٧١ - بَابُ مَا يَبْطُلُ فِيهِ النَّفَلُ وَمَا لَا يَبْطُلُ وَإِذَا بَعَثَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ فَبَعَثَ أَمِيرَهُمْ سَرِيَّةً وَنَفَّلَ لَهَا الرُّبْعَ. ثُمَّ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا آخَرَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَلَقُوا السَّرِيَّةَ بَعْدَمَا غَنِمَتْ الْغَنَائِمَ، ثُمَّ لَحِقُوا جَمِيعًا بِالْمُعَسْكَرِ الْأَوَّلِ، وَأَخْرَجُوا الْغَنَائِمَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالنَّفَلُ سَالِمٌ لِلسَّرِيَّةِ مِنْ جَمِيعِ مَا أَصَابُوا عَلَى مَا سَمَّى أَمِيرُهُمْ لَهُمْ.
لِأَنَّ أَمِيرَ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ مَبْعُوثُ الْخَلِيفَةِ. فَهُوَ فِيمَا يُنَفِّلُ كَالْخَلِيفَةِ، فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ فِي حَقِّ الْعَسْكَرَيْنِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ نَفْلِ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ لِمَنْ بَعَثَهُ مِنْ سَرِيَّتِهِ. لِأَنَّ وِلَايَتَهُ هُنَاكَ مَقْصُورَةٌ عَلَى أَهْلِ سَرِيَّتِهِ (ص ٢١٨) .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى الْمُعَسْكَرِ هُوَ كَسَائِرِ الرَّعَايَا؟ وَهَا هُنَا لِأَمِيرِ الْعَسْكَرِ وِلَايَةٌ كَامِلَةٌ، بِاعْتِبَارِ تَقْلِيدِ الْخَلِيفَةِ إيَّاهُ. فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ فِي حَقِّ الْكُلِّ، ثُمَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ النَّفْلِ وَالْخُمُسِ يَشْتَرِكُ فِيهِ أَهْلُ الْعَسْكَرَيْنِ وَالسَّرِيَّةِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِ ذَلِكَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
١٠٥٤ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ وَالْعَسْكَرَيْنِ لَقَوْهُمْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا الْعَسْكَرَ الْأَوَّلَ فَلِلسَّرِيَّةِ أَيْضًا نَفْلُهَا.
لِأَنَّ نَفْلَهُمْ قَائِمٌ مَقَامَ الْخَلِيفَةِ فِي التَّنْفِيلِ لَهُمْ، فَيَسْتَحِقُّونَ النَّفَلَ بِتَسْمِيَتِهِ لَهُمْ
[ ٦٤٧ ]
سَوَاءٌ رَجَعُوا إلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَرْجِعُوا، ثُمَّ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَسْكَرِ الثَّانِي دُونَ الْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ.
لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ أَحْرَزُوهُ.
١٠٥٥ - وَلَوْ لَمْ تَلْقَ السَّرِيَّةُ وَاحِدًا مِنْ الْعَسْكَرَيْنِ حَتَّى خَرَجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ بَطَلَ نَفْلُهُمْ.
لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِالْإِحْرَازِ. وَثُبُوتُ الْحَقِّ فِي الْمُصَابِ هُنَا. وَالنَّفَلُ الْعَامُّ فِي مِثْلِ هَذَا يَكُونُ بَاطِلًا، بِمَنْزِلَةِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
١٠٥٦ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، دُونَ أَصْحَابِهِ كَانَ هَذَا جَائِزًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لَكُمْ الرُّبْعُ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّحْرِيضِ، وَمَعْنَى التَّحْرِيضِ عَلَى الْإِصَابَةِ يَتَحَقَّقُ بِهَذَا التَّنْفِيلِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ قَطْعُ شَرِكَةِ غَيْرِ الْمُصِيبِ مَعَ الْمُصِيبِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فَيَبْطُلُ فِيهِ الْخُمُسُ. وَيُفَضَّلُ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ أَيْضًا، تَبَعًا.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا إذَا نَفَّلَ لَهُمْ الرُّبْعَ. أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَهُمْ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ فَارِسًا فَأَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. أَمَا كَانَ يَصِحُّ هَذَا التَّنْفِيلُ وَفِيهِ تَحْرِيضُهُمْ عَلَى الْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ، وَلَوْ قَالَ لَهُمْ مَا أَصَبْتُمْ؟ فَلَوْ صَحَّ هَذَا التَّنْفِيلُ كَانَ فِيهِ تَقْلِيلُ نَشَاطِهِمْ فِي الْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَزْدَادُ نَصِيبُهُمْ بِالْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ فَقَلَّ مَا يَرْغَبُونَ فِي ذَلِكَ. فَبِهَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
[ ٦٤٨ ]
وَلَوْ أَنَّ الْعَسْكَرَ الثَّانِيَ لَحِقُوا السَّرِيَّةَ الْمَبْعُوثَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا شَيْئًا، ثُمَّ قَاتَلُوا جَمِيعًا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ لَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ وَخَرَجُوا، فَالْغَنَائِمُ تُقَسَّمُ بَيْنَ السَّرِيَّةِ وَالْعَسْكَرِ الَّذِينَ لَحِقُوهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. كَأَنَّهُ لَا نَفْلَ فِيهَا. ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى حِصَّةِ السَّرِيَّةِ فَيُخْرَجُ نَفْلُهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ أَمِيرَهُمْ إنَّمَا نَفَّلَ لَهُمْ الرُّبْعَ مِمَّا أَصَابُوهُمْ دُونَ مَا أَصَابَهُ عَسْكَرٌ آخَرُ.
وَلَا يَتَبَيَّنُ مُصَابُهُمْ إلَّا بِالْقِسْمَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْقِسْمَةِ لِيَتَبَيَّنَ مَحَلُّ حَقِّهِمْ، فَيُعْطَوْنَ النَّفَلَ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ يُجْمَعُ مَا بَقِيَ إلَى مَا أَصَابَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَ السَّرِيَّةِ وَالْعَسْكَرَيْنِ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْرَازِ.
وَلَوْ لَمْ يَلْقَوْا الْعَسْكَرَ الْأَوَّلَ حَتَّى خَرَجُوا قُسِمَ بَيْنَهُمْ أَوَّلًا لِيَتَبَيَّنَ حِصَّةُ السَّرِيَّةِ، ثُمَّ يُعْطَوْنَ نَفْلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ تَنْفِيلَ الْأَمِيرِ لَهُمْ صَحَّ مُطْلَقًا.
ثُمَّ يُجْمَعُ مَا بَقِيَ إلَى حِصَّةِ الْعَسْكَرِ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ لَا شَيْءَ فِيهِ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي الْإِحْرَازِ.
[ ٦٤٩ ]
وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعَثَ سَرِيَّةً وَقَالَ: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ. فَهَذَا جَائِزٌ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَطْعُ شَرِكَةِ الْجَيْشِ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
١٠٥٩ - فَإِنْ فَتَحُوا حِصْنًا مُتَاخِمَةً لِدَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ أَهْلُ الْعَسْكَرِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَجَمِيعُ مَا أَصَابُوا لَهُمْ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ قَطَعَ شَرِكَةَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ (ص ٢١٩) بِتَنْفِيلٍ صَحِيحٍ.
١٠٦٠ - لَكِنْ لَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ نَصِيبَهُ مِنْ الرَّقِيقِ، أَوْ كَانَ فِيهِمْ ذَاتُ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ بَعْضِهِمْ، لَمْ تَعْتِقْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ بِالْإِصَابَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَإِنْ انْقَطَعَتْ شَرِكَةُ الْغَيْرِ مَعَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً، أَوْ رَأَى أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
١٠٦١ - قَالَ: وَالنَّفَلُ بِمَنْزِلَةِ رَضْخٍ رُضِخَ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَإِذَا
[ ٦٥٠ ]
كَانَ سِهَامُ الْغَانِمِينَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ هَذَا فَالرَّضْخُ كَيْفَ يَمْنَعُهُ؟
١٠٦٢ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُمْ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. ثُمَّ أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَسِيرًا قَدْ أَصَابَهُ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَلَوْ أَصَابَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِمِلْكِهِ هُنَا بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا أَمْرٌ آخَرُ مُنْتَظَرٌ لِوُقُوعِ الْمِلْكِ سِوَى الْإِصَابَةِ، حَتَّى يَتَوَقَّفَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَإِنَّ هُنَاكَ أَمْرًا آخَرَ مُنْتَظَرًا وَهُوَ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ قَبْلَ وُجُودِهَا.
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ رِجَالِ الْأُسَرَاءِ. لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهِ لِلْمُصِيبِ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ. فَكَأَنَّ الْإِمَامَ ضَرَبَ عَلَيْهِ الرِّقَّ.
وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا عَلَى الْمُصِيبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ غَرِمَ لَهُ.
فَلَيْسَ لِغَيْرِ الْمُصِيبِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. وَلَا مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَرُدَّ أَشْيَاءَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ مِنْ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ
الْقِسْمَةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
وَلَوْ قُسِمَ بَيْنَهُمْ ثَبَتَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَكَذَلِكَ إذَا نَفَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَصَابَهُ خَاصَّةً، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ " مَا أَصَبْتُمْ فَلَكُمْ " قَطْعٌ لِشَرِكَةِ الْجَيْشِ. فَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ. وَالْمِلْكُ فِي الْمُصَابِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ.
١٠٦٣ - وَلَوْ قَالَ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابُوا جَمِيعًا أَسِيرًا وَاحِدًا، فَهُوَ لَهُمْ.
لِأَنَّ " مَنْ " اسْمٌ مُبْهَمٌ. فَهُوَ عَامٌّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ. فَكَمَا يَتَنَاوَلُهُ الْفَرْدُ مِنْهُمْ
[ ٦٥١ ]
يَتَنَاوَلُ جَمَاعَتَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبِيدِهِ: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ الْعِتْقَ فَهُوَ حُرٌّ.
فَشَاءُوا، عَتَقُوا. بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فِيمَا إذَا قَالَ: مَنْ شِئْت عِتْقَهُ مِنْ عَبِيدِي. لِأَنَّهُ أَضَافَ الْمَشِيئَةَ هُنَاكَ إلَى مَنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ " مَنْ " وَهَا هُنَا أَضَافَ الْإِصَابَةَ إلَى مَنْ تَنَاوَلَهُ " مَنْ ".
١٠٦٤ - وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ بِالْإِصَابَةِ صَارَ الْأَسِيرُ مَمْلُوكًا لَهُمْ. حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا لِبَعْضِهِمْ عَتَقَ حِصَّتُهُ مِنْهُ. وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ عَتَقَ حِصَّتُهُ. لِأَنَّ الْإِمَامَ حِينَ خَصَّ الْمُصِيبَ بِالْمُصَابِ فَذَلِكَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصِيبَ الْأَسِيرَ جَمَاعَةٌ وَبَيْنَ أَنْ يُصِيبَ الْوَاحِدُ، فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ. فَكَذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ.
١٠٦٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُمْ: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَعْتِقْ الْأَسِيرُ بِإِعْتَاقِ أَحَدِهِمْ إيَّاهُ وَلَا بِقَرَابَتِهِ مِنْهُ.
لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْقِسْمَةِ مِنْ الْإِمَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصِيبَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُصَابِ، وَلَكِنْ مَا يُصِيبُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَكُونُ بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ، وَبِدُونِ الْقِسْمَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ.
يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَخْتَصُّ الْمُصِيبُ بِالْمُصَابِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ فَتِلْكَ الْإِصَابَةُ فِي مَعْنَى الِاصْطِيَادِ. فَكَمَا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الصَّيْدِ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ، لِلْوَاحِدِ كَانَ أَوْ لِلْجَمَاعَةِ، فَكَذَلِكَ الْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلسَّرِيَّةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْإِصَابَةِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ الْمُصِيبُ بِالْمُصَابِ وَلَكِنْ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَصْحَابُهُ. فَتِلْكَ الْإِصَابَةُ فِي مَعْنَى إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ. وَمُجَرَّدُ الْأَخْذِ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَكَذَلِكَ مَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ.
[ ٦٥٢ ]
وَلَوْ بَعَثَ الْأَمِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثَلَاثَةً طَلِيعَةً، وَنَفَّلَ لَهُمْ الرُّبْعَ مِمَّا يُصِيبُونَ، فَأَصَابُوا أَسِيرًا، ثُمَّ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ أَوْ كَانَ (ص ٢٢٠) قَرِيبًا مِنْهُ، لَمْ يَعْتِقْ.
لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ وَأَرْبَابَ الْخَمْسِ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُصَابِ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا.
أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ الْبَيْعِ وَقِسْمَةَ الثَّمَنِ، وَأَنَّ نَصِيبَهُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ بِالْقِسْمَةِ.
١٠٦٧ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُمْ: لَكُمْ مَا أَصَبْتُمْ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، عَتَقَ الْمُصَابُ بِإِعْتَاقِ أَحَدِهِمْ أَوْ بِقَرَابَتِهِ مِنْهُ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَعْتِقُ.
لِأَنَّ بِهَذَا التَّنْفِيلِ لَا يَخْتَصُّ الْمُصِيبُ بِالْمُصَابِ، وَلَكِنْ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَصْحَابُهُ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ السَّرِيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ نَقُولُ قَدْ ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ لَهُمْ بِالْمُصَابِ بِسَبَبِ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِمَامِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَالْمَوْجُودِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ، يَثْبُتُ لَهُمْ الْمِلْكُ حَتَّى يَنْفُذَ الْعِتْقُ فِيهِ مِنْ بَعْضِهِمْ.
وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَسَّمَ الْإِمَامُ الْغَنِيمَةَ عَلَى الرَّايَاتِ بَيْنَ الْعُرَفَاءِ، ثُمَّ أَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ رَايَةٍ عَبْدًا مِمَّا أَصَابَ أَهْلُ تِلْكَ الرَّايَةِ، قَبْلَ أَنْ يُقَسِّمَ الْعَرِيفُ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ.
وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ أَنَّ الشُّرَكَاءَ مَتَى قَلُّوا فَالشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ تَكُونُ شَرِكَةً خَاصَّةً. وَهِيَ لَا تَمْنَعُ الْمِلْكَ لَهُمْ فِي الْمُشْتَرَكِ، بِمَنْزِلَةِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْمِيرَاثِ.
[ ٦٥٣ ]
وَعِنْدَ الْكَثْرَةِ الشَّرِكَةُ عَامَّةٌ، فَيَمْنَعُ ذَلِكَ ثُبُوتَ الْمِلْكِ. بِمَنْزِلَةِ شَرِكَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَشَرِكَةِ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا: قَدْ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا كُلَّهَا مُحْتَمَلَةً.
١٠٦٨ - أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ جَازَ عِتْقُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا تِسْعَةً فَصَاعِدًا لَمْ يَجُزْ. لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ تِسْعَةً سَرِيَّةً.
وَلِأَنَّ الْجَمْعَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ جَمْعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَالتِّسْعَةُ تَكُونُ جَمْعَ الْجَمْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ جَازَ عِتْقُهُمْ.
لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إنَّمَا أَظْهَرَ الدُّعَاءَ إلَى الدِّينِ بِمَكَّةَ حِينَ تَمُّوا أَرْبَعِينَ بِإِسْلَامِ عُمَرَ - ﵁ -.
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْأَرْبَعِينَ أَهْلُ عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ. فَقَدْ كَانَ «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ الرَّجُلَيْنِ إلَيْك» . وَالْعِزَّةُ وَالْمَنَعَةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ جَازَ عِتْقُهُمْ.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ
[ ٦٥٤ ]
يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] فَكُلُّ هَذَا مُحْتَمَلٌ، إنْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ وَسِعَهُ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ فِيهِ. وَأَمَّا أَنَا فَلَسْت أُوَقِّتُ فِي ذَلِكَ وَقْتًا، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إنْ كَانُوا قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ جَازَ الْعِتْقُ، وَإِلَّا فَلَا.
لِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا نَصٌّ. وَالْمَنَعَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ، فَالسَّبِيلُ أَنْ يُفَوَّضَ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ لِيَحْكُمَ بِرَأْيِهِ فِيهِ. هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ إلَى مَعَانِي الْفِقْهِ.
وَهَذَا نَظِيرُ مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرِكَةِ الْخَاصَّةِ فِي النَّهْرِ وَالشَّرِكَةِ الْعَامَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ. فَكُلُّ فَصْلٍ ذَكَرْنَاهُ ثَمَّةَ فَإِنَّهُ يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِهِ هُنَا.
ثُمَّ فِي كُلِّ فَصْلٍ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَنْفُذُ الْعِتْقُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ مِنْ الْأُسَرَاءِ. لِأَنَّهُمْ قَدْ مُلِكُوا فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ الْمَقْسُومَةِ.
وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْعُرَفَاءِ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ. وَهَذَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَا يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ الْأُولَى، وَهِيَ قِسْمَةُ الْجُمَلِ. وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْقِسْمَةُ بَيْنَ الْأَفْرَادِ بَعْدُ.
١٠٦٩ - وَإِنْ كَانَ الْعَدَدُ الْقَلِيلُ بَعَثَهُمْ الْإِمَامُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ ثُمَّ أَعْتَقَ بَعْضُهُمْ الرَّقِيقَ فَعِتْقُهُ بَاطِلٌ فِي الْقِيَاسِ.
لِأَنَّ الْمُصَابَ هُنَا غَنِيمَةٌ.
أَلَا تَرَى (ص ٢٢١) أَنَّهُمْ لَوْ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ شَارَكُوهُمْ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَلِأَنَّ أَرْبَابَ الْخُمُسِ شُرَكَاؤُهُمْ، وَالْإِمَامُ رَأَى
[ ٦٥٥ ]
بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، فَلَا يَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ نَصِيبُ مَنْ أَعْتَقَ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُهُ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ.
لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ شَرِكَةٌ خَاصَّةٌ، لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وَقَدْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ بِالْإِحْرَازِ حَسَبَ مَا يَتَأَكَّدُ حَقُّ الطَّلِيعَةِ الْمَبْعُوثَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالْإِصَابَةِ، بَعْدَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ. فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ يَنْفُذُ الْعِتْقُ هَا هُنَا يَنْفُذُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبْعُوثَ لَوْ كَانَ رَجُلًا وَاحِدًا فَأَعْتَقَ السَّبْيَ، أَوْ كَانُوا أَقْرِبَاءَهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ، لَمْ يَشْكُلْ أَنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ.
١٠٧٠ - وَإِنْ كَانَ لَوْ أَعْتَقَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ.
لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَتَأَكَّدْ فِيهِمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ.
ثُمَّ بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ إنْ كَانَ الْمَبْعُوثُ رَجُلًا وَاحِدًا فَهُوَ ضَامِنٌ الْخُمُسَ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ إنْ كَانَ مُوسِرًا. وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا نَفَرًا فَهُوَ ضَامِنٌ نَصِيبَ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ أَعْتَقَهُ. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الرَّقِيقُ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِهِ. كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ.
وَأَمَّا فِي حِصَّةِ الْخُمُسِ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَسْتَسْعِيَهُمْ.
لِأَنَّ الْخُمُسَ لِلْمُحْتَاجِينَ، وَلَا حَاجَةَ أَظْهَرُ مِنْ حَاجَةِ الْمُعْتَقِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا حَتَّى يَلْزَمَهُمْ السِّعَايَةُ. فَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ حِصَّةَ الْخُمُسِ لَهُمْ.
[ ٦٥٦ ]
وَعَلَى هَذَا لَوْ جَاءُوا بِرِجَالٍ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ.
لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْمُصَابِ خَاصَّةٌ بَيْنَ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ. وَقَدْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ بِالْإِحْرَازِ.
وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ.
لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَتَأَكَّدْ بِالْإِصَابَةِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَالْمُصَابُ غَنِيمَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
[ ٦٥٧ ]