- قَالَ: إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَدِينَتَانِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ هُمَا أَقْرَبُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ، فَكَتَبَ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ إلَى وَالِي الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ كَتَبَ إلَيَّ يَأْمُرُنِي بِالْغَزْوِ فَأَعْلِمْ مَنْ قِبَلَك ذَلِكَ لِيَقْدَمُوا عَلَيَّ فَإِنِّي شَاخِصٌ مِنْ مَدِينَتِي يَوْمَ كَذَا، فَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ عَلَى قَصْدِ الْغَزْوِ مَعَ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ وَلَا يَدْرُونَ أَيْنَ يُرِيدُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ وَبَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ كَمَا خَرَجُوا مِنْ مَدِينَتِهِمْ.
لِأَنَّهُمْ يَتَيَقَّنُونَ السَّفَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ مِنْ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ إلَى الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَمِنْهَا إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ، وَالْغُزَاةُ يَدْخُلُونَ دَارَ الْحَرْبِ لَا مَحَالَةَ فَلِهَذَا يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ.
- وَإِنْ كَانَتْ الْمَسِيرَةُ مِنْ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ دُونَ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ.
لِأَنَّهُمْ (٦٣ ب) لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يُرِيدُ الْوَالِي، فَلَعَلَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يُجَاوِزَ
[ ٢٤٠ ]
أَوَّلَ دَارِ الْحَرْبِ. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي الْعِبَادَةِ بِالِاحْتِيَاطِ. وَطَرِيقُ الْعِبَادَةِ الِاحْتِيَاطُ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ بِهِ دُونَ الْمُحْتَمَلِ، وَالْغُزَاةُ تَبَعٌ لِلْوَالِي فِي نِيَّةِ السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، لِأَنَّ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ مَعَ مَوْلَاهُ وَالزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا.
- وَإِنْ كَانَ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ أَيْنَ يُرِيدُ الْمَسِيرَ إلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ زَالَ الِاشْتِبَاهُ بِبَيَانِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَسِيرُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا مِنْ مَدِينَتِهِمْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ وَإِلَّا أَتَمُّوا.
- وَإِنْ قَدِمُوا عَلَى وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ أَيَّامًا فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ لَيْلَةً فِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ.
لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُسَافِرِينَ، فَمَا لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعِهَا أَوْ فِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ كَانُوا مُسَافِرِينَ عَلَى حَالِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ»، وَابْنُ عُمَرَ - ﵄ - أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَان سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟
- وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يُخْبِرُهُمْ الْأَمِيرُ أَنَّهُ يُرِيدُ سَفَرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، وَإِذَا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَمَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ مَدِينَتِهِمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا.
[ ٢٤١ ]
وَإِنْ خَرَجُوا إلَى الْعَسْكَرِ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَخْرُجَ الْأَمِيرُ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَا يَعْزِمُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى مَنْزِلِهِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ شَهْرًا. لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا حِينَ فَارَقَ عُمْرَانَ مِصْرِهِ عَلَى قَصْدِ السَّفَرِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ عَزْمِهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ. لِأَنَّ عَزْمَهُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ إذَا كَانَ هُوَ فِي فِنَائِهَا بِمَنْزِلَةِ مَقَامِهِ فِي جَوْفِهَا، فَيُتِمُّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ رَاجَعَا إلَى الْعَسْكَرِ. وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَغْزُوَ، فَإِذَا جَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا بِهَذَا الْخُرُوجِ. وَإِنْ عَزَمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ فِي الْمُعَسْكَرِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّهُمْ نَوَوْا الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعِهَا، فَإِنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ كَجَوْفِ الْمِصْرِ فِي صِحَّةِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهِ.
- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ قَصُرُوا الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ فَقَالَ الْوَالِي: إنَّ الْخَلِيفَةَ كَتَبَ إلَيَّ أَنْ تَغْزُوَا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ مَدِينَتِكُمْ إلَيَّ فَصَلَاتُهُمْ الَّتِي أَدَّوْهَا تَامَّةً لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ وَمَا لَمْ يَعْرِفُوا فَسْخَ الْوَالِي عَزِيمَةَ السَّفَرِ لَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَثْبُتُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ ثُمَّ عَلَيْهِمْ مِنْ حِينَ سَمِعُوا هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّهُمْ عَزَمُوا عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِمْ الْأَصْلِيِّ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ وَطَنِهِمْ (٦٤ آ) مَسِيرَةُ يَوْمٍ فَكَانُوا مُقِيمِينَ فِي الْحَالِ.
[ ٢٤٢ ]
- وَإِنْ سَمِعَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَعَلَى الَّذِينَ سَمِعُوا أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ، وَقَصَرَ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا، فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا.
لِأَنَّ مَا يَبْتَنِي عَلَى السَّمَاعِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ مَا لَمْ يَسْمَعْ بِهِ أَصْلُهُ خِطَابُ الشَّرْعِ، وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُخَاطَبَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ السَّمَاعِ. فَكَانُوا مُسَافِرِينَ مَا لَمْ يَسْمَعُوا السَّبَبَ الَّذِي هُوَ فَاسِخٌ لِعَزِيمَةِ سَفَرِهِمْ.
- فَإِنْ كَانَ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ الْغَزْوَ فَلْيُوَافِنِي فِي مَوْضِعِ كَذَا، وَلَمْ يُخْبِرْ أَيْنَ يُرِيدُ، وَذَلِكَ الْمَكَانُ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ مِنْ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ، فَإِنَّ أَهْلَهَا يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْتَهُوا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا أَقَلَّ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَلَعَلَّ مِنْ رَأْيِ الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيَبْعَثَ السَّرَايَا وَالْجُيُوشَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيُتِمُّونَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْضًا، لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَصِيرُوا مُسَافِرِينَ بِالْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ بِالْمَقَامِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْضًا.
- فَإِنْ أَخْبَرَهُمْ الْوَالِي بَعْدَ مَا نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ مَا دَامُوا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِيهِ وَهُمْ مُقِيمُونَ، فَبِمُجَرَّدِ نِيَّةِ السَّفَرِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ مَا لَمْ يَرْتَحِلُوا مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمُقِيمِ يَنْوِي السَّفَرَ وَهُوَ فِي مِصْرِهِ.
[ ٢٤٣ ]
- فَإِنْ قَصُرُوا الصَّلَاةَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَعَلَيْهِمْ إعَادَةَ الصَّلَاةِ. لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْهَا قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ.
- ثُمَّ إنْ خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُهَا وَقَبْلَ أَنْ يُعِيدُوهَا صَلَّوْهَا رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ خَرَجُوا بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِهَا صَلَّوْهَا أَرْبَعًا. لِأَنَّ تَقَرُّرَ الْوُجُوبِ بِاعْتِبَارِ آخِرِ الْوَقْتِ.
- فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ مُسَافِرُونَ كَانَ عَلَيْهِمْ صَلَاةَ السَّفَرِ. وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ مُقِيمُونَ كَانَ عَلَيْهِمْ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ، وَلَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْحُكْمُ بِمَا أَدَّوْا. لِأَنَّ الْمُؤَدَّاةَ كَانَتْ فَاسِدَةً حِينَ سَلَّمُوا عَلَى رَأْسِ رَكْعَتَيْنِ وَهُمْ مُقِيمُونَ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوهَا أَصْلًا.
- فَإِنْ سَبَقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَمْ يَأْتِهِمْ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ مِنْ مَدِينَتِهِمْ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِمَا بَيَّنَّا.
- وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَصَرُوا الصَّلَاةَ فِيهَا وَإِنْ أَقَامُوا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُسَافِرِينَ بِالْخُرُوجِ إلَيْهَا، فَلَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ مَا لَمْ يَعْزِمُوا
[ ٢٤٤ ]
عَلَى إقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً (٦٤ ب) وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ لِلْوَالِي فِي هَذَا الْمَكَانِ غَيْرُ عَازِمِينَ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
- فَإِنْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ثُمَّ أَتَاهُمْ كِتَابُ الْوَالِي أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِالْمَقَامِ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى مَدِينَتِهِمْ. لِأَنَّهُمْ انْصَرَفُوا وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَوَاضِعِ إقَامَتِهِمْ مَسِيرَةُ سَفَرِ، فَلَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ حَتَّى يَدْخُلُوا وَطَنَهُمْ.
- قَالَ: وَإِنْ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضَ الْحَرْبِ فَانْتَهَوْا إلَى حِصْنٍ وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ شَهْرًا إلَّا أَنْ يَفْتَحُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ، أَخْبَرَهُمْ الْوَالِي بِذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى إقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لِمَكَانِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَالْفَتْحُ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَ عَشَرَةَ لَيْلَةً مُحْتَمَلٌ.
- وَإِنْ أَخْبَرَهُمْ الْوَالِي أَنَّهُ لَا يُقِيمُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَتَحُوا أَوْ لَمْ يَفْتَحُوا فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا. لِأَنَّهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحَارِبُونَ لِأَهْلِهَا، وَالْمُحَارِبُ بَيْنَ أَنْ يَقْهَرَ عَدُوَّهُ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ، وَبَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ. وَمِثْلُ هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَكُونُ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ فِي حَقِّهِ، وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا هَدَرٌ، كَأَهْلِ السَّفِينَةِ إذَا نَوَوْا الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ لُجَّةِ الْبَحْرِ.
[ ٢٤٥ ]
- وَلَوْ أَطَالُوا الْمُقَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى وَقَعَ الثَّلْجُ فَصَارُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ، فَعَزَمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ سَنَتَهُمْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُمْ الثَّلْجُ فَيَخْرُجُونَ، وَهُمْ فِي غَيْرِ أَمَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا.
لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ مِنْ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ الْعَدُوُّ فَيَمْنَعُوهُمْ مِنْ الْقَرَارِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَعَنْ زُفَرَ - ﵀ - أَنَّهُ إنْ كَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَصِفُونَ مِنْ الْعَدُوِّ إنْ أَتَاهُمْ، يَصِحُّ بَيْنَهُمْ الْإِقَامَةُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - قَالَ: إذَا كَانُوا فِي الْأَخْبِيَةِ وَالْفَسَاطِيطِ لَمْ يَصِحَّ بَيْنَهُمْ الْإِقَامَةُ. وَإِنْ كَانُوا فِي الْأَبْنِيَةِ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ صَحَّتْ مِنْهُمْ الْإِقَامَةُ. وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -؛ لِمَا قُلْنَا إنَّ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ مَا يَتَمَكَّنُ الْمَرْءُ مِنْ الْمَقَامِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا نَوَى.
- وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ زَائِدَةَ بْنِ عُمَيْرٍ: قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: إنَّا نُطِيلُ الثَّوَاءَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، يَعْنِي الْقَرَارَ، فَكَيْفَ أَنْوِي فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى أَهْلِك. قُلْت: كَيْفَ تَقُولُ فِي الْعَزْلِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَكَرَ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ وَإِلَّا فَإِنَى أَقُولُ فِيهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] مَنْ شَاءَ عَزَلَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ.
[ ٢٤٦ ]
وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الْعَزْلِ. وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَيْضًا. وَالْيَهُودُ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ إنَّهُ الْمَوْءُودَة الصُّغْرَى فَنَزَلَتْ الْآيَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ: إذَا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ نَسَمَةٍ مِنْ صُلْبِ رَجُلٍ فَهُوَ خَالِقُهَا، وَإِنْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى صَخْرَةٍ. فَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْزِلُوا وَإِنْ شِئْتُمْ فَاتْرُكُوا. وَهَكَذَا يَرْوِيه أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - إلَّا أَنَّهُ فِي الْعَزْلِ عَنْ الْحُرَّةِ يَحْتَاجُ إلَى رِضَاهَا لِيَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الْعَزْلِ عَنْ أَمَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ.
- قَالَ: وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَارَبٍ لَهُمْ، بَلْ هُوَ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ بِقَدْرِ مَا نَوَاهُ كَمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
- وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَأْسِرُوهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِهِ فَهُوَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَيْضًا مَا دَامَ فِي مَنْزِلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ.
- وَإِنْ سَافَرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ انْتَهَى إلَى مَقْصِدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ نَوَى أَنْ يُقِيمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَرَارِ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَارِبٍ لَهُمْ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ.
[ ٢٤٧ ]
- قَالَ: وَالْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِيهِمْ إنْ أَقَامُوا بِهِ فِي مَوْضِعٍ يُرِيدُونَ الْمَقَامَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ الْمَقَامَ مَعَهُمْ بَلْ يَكُونُ عَازِمًا عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُمْ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَغْلُوبٌ فِي أَيْدِيهمْ، فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ نِيَّتُهُمْ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ لَا نِيَّتَهُ، بِمَنْزِلَةِ عَبْدِ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمَا نِيَّةُ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ لَا نِيَّتُهُمَا. وَكَذَلِكَ مَنْ بَعَثَ إلَيْهِ الْخَلِيفَةُ مِنْ عُمَّالِهِ لِيُؤْتَى بِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ تَنْفِيذِ قَصْدِهِ. فَمَنْ بَعَثَهُ الْخَلِيفَةُ لَا يُمْكِنُهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ حَالُ الْأَسِيرِ فِي أَيْدِيهِمْ.
- وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ انْفَلَتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إقَامَةِ شَهْرٍ فِي غَارٍ أَوْ غَيْرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ. لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ لَهُمْ، فَلَا تَكُونُ دَارُ الْحَرْبِ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
- وَكَذَا الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِهِمْ إذَا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ فَطَلَبُوهُ فَخَرَجَ هَارِبًا يُرِيدُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ مُسَافِرٌ، وَإِنْ أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ مُخْتَفِيًا شَهْرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ صَارَ مُحَارِبًا لَهُمْ حِينَ طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ.
[ ٢٤٨ ]
- وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ (٦٥ ب) إذَا غَدَرُوا بِهِ فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ لِأَنَّهُ صَارَ مُحَارِبًا لَهُمْ، وَحَالُ هَؤُلَاءِ كَحَالِ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُتَلَصِّصًا فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ شَهْرًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسَافِرًا. وَنِيَّتُهُ الْإِقَامَةُ لَغْوٌ، لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ إقَامَتِهِ.
- قَالَ: وَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مُقِيمًا بِمَدِينَةٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَلَمَّا طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ اخْتَفَى فِيهَا مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا.
٣٣٩ - وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ مِنْهَا يُرِيدُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ، بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إلَى ضَيْعَتِهِ فِي بَعْضِ الْقُرَى.
٣٤٠ - وَهَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَيْشٍ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَلَا يُرِيدُونَ أَنْ يَسِيرُوا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إلَّا يَوْمًا آخَرَ فَلَقُوا الْعَدُوَّ وَقَاتَلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ يُكْمِلُونَ الصَّلَاةَ وَإِنْ طَالَ مَقَامُهُمْ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسَافِرِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَبِالْقِتَالِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ.
- أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ مَدِينَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَوْ أَسْلَمُوا فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ وَهُمْ مُقِيمُونَ فِي مَدِينَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ.
[ ٢٤٩ ]
وَكَذَلِكَ إنْ غَلَبَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى مَدِينَتِهِمْ فَخَرَجُوا مِنْهَا يُرِيدُونَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ. وَإِنْ خَرَجُوا مِنْهَا يُرِيدُونَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَدْ صَارُوا مُسَافِرِينَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. فَإِنْ أَقَامُوا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ مَدِينَتِهِمْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ أَيْضًا.
لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ، وَمَنْ حَصَّلَ مُسَافِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحَارِبًا لِلْمُشْرِكِينَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا.
٣٤٢ - وَإِنْ رَجَعُوا إلَى مَدِينَتِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ عَرَضُوا لَهَا فَعَادُوا فِيهَا أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّ مَدِينَتَهُمْ كَانَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ حِين أَسْلَمُوا فِيهَا. وَكَانَتْ مَوْضِعَ إقَامَةٍ لَهُمْ، فَمَا لَمْ يَعْرِضْ لَهَا الْمُشْرِكُونَ فَهِيَ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ فِي حَقِّهِمْ. فَيُتِمُّونَ الصَّلَاةَ إذَا وَصَلُوا إلَيْهَا.
- وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ غَلَبُوا عَلَيْهَا وَأَقَامُوا فِيهَا ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ رَجَعُوا إلَيْهَا وَخَلَا الْمُشْرِكُونَ عَنْهَا، فَإِنْ كَانُوا اتَّخَذُوهَا دَارًا وَمَنْزِلًا لَا يَبْرَحُونَهَا فَصَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ يُتِمُّونَ فِيهَا الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ دَارِ الْحَرْبِ حِينَ غَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا، فَحِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَعَزَمُوا عَلَى الْمُقَامِ فَقَدْ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ. وَنِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْإِقَامَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَحِيحَةٌ.
[ ٢٥٠ ]
- وَإِنْ كَانُوا لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوهَا دَارًا وَلَكِنْ يُقِيمُونَ فِيهَا شَهْرًا ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَصَرُوا الصَّلَاةَ. لِأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ، (٦٦ أ) وَهُمْ مُحَارِبُونَ لَهُمْ، فَلَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهَا.
- وَكَذَلِكَ عَسْكَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَغَلَبُوا عَلَى مَدِينَةٍ. فَإِنْ اتَّخَذُوهَا دَارًا فَقَدْ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ يُتِمُّونَ فِيهَا الصَّلَاةَ، فَإِنْ لَمْ يَتَّخِذُوهَا دَارًا وَلَكِنْ هُمْ أَرَادُوا الْإِقَامَةَ بِهَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا دَارُ الْحَرْبِ وَهُمْ فِيهَا مُحَارِبُونَ. فَهَذَا التَّخْرِيجُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا، لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ أَحْكَامِ الشِّرْكِ فِي بَلْدَةٍ عِنْدَ غَلَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ. فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فَيُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ مُلَاصِقَةً لِدَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ. وَأَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ، وَبَيَانُ هَذَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَابَ مَنْ يُغَسَّلُ مِنْ الشُّهَدَاءِ وَبَابَ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْخَطَأِ وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا شَرَحَ مَسَائِلِ الْبَابَيْنِ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ، فَإِنَّهُ أَعَادَ تِلْكَ الْمَسَائِلَ بِعَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
[ ٢٥١ ]