَّةِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِلْحَاقِهِ بِالْعَسْكَرِ. وَهُوَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى التَّعَرُّضِ لِدَابَّتِهِ، فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ قِيمَتَهَا إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ كَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ ذَبَحَهَا صَاحِبُ السَّاقَةِ أَوْ ضَرَبَهَا فَقَتَلَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ. وَهَذَا أَظْهَرُ.
- فَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَفَكَّ صَاحِبُ السَّاقَةِ يَدَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ الدَّابَّةَ فِي مَوْضِعِهَا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا.
لِأَنَّ صُنْعَهُ حَلَّ بِيَدِ صَاحِبِهَا لَا بِالدَّابَّةِ. وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ لَا يَجِبُ إلَّا بِاعْتِبَارِ صُنْعٍ فِي الْمَغْصُوبِ يُفَوِّتُ يَدَ الْمَالِكِ بِتَحْوِيلِهِ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَدُ الْمَالِكِ عَلَيْهِ ثَابِتًا فِيهِ. فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ لِجَامَ الدَّابَّةِ وَنَحَّاهَا كَانَ ضَامِنًا، وَإِذَا فَكَّ يَدَ صَاحِبِهَا عَنْ اللِّجَامِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، وَتَلَفُ الدَّابَّةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ
[ ٢١٥ ]
حَاصِلٌ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - ﵀ - يُسَلِّمُ هَذَا الْأَصْلَ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ: يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ ثَمَرَاتِ الْمِلْكِ عَلَى الْمَالِكِ، كَمَا تُشْتَرَطُ الْإِشَارَةُ فِي الدَّعْوَى، وَالشَّهَادَةِ إلَى الْعَيْنِ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، ثُمَّ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ يُقَامُ ذِكْرُ الْحُدُودِ مَقَامُهُ لِلتَّيْسِيرِ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ رَاكِبًا فَأَنْزَلَهُ كُرْهًا وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ لَمْ يَضْمَنْ دَابَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ فِيهَا شَيْئًا، إنَّمَا صَنَعَهُ فِي صَاحِبِهَا.
- وَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ السَّاقَةِ الرَّجُلَ فَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ دَابَّتَهُ فَمَرَّ بِهَا سَرِيَّةٌ كَانُوا عَلَى إثْرِهِمْ فَعَلَفُوهَا وَقَامُوا عَلَيْهَا حَتَّى أَلْحَقُوهَا بِالْعَسْكَرِ، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَيَكُونُ أَحَقُّ بِهِ. وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقُوا، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا. وَحُكِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ - ﵁ - كَانَ لَهُ رُمْحٌ طَوِيلٌ. وَكَانَ إذَا شَقَّ عَلَيْهِ حَمْلُهُ أَلْقَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَمُرُّ بِهِ بَعْضُ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ يَكُونُ فِي آخِرِ الْعَسْكَرِ فَيَأْخُذُهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ قِصَّتَهُ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْمَنْزِلَ، فَيَجِيءُ الزُّبَيْرُ وَيَقُولُ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا فِيمَا حَمَلْت مِنْ رُمْحِي. فَيَأْخُذُهُ. فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
- فَإِنْ كَانُوا حِينَ أَتَوْا بِهَا الْعَسْكَرَ أَخْبَرُوا الْأَمِيرَ خَبَرَهَا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا حَتَّى يَجِدُوا صَاحِبَهَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهَا، أَخَذَهَا وَأَعْطَاهُمْ مَا أَنْفَقُوا بَعْدَ أَمْرِ الْأَمِيرِ (٥٨ ب) . وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا مِمَّا أَنْفَقُوا قَبْلَ ذَلِكَ.
[ ٢١٦ ]
لِأَنَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ نَظَرًا لِصَاحِبِهَا بِإِحْيَاءِ مِلْكِهِ وَإِمْسَاكِهِ عَلَيْهِ، وَالدَّابَّةُ لَا تَبْقَى بِدُونِ النَّفَقَةِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَرْضَى بِالتَّبَرُّعِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ. وَلِلْأَمِيرِ وِلَايَةُ النَّظَرِ لِكُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ مِنْ الْجُنْدِ، فَكَانَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ كَأَمْرِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ حِينَ صَدَرَ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
- فَإِنْ قَالُوا: أَنْفَقْنَا عَلَيْهَا بَعْدَ الْأَمْرِ كَذَا، وَذَلِكَ نَفَقَةُ مِثْلِهَا، وَقَالَ صَاحِبُهَا: لَمْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبُهَا.
لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا لِأَنْفُسِهِمْ وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ مَا يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ، لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَهُوَ إنْفَاقُهُمْ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الثَّبَاتِ.
- فَإِنْ أَقَامُوا شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَلَى مَا ادَّعَوْا، أَوْ كَانَ إنْفَاقُهُمْ بِعِلْمِ الْأَمِيرِ رَجَعُوا عَلَى صَاحِبِهَا. وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ لِثُبُوتِ مَا ادَّعَوْا بِحُجَّةٍ حُكْمِيَّةٍ: وَذَلِكَ عِلْمُ الْأَمِيرِ أَوْ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ.
- فَإِنْ كَانُوا - حِينَ رَفَعُوهَا إلَى الْأَمِيرِ وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا - لَا يَدْرُونَ لِمَنْ هِيَ. إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَبِيعَهَا فَبَاعَهَا جَازَ. لِأَنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ مِنْهُ لِصَاحِبِهَا. فَالْإِنْفَاقُ رُبَّمَا يَأْتِي عَلَى مَالِيَّتِهَا، وَحِفْظُ ثَمَنِهَا أَيْسَرُ مِنْ حِفْظِ عَيْنِهَا. وَلِلْأَمِيرِ وِلَايَةُ النَّظَرِ عَلَى جُنْدِهِ.
[ ٢١٧ ]
وَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا إذَا حَضَرَ أَنْ يُبْطِلَ الْبَيْعَ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي ثَمَنِهَا.
٢٧١ - فَإِنْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ زَمَانًا ثُمَّ بَاعَهَا، فَقَالُوا: أَعْطِنَا مِنْ الثَّمَنِ مَا أَنْفَقْنَا، وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَوْا مِنْ النَّفَقَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ صَاحِبُهَا أَوْ بَعْدَ مَا حَضَرَ أَعْطَاهُمْ مَا أَنْفَقُوا بَعْدَ أَمْرِهِ.
لِأَنَّهُمْ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهَا بِإِحْيَائِهِمْ مَالِيَّةَ هَذِهِ الدَّابَّةِ، وَلِهَذَا لَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوهَا حَتَّى يَأْخُذُوا مَا أَنْفَقُوا، بِمَنْزِلَةِ رَادِّ الْآبِقِ يَحْبِسُهُ بِالْجُعَلِ. وَالثَّمَنُ بَدَلُ تِلْكَ الْمَالِيَّةِ، فَيُعْطِيهِمْ الْأَمِيرُ مِقْدَارَ حَقِّهِمْ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْهُمْ قَبْلَ حُضُورِ صَاحِبِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمِيرَ خَصْمٌ فِيهِ عَنْ صَاحِبِهَا، كَمَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ مِنْهُمْ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لِلْأَمِيرِ: وَجَدْنَا هَذِهِ الدَّابَّةَ وَلَا نَعْرِفُ صَاحِبَهَا، أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَأْتُوهُ بِشُهُودٍ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقْبَلُ بَيِّنَتَهُمْ لِيَأْمُرَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ.
- فَإِنْ لَمْ يَأْتُوهُ بِشُهُودٍ وَرَأَى الْأَمِيرُ النَّظَرَ فِي أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقُولَ: أَمَرْتهمْ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا، عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا رَجَعُوا عَلَى صَاحِبِهَا، وَإِلَّا فَلَسْت آمُرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَيُشْهِدُ عَلَى هَذَا، أَوْ يَقُولُ: أَمَرْتهمْ بِبَيْعِهَا وَإِنْفَاقِ ثَمَنِهَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوا. وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى غَيْرِ مَا زَعَمُوا فَلَسْت آمُرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْإِشْهَادَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَتَمَحَّصُ نَظَرًا لِصَاحِبِهَا بِأَنَّهُمْ إنْ
[ ٢١٨ ]
كَانُوا صَادِقِينَ يَحْيَا مِلْكُهُ بِهَذَا، وَإِنْ كَانُوا غَاصِبِينَ لَا يَسْتَفِيدُونَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا لَزِمَهُمْ مِنْ الضَّمَانِ بِهَذَا. وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ (٥٩ آ) بِاعْتِبَارِ هَذَا الْأَمْرِ إذَا كَانَ مَنْ فِي يَدِهِ غَاصِبًا.
- فَإِنْ حَضَرَ صَاحِبُهَا وَقَدْ هَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِ مَنْ بَاعَهَا بَعْدَ أَمْرِ الْأَمِيرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ أَقَرَّ بِمَا أَخْبَرَ الْمُخْبِرُ بِهِ الْأَمِيرَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ضَمَانِهِ وَضَمَانِ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْبَيْعَ كَانَ بِإِذْنٍ صَحِيحٍ.
- وَإِنْ جَحَدَ صَاحِبُهَا ذَلِكَ فَالْبَائِعُ ضَامِنٌ لَقِيمَتِهَا حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِي، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِي، فَالثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمِ.
٢٧٥ - فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبُهَا الدَّابَّةَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ.
- فَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا قَالَهُ الْوَاجِدُ وَعَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ الْأَمِيرُ سَلَّمَ لَهُ مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ سَبَبَ مِلْكٍ صَحِيحٍ لِنَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ.
- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَخَذَ الدَّابَّةَ صَاحِبُهَا وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ. لِاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ مِنْ يَدِهِ.
[ ٢١٩ ]
- فَإِنْ أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى، مِنْ أَنَّهُ وَجَدَهَا ضَائِعَةً وَأَنَّ الْأَمِيرَ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا بَرِيءَ هُوَ مِنْ الثَّمَنِ.
بِمَحْضَرٍ مِنْ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ. وَهَذَا التَّقْيِيدُ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَحَقَّ مِنْهُ الْمَبِيعَ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، فَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً عَلَى أَمْرٍ يَبْطُلُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْمُسْتَحِقِّ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُسْتَحِقِّ تُقْبَلُ، وَإِلَّا فَلَا، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي فَأَخَذَهَا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ. وَأَيُّ قَاضٍ رُفِعَ إلَيْهِ هَذِهِ الْحَادِثَةُ وَسُئِلَ إجَازَةَ الْبَيْعِ لَمْ يُجِزْهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ عَلَى جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا. لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِجَازَةِ إنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ إذَا ظَهَرَ جَمِيعُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِالْحُجَّةِ. وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.