- قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَأَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ فِيهَا مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَجَامَعَهُمَا عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ. وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ فَتَقِفُ طَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ شَطْرَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ تَذْهَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ شَطْرَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ تَذْهَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ شَطْرَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ يُسَلِّمُ الْإِمَامُ. وَتَذْهَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا أَوَّلَ الصَّلَاةِ، فَهُمْ فِي حُكْمِ الْمُقْتَدِينَ فِي جَمِيعِهَا. ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقْضُونَ مَا فَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ فِيهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ اخْتِلَافِ الْآثَارِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَمَا فِي نَوَادِرِ أَبِي سُلَيْمَانَ لِأَبِي يُوسُفَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِي دُبُرِ الْقِبْلَةِ فِي حُكْمِ صَلَاةِ الْخَوْفِ.
- وَذُكِرَ هَاهُنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - «أَنَّ الْإِمَامَ يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ سَجْدَةً» .
[ ٢٢٤ ]
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ رَكْعَةً. وَهَذِهِ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ. يَقُولُونَ: سَجَدَ فُلَانٌ سَجْدَةً: أَيْ صَلَّى رَكْعَةً.
- وَذُكِرَ فِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلُّوا رِجَالًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِ مُسْتَقْبِلِيهَا. وَإِنَّمَا أَرَادَ إذَا كَانُوا قِيَامًا لَا مُشَاةً، فَإِنَّ الْمَشْيَ عَمَلٌ لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ بِمَنْزِلَةِ السِّبَاحَةِ فِي الْبَحْرِ وَالْمُسَايَفَةِ فِي زَمَانِ الْقِتَالِ.
٢٨٤ - وَذُكِرَ عَنْ (٦٠ آ) مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا سَافَرَ فَنَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَقْعُدْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» .
وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ هَذَا الْحَدِيثَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ كَانَ يُعَيِّنُ مَكَانَ الصَّلَاةِ أَوَّلًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسَافِرٍ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَإِنَّ النُّزُولَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَذَلِكَ نَصِيبُ الْبَدَنِ، فَالْأُولَى أَنْ يُقَدِّمَ أَمْرَ الدِّينِ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ كَانَ يُصَلِّي وَيَسْعَى فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ»، وَبِهِ أَمَرَ أُمَّتَهُ فَقَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» . قِيلَ مَعْنَاهُ: لَا تُصَلُّوا فِيهِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: بِأَنْ تَنَامُوا فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَأَنْ تُعِينُوا أَهَالِيَكُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ. وَقَالَ - ﷺ -: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»، وَقُرَّةُ عَيْنِ أُمَّتِهِ فِيمَا فِيهِ قُرَّةُ عَيْنِهِ. فَالْبِدَايَةُ بِهِ عِنْدَ النُّزُولِ فِي الْمَنْزِلِ أَوْلَى.
[ ٢٢٥ ]
- قَالَ: وَإِذَا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِالْقَتْلِ صَبْرًا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْتَغْفِرُ بَعْدَهُمَا ذُنُوبَهُ. لِيَكُونَ آخِرَ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ وَالِاسْتِغْفَارُ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ خُتِمَ كِتَابُهُ بِالطَّاعَةِ غُفِرَ لَهُ مَا سَلَفَ» . وَقَالَ: «الْأُمُورُ بِخَوَاتِيمِهَا» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ أَوَّلُ كَلَامِهِ وَآخِرُ كَلَامِهِ قَوْلَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ» . فَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا أَنْ يُلَقَّنَ الصَّبِيُّ فِي أَوَّلِ مَا يَقْدِرُ عَلَى التَّكَلُّمِ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وَيُلَقَّنُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ أَيْضًا لِيَكُونَ أَوَّلُ كَلَامِهِ وَآخِرُ كَلَامِهِ هَذَا.
- ثُمَّ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ «خُبَيْبٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُسِرَ فَبِيعَ بِمَكَّةَ خَرَجُوا بِهِ إلَى الْحِلِّ لِيَقْتُلُوهُ. فَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. فَقَالُوا: صَلِّ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّونِي جَزِعْت مِنْ الْمَوْتِ لَزِدْت. وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْجَزَهُمَا وَقَالَ: لَوْلَا خَشْيَةَ أَنْ يَقُولُوا: جَزَعَ مِنْ الْمَوْتِ لَطَوَّلْت صَلَاتِي. ثُمَّ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يَرَ إلَّا شَامِتًا أَوْ شَاتِمًا أَوْ إنْسَانًا فِي يَدِهِ حَجَرٌ أَوْ عَصًا. فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَى إلَّا وَجْهَ عَدُوٍّ اللَّهُمَّ لَيْسَ هَاهُنَا أَحَدٌ يُبَلِّغُ رَسُولَك عَنِّي السَّلَامَ، فَأَقْرِئْ رَسُولَك وَأَصْحَابَهُ مِنِّي السَّلَامَ.
[ ٢٢٦ ]
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَدَّ ﵇ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَةِ. ثُمَّ قَالَ خُبَيْبٌ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَالْعَنْهُمْ بَدَّدَا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا. زَادَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ الْتَمَسَ مِنْهُمْ أَنْ يُكِبُّوهُ عَلَى وَجْهِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِيَقْتُلُوهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ. فَجَعَلَ يَقُولُ:
وَلَسْت أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
ثُمَّ صَلَبُوهُ بَعْدَ الْقَتْلِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ، فَتَحَوَّلَتْ خَشَبَتُهُ حَتَّى صَارَ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ. وَقَدْ اسْتَحْسَنَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَا صَنَعَهُ خُبَيْبٌ عِنْدَ الْقَتْلِ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَسَمَّاهُ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ وَقَالَ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» فَصَارَتْ سُنَّةٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ
- قَالَ: وَصَلَاةُ الْخَوْفِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا كَانُوا (٦٠ ب) مُوَاقِفِينَ لِلْعَدُوِّ. فَأَمَّا فِي حَالَةِ الْمُسَايَفَةِ وَالْمُطَاعَنَةِ وَالرَّمْي فَلَا تَسْتَقِيمُ الصَّلَاةُ لِأَنَّ هَذَا عَمَلٌ، وَلَا تَسْتَقِيمُ الصَّلَاةُ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَفْرُغُوا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ مَا يَفُوتُهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ يُمْكِنُهُمْ تَدَارُكُهُ بَعْدَ هَذَا، وَمَا يَفُوتُهُمْ بِالِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُمْكِنُهُمْ تَدَارُكُهُ.
[ ٢٢٧ ]
- وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى هَوِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِلَالًا فَأَمَرَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَصَلَّاهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ الْعِشَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]» .
٢٨٩ - وَفِي رِوَايَةِ «ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ الْأُولَى. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَبِأَيِّ ذَلِكَ أَخَذْت فَهُوَ حَسَنٌ» .
وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِشُغْلِ الْقِتَالِ، وَأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي الْفَوَائِتِ أَنْ تُقْضَى بِالْجَمَاعَةِ كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَإِنْ كَانُوا قِيَامًا عَلَى أَرْجُلِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا صَلَّوْا بِالْإِيمَاءِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، الْفَرْضُ يَتَأَدَّى بِالْإِيمَاءِ، وَعَجْزُهُمْ ظَاهِرٌ.
- وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ حَتَّى صَلَّى الْمَغْرِبَ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فَصَلَّاهَا» .
[ ٢٢٨ ]
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ يَوْمُ الْأَحْزَابِ هُوَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ أَيْضًا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَرَكَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذُكِرَ أَنَّهُ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا» يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ. فَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فِي يَوْمٍ عَلَى حِدَةٍ، لِأَنَّهُمْ بَقُوا فِي الْخَنْدَقِ سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا. وَكَانُوا مَشْغُولِينَ بِالْقِتَالِ فِي أَكْثَرِ تِلْكَ الْأَيَّامِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ٤٠
[ ٢٢٩ ]