ِ ٧٨ - ذَكَرَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: مَا اُسْتُنْفِرَ جَيْشٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُنَادِي فِي ظُهُورِهِمْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ظُهُورَهَا شَدِيدًا، وَحَوَافِرَهَا حَدِيدًا، إلَّا ذَاتَ الْجَرَسِ.
٧٩ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - رَاحِلَةً عَلَيْهَا جَرَسٌ فَقَالَ: تِلْكَ مَطِيُّ الشَّيْطَانِ» .
٨٠ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الْعِيرُ الَّتِي فِيهَا جَرَسٌ لَا تَصْحَبُهَا الْمَلَائِكَةُ»، فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآثَارِ، وَكَرِهُوا اتِّخَاذَ الْجَرَسِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْأَسْفَارِ فِي الْغَزْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَرِهُوا أَيْضًا اتِّخَاذَ الْجَلَاجِلِ فِي رِجْلِ الصَّغِيرِ، عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا رَأَتْ امْرَأَةً مَعَهَا صَبِيٌّ وَفِي رِجْلِهِ جَلَاجِلُ فَجَعَلَتْ تَقُولُ: نَحِّي عَنْهُ مَا يُنَفِّرُ الْمَلَائِكَةَ.
وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآثَارِ عِنْدَنَا أَنَّهُ كُرِهَ اتِّخَاذُ الْجَرَسِ لِلْغُزَاةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ،
[ ٨٧ ]
فَإِنَّهُمْ إذَا قَصَدُوا أَنْ يُبَيِّتُوا الْعَدُوَّ عَلِمَ بِهِمْ الْعَدُوُّ بِصَوْتِ الْجَرَسِ فَيَبْدُرُونَ بِهِمْ. فَإِذَا كَانُوا سَرِيَّةً عَلِمَ بِهِمْ الْعَدُوُّ فَأَتَوْهُمْ فَقَتَلُوهُمْ. فَالْجَرَسُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَدُلُّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَأَمَّا مَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِصَاحِبِ الرَّاحِلَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، يَعْنِي قَدْ يَنْتَفِعُ الْمُسْلِمُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ بِصَوْتِ الْجَرَسِ يَدْفَعُونَ بِهِ النَّوْمَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَنْ يَضِلَّ عَنْ الطَّرِيقِ يَتَمَكَّنْ مِنْ اللُّحُوقِ بِهِمْ بِصَوْتِ الْجَرَسِ فَلَا يَضِلُّ. وَمِنْ الدَّوَابِّ مَا يَنْشَطُ فِي السَّيْرِ بِصَوْتِ الْجَرَسِ. فَإِذَا أَمِنُوا اللُّصُوصَ، وَكَانَ فِي الْجَرَسِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِهِ. وَهُوَ نَظِيرُ الْحِدَاءِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَرَبِ. «وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَكَانَ يَسِيرُ بِاللَّيْلِ، وَالْحَادِي يَحْدِي بَيْنَ يَدَيْهِ» . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ (٣٣ آ) بِمِثْلِهِ، وَمَا يَكُونُ فِي أَرْجُلِ الصِّبْيَانِ عَلَى سَبِيلِ اللَّهْوِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ فَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَلَا بَأْسَ.
[ ٨٨ ]