٤٤ - بَابُ مَا لَا يَكُونُ أَمَانًا ٣٦٥ - قَالَ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، أَوْ جِئْت أُرِيدُ أَنْ أُقَاتِلَ مَعَكُمْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمْ وَيَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا شَاءَ. لِأَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَ لَيْسَ بِأَمَانٍ مِنْهُ لَهُمْ، إنَّمَا هُوَ خِدَاعٌ بِاسْتِعْمَالِ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ. فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ: أَيْ آدَمِيٌّ مِنْ جِنْسِكُمْ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: جِئْت لِأُقَاتِلَ مَعَكُمْ الْمُسْلِمِينَ: أَيْ أَهْلَ الْبَغْيِ إنْ نَشِطْتُمْ فِي ذَلِكَ، أَوْ أَضْمَرَ فِي كَلَامِهِ: عَنْ، أَيْ جِئْت لِأُقَاتِلَ مَعَكُمْ دَفْعًا عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ أَمَانًا مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ أَسِيرٌ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ فَكَيْفَ يُؤَمِّنُهُمْ، إنَّمَا حَاجَتُهُ إلَى طَلَبِ الْأَمَانِ مِنْهُمْ. وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَلَبِ الْأَمَانِ شَيْءٌ.
٣٦٦ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْآثَارِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ (٦٩ ب) رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ إلَى نَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ. وَبَلَغَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُ يَجْمَعُ لَهُ، أَيْ جَمَعَ الْجَيْشَ لِقِتَالِهِ، وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ وَقَالَ: انْتَسِبْ إلَى خُزَاعَةَ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ سُفْيَانَ كَانَ مِنْهُمْ.
[ ٢٦٦ ]
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَعْرِفُهُ. فَقَالَ: إنَّك إذَا رَأَيْته هِبْتَهُ. وَكُنْت لَا أَهَابُ الرِّجَالِ. فَأَقْبَلْت عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ تَصْغِيرُ الْعَشِيَّةِ، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَخَشِيت أَنْ أُصَلِّيَ فَأُعْرَفَ فَأَوْمَأْت إيمَاءً وَأَنَا أَمَشَى. وَبِهِ يَسْتَدِلُّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّ (الْمُنْهَزِمَ مَاشِيًا يُومِئُ ثُمَّ يُعِيدُ) . قَالَ: حَتَّى أُدْفَعَ إلَى رَاعِيَةٍ لَهُ. فَقُلْت: لِمَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: لِابْنِ سُفْيَانَ. فَقُلْت: أَيْنَ هُوَ؟ قَالَتْ: جَاءَك الْآنَ. فَلَمْ أَنْشَبُ أَنْ جَاءَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا - أَيْ لَمْ أَلْبَثْ - فَلَمَّا رَأَيْته وَجَدْتنِي أَقْطُرُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَفْكَلُ، أَيْ تَرْتَعِدُ فَرَائِصِي هَيْبَةً مِنْهُ. فَجَاءَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ نَسَبَنِي فَانْتَسَبْت إلَى خُزَاعَةَ. وَذُكِرَ فِي الطَّرِيقِ الْآخِرِ: كُنْت أَعْتَزَى إلَى جُهَيْنَةَ. أَيْ أَنْتَسِبُ إلَيْهِمْ.
[ ٢٦٧ ]
ثُمَّ قُلْت لَهُ: جِئْت لِأَنْصُرَك وَأُكْثِرَك وَأَكُونَ مَعَك. وَمَعْنَاهُ لِأَنْصُرَك بِالدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَبِالْمَنْعِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ قِتَالُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى مَا قَالَ - ﵇ -: «أَنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. فَقِيلَ: كَيْفَ يَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ: يَكُفُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ» .
وَقَوْلُهُ: أُكْثِرَك أَيْ أَجْعَلُك إرَبًا إرَبًا فَأُكْثِرَ أَجْزَاءَك إنْ لَمْ تُؤْمِنْ وَأَكُونُ مَعَك إلَى أَنْ أَقْتُلَك. فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: احْلِبِي، فَحَلَبَتْ. ثُمَّ نَاوَلَتْنِي فَمَصَصْت شَيْئًا يَسِيرًا ثُمَّ دَفَعْته إلَيْهِ، فَعَبَّ فِيهِ كَمَا يَعُبُّ الْجَمَلُ، حَتَّى إذَا غَابَ أَنْفُهُ فِي الرَّغْوَةِ صَوَّبْتُهُ وَقُلْت لِلْجَارِيَةِ: لَئِنْ تَكَلَّمْت لَأَقْتُلَنَّكِ. وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا: فَمَشَيْت مَعَهُ حَتَّى اسْتَحْلَى حَدِيثِي. ثُمَّ أَرَيْته أَنَّى وَطِئْت عَلَى غُصْنِ شَوْكٍ فَشِيكَتْ رِجْلِي. فَقَالَ: الْحَقْ يَا أَخَا جُهَيْنَةَ. فَجَعَلْت أَتَخَلَّفُ وَيَسْتَلْحِقُنِي. فَلَحِقْته وَهُوَ مُوَلًّى. فَضَرَبْت عُنُقَهُ وَأَخَذْت بِرَأْسِهِ. ثُمَّ خَرَجْت أَشْتَدُّ حَتَّى صَعِدْت الْجَبَلَ فَدَخَلْت غَارًا، وَأَقْبَلَ الطَّلَبُ. وَفِي رِوَايَةٍ: خَرَجَتْ الْخَيْلُ تُوَزَّعُ فِي كُلِّ وَجْهٍ فِي الطَّلَبِ،
[ ٢٦٨ ]
وَأَنَا مُتَمَكِّنٌ فِي الْجَبَلِ. فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مَعَهُ إدَاوَةٌ، وَنَعْلَاهُ فِي يَدِهِ، وَكُنْت حَافِيًا. فَجَلَسَ يَبُولُ، فَوَضَعَ إدَاوَتَهُ وَنَعْلَيْهِ. وَضَرَبْت الْعَنْكَبُوتَ عَلَى الْغَارِ. أَوْ قَالَ: خَرَجَتْ حَمَامَةٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ. فَنَزَلَ وَتَرَك نَعْلَيْهِ وَإِدَاوَتَهُ. فَخَرَجْت وَلَبِسْت النَّعْلَيْنِ وَأَخَذْت الْإِدَاوَةَ فَكُنْت أَسِيرُ اللَّيْلَ وَأَتَوَارَى بِالنَّهَارِ، حَتَّى جِئْت الْمَدِينَةَ، فَوَجَدْت النَّبِيَّ - ﷺ - فِي الْمَسْجِدِ. فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ - وَهَذَا لَفْظٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ الْعَرَبُ خِطَابًا لِمَنْ نَالَ الْمُرَادَ وَفَازَ بِالنُّصْرَةِ - فَقُلْت: وَجْهُك الْكَرِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَخْبَرْته خَبَرِي، فَدَفَعَ إلَيَّ (٧٠ أ) عَصًا وَقَالَ: " تَخَصَّرْ بِهَذِهِ يَا ابْنَ أُنَيْسٍ فِي الْجَنَّةِ فَإِنَّ الْمُتَخَصِّرِينَ فِي الْجَنَّةِ قَلِيلٌ ". قِيلَ مَعْنَاهُ: تَحَكَّمْ بِهَا فِي الْجَنَّةِ كَمَا يَتَحَكَّمُ الْمُلُوكُ بِمَا يَشَاءُونَ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لِيَكُنْ هَذَا عَلَامَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى أُجَازِيَك عَلَى صَنِيعِك بِسُؤَالِ الزِّيَادَةِ فِي الدَّرَجَةِ لَك، فَإِنَّ مِثْلَك مِمَّنْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَبِيِّهِ عَلَامَةٌ فَيُجَازِيَهُ عَلَى صَنِيعِهِ فِي الْجَنَّةِ. قِيلَ: فَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ أُنَيْسٍ. حَتَّى إذَا مَاتَ أَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُدْرِجُوهَا فِي كَفَنِهِ
[ ٢٦٩ ]
وَمُرَادُهُ مِنْ الْقِصَّةِ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ: جِئْت لِأَنْصُرَك وَأُكَثِّرُك، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَمَانًا مِنْهُ.
٣٦٧ - وَذَكَرَ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قُدُومُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَإِعْلَانُهُ بِالشَّرِّ وَقَوْلُهُ الْأَشْعَارَ، وَكَعْبٌ هَذَا مِنْ عُظَمَاءِ الْيَهُودِ بِيَثْرِبَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالطَّاغُوتِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] وَكَانَ يَسْتَقْصِي فِي إظْهَارِ الْعَدَاوَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ بَعْدَ حَرْبِ بَدْرٍ. وَجَعَلَ يَرْثِي قَتَلَاهُمْ، وَيَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي أَشْعَارِهِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الِانْتِقَامِ. فَمِنْ ذَلِكَ الْقَصِيدَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا:
طَحَنَتْ رَحَا بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ وَلِمِثْلِ بَدْرٍ يُسْتَهَلُّ وَيُدْمَعُ
فَلَمَّا رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ
[ ٢٧٠ ]
وَأَنَا أَقْتُلُهُ: قَالَ: فَافْعَلْ. فَمَكَثَ ابْنُ مَسْلَمَةَ أَيَّامًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: تَرَكْت الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْت لَك قَوْلًا فَلَا أَدْرِي أَفِي بِهِ أَمْ لَا. فَقَالَ - ﷺ -: إنَّمَا عَلَيْك بِالْجَهْدِ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ تَرَكَ الْإِصَابَةَ مِنْ اللَّذَّاتِ قَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَ بِمَا وَعَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ إلَى خَيْرٍ أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى الْإِصَابَةِ مِنْ اللَّذَّاتِ. إلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَيَّنَ لَهُ أَنَّ نَفْسَهُ لَا تَتَقَوَّى إلَّا بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨] وَأَنَّ عَلَيْهِ الْجَهْدُ بِالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ لَا غَيْرُ. قَالَ: فَاجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُحَمَّدٌ وَأُنَاسٌ مِنْ الْأَوْسِ مِنْهُمْ عُبَادَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، وَأَبُو نَائِلَةَ سِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَأَبُو عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ نَقْتُلُهُ. فَأْذَنْ لَنَا فَلِنَقُلْ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْهُ، أَيْ نَخْدَعُهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَعَارِيضِ
[ ٢٧١ ]
وَإِظْهَارِ النَّيْلِ مِنْك. قَالَ: فَقُولُوا. فَخَرَجَ إلَيْهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَتَحَدَّثَ مَعَهُ وَتَنَاشَدَ الْأَشْعَارَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ عَلَيْنَا مِنْ الْبَلَاءِ. يَعْنِي النَّبِيَّ، وَمُرَادُهُ مِنْ ذِكْرِ الْبَلَاءِ النِّعْمَةِ. فَالْبَلَاءُ يُذْكَرُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ كَمَا يُذْكَرُ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ مِنْ الِابْتِلَاءِ. وَذَلِكَ يَكُونُ بِهِمَا كَمَا قَالَتْ الصَّحَابَةُ: اُبْتُلِينَا (٧٠ ب) بِالضَّرَّاءِ فَصَبْرِنَا، وَابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ. وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] . أَيْ فِي إنْجَائِكُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. وَقِيلَ: أَيْ فِي ذَبْحِهِ أَبْنَاءَكُمْ وَاسْتِحْيَائِهِ نِسَائِكُمْ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ. ثُمَّ قَالَ: حَارَبَتْنَا الْعَرَبُ وَرَمَتْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ عَنَّا، حَتَّى جَهِدَتْ الْأَبْدَانُ، وَضَاعَ الْعِيَالُ، وَأَخَذْنَا بِالصَّدَقَةِ، وَلَا نَجِدُ مَا نَأْكُلُ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ وَاَللَّهِ كُنْت أُحَدِّثُك بِهَذَا يَا ابْنَ سَلَامَةَ: إنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَى هَذَا. قَالَ سِلْكَانُ: وَمِعَى رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي. وَقَدْ أَرَدْت أَنْ آتِيَك بِهِمْ لِنَبْتَاعَ مِنْك طَعَامًا وَتَمْرًا وَتُحْسِنَ فِي ذَلِكَ إلَيْنَا وَنَرْهَنَك مَا يَكُونُ لَك فِيهِ ثِقَةٌ.
[ ٢٧٢ ]
قَالَ كَعْبٌ: أَمَا إنَّ رِفَافِي تَتَقَصَّفُ تَمْرًا مِنْ عَجْوَةٍ يَغِيبُ فِيهَا الضِّرْسُ. وَالرِّفَافُ: جَمْعُ الرَّفِّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ التَّمْرُ، شِبْهُ الْخُنْبُقِ. وَقَوْلُهُ تَتَقَصَّفُ: أَيْ تَتَكَسَّرُ مِنْ كَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنْ التَّمْرِ. وَوَصَفَ جُودَتَهَا بِقَوْلِهِ: يَغِيبُ فِيهَا الضِّرْسُ. قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ يَا أَبَا نَائِلَةَ مَا كُنْت أُحِبُّ أَنْ أَرَى هَذِهِ الْخَصَاصَةِ، يَعْنِي شِدَّةَ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كُنْت لَمِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيَّ. فَمَاذَا تَرْهَنُونَ؟ أَتَرْهَنُونَنِي أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَائِكُمْ؟ قَالَ: لَقَدْ أَرَدْت أَنْ تَفْضَحَنَا وَتُظْهِرَ أَمَرَنَا. وَلَكِنَّا نَرْهَنُك مِنْ الْحَلَقَةِ مَا تَرْضَى بِهِ يَا كَعْبُ. قَالَ: إنَّ فِي الْخَلِيعَةِ لَوَفَاءٌ. يَعْنِي السِّلَاحَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ سِلْكَانُ كَيْلًا يُنْكِرُهُمْ إذَا جَاءُوا إلَى السِّلَاحِ. فَرَجَعَ أَبُو نَائِلَةَ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى مِيعَادٍ. فَأَتَى أَصْحَابَهُ وَأَجْمَعُوا أَمَرَهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوهُ إذَا أَمْسَوْا. ثُمَّ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عِشَاءً فَأَخْبَرُوهُ. فَمَشَى مَعَهُمْ حَتَّى أَتَى الْبَقِيعَ، ثُمَّ وَجَّهَهُمْ وَقَالَ: امْضُوا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ. ثُمَّ دَعَا لَهُمْ. وَذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ مِثْلَ النَّهَارِ.
[ ٢٧٣ ]
فَمَضَوْا حَتَّى أَتَوْهُ. فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَى حِصْنِهِ هَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ ابْنُ الْأَشْرَفِ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. فَوَثَبَ، فَأَخَذَتْ امْرَأَتُهُ بِنَاحِيَةِ مِلْحَفَتِهِ فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ إنَّك رَجُلٌ مُحَارِبٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِثْلُك فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ. قَالَ: إنَّمَا هُوَ أَخِي أَبُو نَائِلَةَ، وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدَنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي. ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْمِلْحَفَةَ فَنَزَلَ وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ دُعِيَ الْفَتَى لِطَعْنَةٍ لَأَجَابَا ثُمَّ نَزَلَ إلَيْهِمْ فَحَيَّاهُمْ، وَتَحَدَّثُوا سَاعَةً، ثُمَّ انْبَسَطَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: وَيْحَك يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ هَلْ لَك أَنْ نَمْشِيَ إلَى شَرْجِ الْعَجُوزِ فَنَتَحَدَّثَ فِيهِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَخَرَجُوا يَتَمَشَّوْنَ. فَلَمَّا تَوَجَّهُوا قِبَلَ الشَّرْجِ أَدْخَلَ أَبُو نَائِلَةَ يَدَهُ فِي رَأْسِ كَعْبٍ وَقَالَ: وَيْحَك يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ مَا أَطْيَبَ عِطْرُك هَذَا. ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَعَادَ بِمِثْلِهَا. حَتَّى إذَا اطْمَأَنَّ إلَيْهِ أَخَذَ بِقُرُونِ رَأْسِهِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اُقْتُلُوا عَدُوَّ اللَّهِ فَضَرَبُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ. فَالْتَفَّتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا. يَعْنِي رَدَّ بَعْضُهَا بَعْضًا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَذَكَرْت مَغُولًا كَانَ فِي سَيْفِي وَهُوَ يُشْبِهُ الْخَنْجَرَ، فَانْتَزَعْته فَوَضَعْته فِي سُرَّتِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْت عَلَيْهِ فَغَطَطْته، أَيْ غَيَّبْته فِيهِ، حَتَّى انْتَهَى إلَى عَانَتِهِ، فَصَاحَ عَدُوُّ اللَّهِ صَيْحَةً مَا بَقِيَ أُطْمٌ مِنْ
[ ٢٧٤ ]
آطَامِ الْيَهُودِ إلَّا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْيَهُودِ يُوقِدُونَ النَّارَ بِاللَّيْلِ عِنْدَ الْفَزَعِ. قَالَ ابْنُ سُنَيْنَةَ، يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ: إنِّي أَجِدُ رِيحَ دَمٍ بِيَثْرِبَ مَسْفُوحٍ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِقْدَارَ فَرْسَخٍ. قَالَ: وَقَدْ أَصَابَ بَعْضُ الْقَوْمِ الْحَارِثَ بْنَ أَوْسٍ بِسَيْفٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَ كَعْبًا فَكَلَمَهُ فِي رِجْلِهِ، أَيْ جَرَحَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْهُ خَرَجُوا يَشْتَدُّونَ حَتَّى أَخَذُوا عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ عَلَى بُعَاثَ. حَتَّى إذَا كَانُوا بِحَرَّةِ الْعَرِيضِ - وَهَذِهِ أَسْمَاءُ الْمَوَاضِعِ - نَزَفَ الْحَارِثُ الدَّمَ، يَعْنِي كَثُرَ سَيَلَانُ الدَّمِ مِنْ جِرَاحَتِهِ فَعَطَفُوا عَلَيْهِ، أَيْ رَحِمُوهُ أَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى أَتَوْا النَّبِيَّ - ﷺ -. فَلَمَّا أَتَوْا الْبَقِيعَ كَبَّرُوا وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تِلْكَ اللَّيْلَةَ يُصَلِّي. فَلَمَّا سَمِعَ تَكْبِيرَهُمْ عَرَفَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ. ثُمَّ أَتَوْا بِصَاحِبِهِمْ الْحَارِثَ بْنَ أَوْسٍ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَتَفَلَ عَلَى جُرْحِهِ فَلَمْ يُؤْذِهِ. وَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِ عَدُوِّ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى أَهْلِهِمْ. فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَجَمَّعُوا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لِلتَّحَدُّثِ بِمَا جَرَى وَالتَّدْبِيرِ فِيهِ، وَهَذَا مِنْ الْحَزْمِ وَالسِّيَاسَةِ.
[ ٢٧٥ ]
قَالَ: فَخَافَتْ الْيَهُودُ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَلَمْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ، وَخَافُوا أَنْ يُبَيَّتُوا كَمَا بُيِّتَ ابْنُ الْأَشْرَفِ. وَكَانَ ابْنُ سُنَيْنَةَ مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ، وَكَانَ حَلِيفًا لِحُوَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ. وَكَانَ أَخُوهُ مُحَيِّصَةُ قَدْ أَسْلَمَ، فَغَدَا مُحَيِّصَةُ عَلَى ابْنِ سُنَيْنَةَ فَقَتَلَهُ. فَجَعَلَ حُوَيِّصَةُ يَضْرِبُ مُحَيِّصَةَ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْهُ، وَيَقُولُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ قَتَلْته. أَمَا وَاَللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِك مِنْ مَالِهِ - لِأَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا - فَقَالَ مُحَيِّصَةُ: وَاَللَّهِ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِك الَّذِي أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ لَقَتَلْتُك. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَمَرَك مُحَمَّدٌ بِقَتْلَى لَقَتَلْتَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ حُوَيِّصَةُ: وَاَللَّهِ إنَّ دِينًا يَبْلُغُ مِنْك هَذَا لَدِينٌ مُعْجِبٌ. فَأَسْلَمَ حُوَيِّصَةُ يَوْمَئِذٍ وَأَنْشَأَ مُحَيِّصَةُ يَقُولُ:
يَلُومُ ابْنُ أُمِّي لَوْ أُمِرْت بِقَتْلِهِ لَطَبَّقْت دَفْرَاه بِأَبْيَضَ قَاضِبٍ
حُسَامٍ كَلَوْنِ الْمِلْحِ أُخْلِصَ صَقْلُهُ مَتَى مَا أُصَوِّبُهُ فَلَيْسَ بِكَاذِبِ
وَمَا سَرَّنِي أَنَّى قَتَلْتُك طَائِعًا وَلَوْ أَنَّ لِي مَا بَيْنَ بُصْرَى وَمَأْرَب
ثُمَّ أَعَادَ هَذَا الْحَدِيثَ بِرِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - مِنْ وَجْهٍ آخَرَ:
٣٦٨ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ الَّذِي أَتَى ابْنَ الْأَشْرَفِ فَقَالَ. يَا كَعْبُ قَدْ جِئْتُك لِحَاجَةٍ. قَالَ: مَرْحَبًا بِحَاجَتِك. قَالَ: جِئْتُك أَسْتَسْلِفُكَ تَمْرًا. قَالَ: مَا بَغَيْتُكُمْ إلَى مَسْأَلَةِ التَّمْرِ؟ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ
[ ٢٧٦ ]
لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَلْفَ وَسْقٍ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَدَعْ عِنْدَنَا شَيْئًا وَأَصْحَابَهُ. وَأَرَادَ بِهِ لَمْ (٧١ ب) يَدَعْ عِنْدَنَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَضُرُّنَا مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الشِّرْكِ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إلَّا هَدَانَا إلَيْهِ. قَالَ كَعْبٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاك النُّصْرَةَ فَانْظُرْ حَاجَتَك، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ رَهْنٍ. قَالَ: أَرْهَنُك دِرْعِي. قَالَ: لَعَلَّهَا دِرْعُ أَبِيك الزَّغْبَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأْتِ بِمَنْ أَحْبَبْته وَخُذْ حَاجَتَك. قَالَ: فَإِنِّي آتِيك فِي خَمْرِ اللَّيْلِ. أَيْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَالْخَمْرُ مَا وَارَاكَ. فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَرَى النَّاسُ أَنِّي أَطْلُبُك أَوْ آتِيك فِي حَاجَةٍ أَوْ أَنِّي احْتَجْت. . . الْحَدِيثَ. إلَى أَنْ نَزَلَ إلَى مُحَمَّدٍ وَآنَسَهُ شَيْئًا وَحَادَثَهُ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي رَأْسِهِ. وَكَانَ جَعْدًا فَقَالَ: مَا أَطْيَبَ دُهْنَك. قَالَ: إنْ شِئْت أَرْسَلْت إلَيْك مِنْهُ. ثُمَّ عَادَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: قَدْ تَرَكْت يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ وَأَصْحَابُك هَذَا، يَعْنِي الدُّهْنَ. فَلَمَّا أَنْ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ فِي رَأْسِهِ ضَرَبَ بِالْخِنْجَرِ سُرَّتَهُ، الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ. فَقَدْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ لِيَسْتَسْلِفَهُ تَمْرًا ثُمَّ قَتَلَهُ. وَلَمْ يَكُ ذَلِكَ مِنْهُ غَدْرًا. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمِثْلِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[ ٢٧٧ ]