٢٠٧ - قَالَ: لَا يُعْجِبُنَا أَنْ يُقَاتِلَ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ: «هَاهْ، مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» . وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي قِتَالِهَا كَشْفُ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَفْرَحُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُرْأَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: احْتَاجُوا إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالنِّسَاءِ عَلَى قِتَالِنَا، فَلْيُتَحَرَّزْ عَنْ هَذَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ مُبَاشَرَةُ الْقِتَالِ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ الْمُسْلِمُونَ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ دَفْعَ فِتْنَةِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقِصَّةِ حُنَيْنٍ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا. وَفِي أَوَاخِرِ تِلْكَ الْقِصَّةِ: «قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ تُقَاتِلُ شَادَّةً عَلَى بَطْنِهَا بِثَوْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَرُّوا مِنْك وَخَذَلُوك،
[ ١٨٤ ]
فَلَا تَعْفُ عَنْهُمْ إنْ أَمْكَنَك اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ - ﷺ -: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ، فَأَعَادَتْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ» . وَفِي الْمَغَازِي أَنَّهَا «قَالَتْ: أَلَا نُقَاتِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٥٢ آ) هَؤُلَاءِ الْفَرَّارِينَ فَنَقْتُلُهُمْ كَمَا قَاتَلْنَا الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ - ﷺ -: عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ» .
وَأَيَّةُ حَاجَةٍ إلَى قِتَالِ النِّسَاءِ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْحَاجَةِ حِين فَرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَسْلَمُوهُ، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِنَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَمْنَعْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَنَّهُ أَذِنَ لِلنِّسَاءِ فِي الْقِتَالِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ.
٢٠٨ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْضُرَ مِنْهُنَّ الْحَرْبَ الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ فَتُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَسْقِي الْمَاءَ، وَتَطْبُخُ لِلْغُزَاةِ إذَا احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ: كَانَتْ نِسَاءُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنِسَاءُ أَصْحَابِهِ مُشَمِّرَاتٍ، يَحْمِلْنَ الْمَاءَ لِلْمُجَاهِدِينَ يَرْتَجِزْنَ، وَهُوَ يُقَاتِلُ الرُّومَ، وَالْمُرَادُ الْعَجَائِزُ، فَالشَّوَابُّ يُمْنَعْنَ عَنْ الْخُرُوجِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَالْحَاجَةِ تَرْتَفِعُ بِخُرُوجِ الْعَجَائِزِ.
٢٠٩ - وَذُكِرَ عَنْ «أُمِّ مُطَاعٍ، وَكَانَتْ شَهِدَتْ خَيْبَرَ مَعَ
[ ١٨٥ ]
النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: رَأَيْت أَسْلَمَ، حَيْثُ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا يَلْقَوْنَ مِنْ شِدَّةِ الْحَالِ فَنَدَبَهُمْ إلَى الْجِهَادِ فَنَهَضُوا. وَلَقَدْ رَأَيْت أَسْلَمَ أَوَّلَ مَنْ انْتَهَى إلَى الْحِصْنِ فَمَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَهُوَ حِصْنُ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ بِالنَّطَاةِ» . فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهَا كَانَتْ خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ ذَلِكَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْعَجُوزِ أَنْ تَخْرُجَ لِإِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ الْعَمَلِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[ ١٨٦ ]