٧٦٦ -
[ ٥٠١ ]
بَابُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَكُونُ أَمَانًا أَوْ لَا يَكُونُ فَإِذَا أَخَذَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَطَلَبَ الْأَسِيرُ مِنْهُ الْأَمَانَ فَآمَنَهُ، فَهُوَ آمِنٌ لَا يَحِلُّ لَهُ وَلَا لِلْأَمِيرِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ.
لِأَنَّ أَمَانَ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ نَافِذٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ. فَكَأَنَّ الْأَمِيرَ هُوَ الَّذِي آمَنَهُ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَأْخُوذٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْطُلُ بِأَمَانِ الْوَاحِدِ الْحَقُّ الثَّابِتُ لِجَمَاعَتِهِمْ. وَأَمْنًا مِنْ الْقَتْلِ بِسَبَبِ الْأَمَانِ لَا يَكُونُ فَوْقَ أَمَانِهِ مِنْ الْقَتْلِ بِالْإِسْلَامِ.
٧٦٧ - وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَا أُسِرَ لَمْ يُقْتَلْ، وَلَكِنْ يَكُونُ فَيْئًا، فَكَذَلِكَ إذَا آمَنَهُ بَعْدَ الْأَسْرِ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّقِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ مَا لَمْ يُقْسَمْ. وَإِسْلَامُ الرَّقِيقِ لَا يُزِيلُ الرِّقَّ عَنْهُ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ الْأَخْذِ لَا يُبْطِلُ الْحَقَّ الثَّابِتَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ «حَدِيثُ الْعَبَّاسِ - ﵁ -. فَإِنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ مَا أُسِرَ. وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: قَدْ قَتَلْنَا الرِّجَالَ وَأَسَرْنَاهُمْ، فَنَتْبَعُ الْعِيرَ الْآنَ. فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ قَالَ
[ ٥٠٢ ]
الْعَبَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي وَثَاقِ الْأَسْرِ: هَذَا لَا يَصْلُحُ. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَك إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ. وَقَدْ أَنْجَزَهَا لَك فَارْجِعْ سَالِمًا» .
فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ إسْلَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْفِدَاءِ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى إنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الْآيَةَ.
٧٦٨ - فَإِنْ قَالَ: لَا أُسْلِمُ، وَلَكِنْ أَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ. فَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ ذَلِكَ وَيَقْتُلَهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَأْخُوذًا مَقْهُورًا. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ الْإِجَابَةُ إلَى إعْطَاءِ الذِّمَّةِ فِي حَقِّ مِثْلِهِ.
٧٦٩ - فَإِنْ كَانَ حِينَ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ خَافُوا أَنْ يُسْلِمَ فَكَعَمُوهُ - أَيْ سَدُّوا فَمَه، وَالْكِعَامُ اسْمٌ لِمَا يُسَدُّ بِهِ الْفَمُ.
أَوْ ضَرَبُوهُ حَتَّى يَشْتَغِلَ بِالضَّرْبِ فَلَا يُسْلِمُ، فَقَدْ أَسَاءُوا فِي ذَلِكَ.؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمْ فِي صُورَةِ الْمَنْعِ عَنْ الْإِسْلَامِ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ. وَلَكِنَّهُمْ إنْ كَعَمُوهُ كَيْ لَا يَنْفَلِتَ وَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْإِسْلَامِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]
[ ٥٠٣ ]
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَعَمُوهُ حَتَّى لَا يُسْلِمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُفْرًا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ رَضَوْا بِكُفْرِهِ، وَمَنْ رَضِيَ بِكُفْرِ غَيْرِهِ يَكْفُرُ.
قُلْنَا: لِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُسْلِمُ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ تَقِيَّةً لِيَنْجُوَ مِنْ الْقَتْلِ. فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُمْ بِكُفْرِهِ.
وَالثَّانِي أَنَّ مَقْصُودَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الِانْتِقَامُ مِنْهُ وَالتَّشْدِيدُ عَلَيْهِ، لِكَثْرَةِ مَا آذَاهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الرِّضَى بِكُفْرِهِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] يَتَّضِحُ لَهُ هَذَا الْمَعْنَى.
وَأَيَّدَ هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ عُثْمَانَ - ﵁ - جَاءَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ (ص ١٦٩) يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. حَتَّى جَاءَ إلَى كُلِّ جَانِبٍ هَكَذَا، فَقَالَ: بَايَعْنَاهُ فَلْيَنْصَرِفْ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَقُومُ إلَيْهِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ أُبَايِعَهُ؟ فَقَالُوا: أَهَلَّا أَوْمَأَتْ إلَيْنَا بِعَيْنِك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» .
وَأَحَدٌ لَا يَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَرْضَى بِكُفْرِهِ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ فِي ذَلِكَ تَقِيَّةً. فَلِهَذَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَقَالَ مَا قَالَ.
٧٧٠ - وَلَوْ أَنَّ الْأَسِيرَ قَالَ لِلْمُسْلِمِ حِينَ أَرَادَ قَتْلَهُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. وَإِنَّمَا أَرَادَ رَدَّ كَلَامِهِ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلَى هَذَا. فَهَذَا فِي حَقِّهِ حَلَالُ الدَّمِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ. وَلَكِنْ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَمْنَعُهُ مِنْ قَتْلِهِ، وَلَا يُصَدِّقُهُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ مُرَادِهِ.
[ ٥٠٤ ]
لِأَنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ أَمَانٌ، وَلَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِمَا أَرَادَ. إلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي ضَمِيرِهِ فَلَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. فَأَمَّا الْأَمِيرُ وَالنَّاسُ يَتَتَبَّعُونَ الظَّاهِرَ فَلَا يُمَكِّنُونَهُ مِنْ قَتْلِهِ بَعْدَ مَا آمَنَهُ. وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمِيرِهِ.
٧٧١ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ تَطْلُبُ؟ أَوْ قَالَ: لَا تُعَجِّلْ حَتَّى تَنْظُرَ مَا تَلْقَى. فَهَذَا لَا يَكُونُ أَمَانًا، وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.
لِأَنَّ فِي سِيَاقِ كَلَامِهِ تَنْصِيصًا عَلَى مَعْنَى التَّهْدِيدِ، وَسِيَاقُ النَّظْمِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] أَنَّهُ زَجْرٌ وَتَوْبِيخٌ لَا تَخْيِيرٌ بِاعْتِبَارِ سِيَاقِ الْكَلَامِ؟
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] تَهْدِيدٌ وَلَيْسَ بِأَمْرٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ فِي مَالِي مَا شِئْت إنْ كُنْت رَجُلًا، أَوْ افْعَلْ بِي مَا شِئْت إنْ كُنْت صَادِقًا، لَا يَكُونُ إذْنًا بَلْ يَكُونُ زَجْرًا وَتَقْرِيعًا. فَكَذَلِكَ هَا هُنَا إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ، سَتَعْلَمُ أُؤَمِّنُكَ أَوْ لَا، تَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ رَدَّ كَلَامِهِ.
٧٧٢ - وَإِذَا قَالَ: الْأَمَانَ وَسَكَتَ. لَا يُعْلَمُ مَا فِي ضَمِيرِهِ فَجُعِلَ ذَلِكَ أَمَانًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ.
بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ فِي مَالِي كَذَا وَكَذَا، يَكُونُ إذْنًا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ التَّهْدِيدَ، لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ.
[ ٥٠٥ ]
وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكَ نَادَى مِنْ الْحِصْنِ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. فَرَمَى بِنَفْسِهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَقَالَ الَّذِي آمَنَهُ: إنَّمَا أَرَدْت التَّهْدِيدَ، لَا يُلْتَفَتُ إلَى كَلَامِهِ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ أَوْ غَيْرُهُ.
لِأَنَّ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يَعْرِفُهُ الْمُشْرِكُ. فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ أَدَّى إلَى الْغُرُورِ وَهَذَا حَرَامٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَسِيرَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْهُورًا مَأْخُوذًا. فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْغُرُورِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فَيُعْتَبَرُ مَا فِي ضَمِيرِهِ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً.
٧٧٤ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَالَ لِلْمَحْصُورِ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ، مَا أَبْعَدَك عَنْ ذَلِكَ أَوْ انْزِلْ إنْ كُنْت رَجُلًا. فَأَسْمَعَهُ الْكَلَامَ كُلَّهُ بِلِسَانِهِ، فَرَمَى الْمُشْرِكُ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ فَيْءٌ يَجُوزُ قَتْلُهُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يُغْرِهِ فِي شَيْءٍ، فَقَدْ أَسْمَعَهُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ، وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ كَلَامَهُ تَهْدِيدٌ وَلَيْسَ بِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ لِآخَرَ: لِي عَلَيْكُمْ أَلْفُ دِرْهَمٍ.
فَيَقُولُ الْآخَرُ: لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ مَا أَبْعَدَك مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامُهُ إقْرَارًا لِهَذَا الْمَعْنَى. فَأَمَّا إذَا أَسْمَعَهُ ذِكْرَ الْأَمَانِ وَلَمْ يُسْمِعْهُ مَا وَصَلَ بِهِ فَهُوَ آمِنٌ، لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ مَا أَسْمَعَهُ دُونَ مَا لَمْ يُسْمِعْهُ. وَمَا لَمْ يُسْمِعْهُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَوْ اُعْتُبِرَ أَدَّى إلَى الْغُرُورِ، وَالْغُرُورُ حَرَامٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص ١٧٠)