ُ ١١٢١ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَبَرَزَ عِلْجٌ لِلْقِتَالِ، وَخَرَجَ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَبَانَهُ عَنْ فَرَسِهِ وَأَخَذَ فَرَسَهُ وَجَرَّهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ حَيًّا، فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَقَدْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، إلَّا أَنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ضَرْبَتِهِ، فَلَهُ السَّلَبُ وَالْفَرَسُ وَالسِّلَاحُ مِنْ جُمْلَةِ السَّلَبِ.
لِأَنَّهُ صَارَ قَاتِلًا لَهُ حِينَ مَاتَ مِنْ ضَرْبَتِهِ. وَفِيمَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ الْمَقْتُولُ بِضَرْبَتِهِ فِي الْحَالِ وَبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ مِنْهَا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَكَذَلِكَ فِيمَا يَجِبُ لَهُ بِالْقَتْلِ.
- وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ مَاتَ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهَا، مَا لَمْ يُقْسَمْ. فَأَمَّا إذَا قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ أَوْ بِيعَتْ وَالرَّجُلُ حَيٌّ بَعْدُ فَإِنَّ سَلَبَهُ يُقْسَمُ فِي الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِ لِلْقَاتِلِ لَمْ يَتِمَّ بَعْدُ وَهُوَ الْقَتْلُ. فَإِنَّ تَمَامَ الْقَتْلِ لَا يَكُونُ بِدُونِ الْمَوْتِ، وَالرَّجُلُ حَيٌّ بَعْدُ. وَسَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّ الْغَانِمِينَ
[ ٦٧٧ ]
فِيهِ قَدِيمٌ وَهُوَ الِاغْتِنَامُ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ. وَبِالْقِسْمَةِ يَتَعَيَّنُ الْمِلْكُ، فَمِنْ ضَرُورَتِهِ إبْطَالُ حَقِّ حُكْمِ التَّنْفِيلِ (ص ٢٢٨) فِيهِ. وَبَعْدَ مَا نَفَذَ الْحُكْمُ مِنْ الْإِمَامِ بِإِبْطَالِ التَّنْفِيلِ فِيهِ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِالتَّنْفِيلِ وَإِنْ تَمَّ السَّبَبُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَا تُؤَخَّرُ الْغَنِيمَةُ وَالْبَيْعُ فِي السَّلَبِ حَتَّى نَنْظُرَ إلَى مَاذَا يَئُولُ حَالُ الرَّجُلِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْقِسْمَةِ وَهُوَ الِاغْتِنَامُ قَدِيمٌ فِيهِ، فَلَا يُؤَخَّرُ الْحُكْمُ الَّذِي يَثْبُتُ بِتَقْرِيرِ سَبَبِهِ لِأَجَلٍ مَوْهُومٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَضْرُوبَ نَفْسَهُ يُقْسَمُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَكَيْفَ لَا يُقْسَمُ سَلَبُهُ؟ فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ مُنْتَظِرٌ لِأَحَدٍ، فَأَمَّا فِي السَّلَبِ فَحَقٌّ مُنْتَظِرٌ لِلْقَاتِلِ، فَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ مِنْهُ. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السَّبَبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَوْتِ الْمَضْرُوبِ. ثُمَّ لَا يَتَأَخَّرُ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ لِحَقٍّ أَقْوَى مِنْ هَذَا، وَهُوَ حَقُّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي الْمَأْسُورِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لَوْ جَاءَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ. ثُمَّ لَا تُؤَخَّرُ الْقِسْمَةُ وَالْبَيْعُ لِحَقِّهِ؛ فَلَأَنْ لَا يُؤَخِّرَهَا هَهُنَا لِحَقِّ الضَّارِبِ، وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَالِ، كَانَ أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إذَا مَاتَ الْمَضْرُوبُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْقَاتِلِ حَقُّ أَخْذِ السَّلَبِ بِالْقِيمَةِ، كَمَا فِي الْمَأْسُورِ إذَا جَاءَ الْمَوْلَى بَعْدَ الْقِسْمَةِ. قُلْنَا: هُنَاكَ الْمِلْكُ كَانَ ثَابِتًا لِلْمَوْلَى فِي الْأَصْلِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ عَلَى وَجْهِ الْفِدَاءِ لِذَلِكَ الْمِلْكِ، وَهَا هُنَا الْمِلْكُ لِلضَّارِبِ فِي السَّلَبِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَطُّ لِيَفْدِيَهُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً بِسَبَبِ التَّنْفِيلِ إنْ لَوْ مَاتَ الْمَضْرُوبُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ حَقِّهِ لِانْعِدَامِ مَحَلِّهِ. فَإِنَّمَا وِزَانُ هَذَا مِنْ الْمَأْسُورِ إنْ لَوْ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ بِالْعَبْدِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ. وَهُنَاكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى حَقُّ الْأَخْذِ مِنْهُ لِانْعِدَامِ مَحَلِّهِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ السَّلَبِ.
[ ٦٧٨ ]
- وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ حِينَ رُمِيَ بِهِ عَنْ فَرَسِهِ اجْتَرَّهُ الْمُشْرِكُونَ فَذَهَبُوا بِهِ حَيًّا فَلَا شَيْءَ لِلضَّارِبِ مِنْ فَرَسِهِ وَسَلَبِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ مِنْ ضَرْبَتِهِ.
لِأَنَّ تَمَامَ السَّبَبِ بِهِ يَكُونُ، فَالِاسْتِحْقَاقُ يَثْبُتُ لَهُ ابْتِدَاءً، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّيَقُّنِ بِالسَّبَبِ، وَلَا يَكْفِي وُجُودُهُ ظَاهِرًا، بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ عِتْقٌ أَوْ طَلَاقٌ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِهِ لَا يَنْزِلُ الْجَزَاءُ. وَإِنَّمَا طَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ السَّلَبَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِمْ. فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَوْتِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
- فَأَمَّا إذَا مَاتَ الْمَضْرُوبُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ مِنْ السَّلَبِ شَيْءٌ وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ.
لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بِنُفُوذِ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ مِنْ الْإِمَامِ فِيهِ. .
١١٢٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ: وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بِيعَتْ الْغَنَائِمُ ثُمَّ مَاتَ الْمَضْرُوبُ اسْتَحَقَّ الْمِائَةَ هَا هُنَا، مَا لَمْ يُقْسَمْ الثَّمَنُ. أَمَّا إذَا قُسِمَ الثَّمَنُ أَوْ قُسِمَتْ الْغَنِيمَةُ ثُمَّ مَاتَ الْمَضْرُوبُ فَلَا نَفْلَ لَهُ.
لِأَنَّ مَحَلَّ حَقِّهِ الْغَنِيمَةُ هَا هُنَا. وَبِالْبَيْعِ لَا يَفُوتُ هَذَا الْمَحَلُّ. فَإِنَّ الثَّمَنَ غَنِيمَةٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَبِيعِ يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. فَأَمَّا بِالْقِسْمَةِ يَفُوتُ مَحَلُّ حَقِّهِ فَيَبْطُلُ نَفْلُهُ. وَفِي الْأَوَّلِ مَحَلُّ حَقِّهِ السَّلَبُ، وَهُوَ يَفُوتُ بِالسَّلَبِ.
فَإِنَّ الثَّمَنَ لَيْسَ مِنْ السَّلَبِ فِي شَيْءٍ، فَفِي هَذَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
[ ٦٧٩ ]