وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ رَجُلٌ أَجِيرًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ فَلَهُ سَلَبُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يُبَاحُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ. وَقَتْلُ الْأَجِيرِ مِنْهُمْ مُبَاحٌ، لِأَنَّ لَهُ بِنْيَةً صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، وَهُوَ يُقَاتِلُ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ. وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ الْقَاتِلُ مِنْ الْقِتَالِ بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ يُهَيِّئُ لَهُ أَسْبَابَ ذَلِكَ ١٢٢٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ. قَتَلَ تَاجِرًا مِنْهُمْ، أَوْ عَبْدًا كَانَ مَعَ مَوْلَاهُ يَخْدُمُهُ، أَوْ رَجُلًا كَانَ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِهِمْ، أَوْ ذِمِّيًّا نَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِهِمْ.
لِأَنَّ قَتْلَ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ مُبَاحٌ. .
١٢٢٥ - وَلَوْ قَتَلَ امْرَأَةً مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهَا.
لِأَنَّ قَتْلَ النِّسَاءِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا. عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ فَقَالَ: هَاهْ مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يُرِدْ بِكَلَامِهِ التَّحْرِيضَ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ.
إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ تُقَاتِلُ فَحِينَئِذٍ لَهُ سَلَبُهَا.
[ ٧١٦ ]
لِأَنَّ قَتْلَهَا مُبَاحٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - اسْتَعْظَمَ قَتْلَهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تُقَاتِلُ. .
١٢٢٦ - وَكَذَلِكَ الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ إنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَلَيْسَ لَهُ سَلَبُهُ.
لِأَنَّ قَتْلَ الصِّبْيَانِ مِنْهُمْ لَا يَحِلُّ. فَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بِالتَّحْرِيضِ. إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ. فَحِينَئِذٍ يُبَاحُ قَتْلُهُ، وَلِلْقَاتِلِ سَلَبُهُ. .
١٢٢٧ - وَلَوْ قَتَلَ مَرِيضًا أَوْ مَجْرُوحًا مِنْهُمْ فَلَهُ سَلَبُهُ. سَوَاءٌ كَانَ يَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ.
لِأَنَّهُ مُبَاحُ الْقَتْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ. فَإِنَّهُ يُقَاتِلُ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقِتَالِ بِنَفْسِهِ فِي الْحَالِ لِمَا بِهِ مِنْ الْمَرَضِ. .
١٢٢٨ - فَإِنْ قَتَلَ شَيْخًا مِنْهُمْ. فَإِنْ كَانَ شَيْخًا فَانِيًا لَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ قِتَالٌ بِنَفْسِهِ وَلَا بِرَأْيِهِ وَلَا يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.
لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ.
وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ أَوْ كَانَ لَهُ فِي الْحَرْبِ رَأْيٌ فَهَذَا يُبَاحُ قَتْلُهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَلَكِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ. فَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلِقَاتِلِهِ سَلَبُهُ. .
١٢٢٩ - وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.
[ ٧١٧ ]
لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُبَاحَ الْقَتْلِ وَلَكِنَّ سَلَبَهُ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ. لِأَنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِ، وَمَالُ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ كَأَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ.
١٢٣٠ - فَإِنْ كَانَ السَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ لِلْمُشْرِكِينَ أَعَارُوهُ إيَّاهُ فَذَلِكَ لِلَّذِي قَتَلَهُ.
لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ السَّلَبِ غَنِيمَةٌ. وَهُوَ مُبَاحُ الْقَتْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيَدْخُلُ فِي تَحْرِيضِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَمَدَ لَهُ نَفْسُهُ فَقَالَ: إنْ قَتَلْتَهُ فَلَكَ سَلَبُهُ، اسْتَحَقَّ ذَلِكَ.
فَكَذَلِكَ إذَا عَمَّ بِهِ. .
١٢٣١ - وَلَوْ قَتَلَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً، وَسَلَبُهُ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّلَبُ لِلْقَتِيلِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاغْتِنَامِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ أَصْلًا. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ مِلْكًا أَوْ عَارِيَّةً. .
١٢٣٢ - وَلَوْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَعْلَمُ أَنَّ سَلَبَهُ لِرَجُلٍ آخَرَ مِنْهُمْ، أَوْ امْرَأَةٍ، أَوْ شَيْخٍ، أَوْ صَبِيٍّ، فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ.
لِأَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ مُبَاحُ الْقَتْلِ. وَالسَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ مَحَلُّ الِاغْتِنَامِ لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ، فَيَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ بِالتَّنْفِيلِ.
١٢٣٣ - وَلَوْ كَانَ السَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ غَيْرِ نَاقِضٍ لِلْعَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.
[ ٧١٨ ]
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاغْتِنَامِ. وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُسْلِمُ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ.
١٢٣٤ - فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ، فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ -.
لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ يَصِيرُ مَالُهُ مَعْصُومًا فِي الْإِثْمِ دُونَ الْحُكْمِ (ص ٢٤٢)، بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ. فَأَمَّا التَّقَوُّمُ وَالْعِصْمَةُ عَنْ الِاغْتِنَامِ فَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ إلَى دَارِنَا وَتَرَكَ أَمْوَالَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ فَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَعَقَارُهُ وَعُرُوضُهُ فَيْءٌ، إلَّا مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْهُ. لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرَزًا لِسَبْقِ يَدِهِ إلَيْهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا أَعَارَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ الْمَقْتُولِ. فَلِهَذَا اسْتَحَقَّهُ الْقَاتِلُ بِالتَّنْفِيلِ.
١٢٣٥ - وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَرْبِيُّ أَخَذَ هَذَا السَّلَبَ غَصْبًا فَقَتَلَهُ هَذَا الْمُسْلِمُ كَانَ لَهُ سَلَبُهُ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَدَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، حَتَّى يَصِيرَ مُحْرَزًا لَهُ بِهَا فَيَكُونُ مَحَلُّ الِاغْتِنَامِ.
١٢٣٦ - وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ هَذَا الْمُسْلِمِ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ فَأُخِذَ كَانَ فَيْئًا.
لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ حَتَّى قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهِ يَدٌ مُحْرَزَةٌ لَهُ، فَيَكُونُ فَيْئًا كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَهَذَا وَغَاصِبُ السَّلَبِ سَوَاءٌ.
[ ٧١٩ ]
فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ إنَّمَا غَصَبَ السَّلَبَ مِنْ مُسْلِمٍ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ.
لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ بِالْغَصْبِ صَارَ مُحْرِزًا لِمَالِ الْمُسْلِمِ. وَهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِالْإِحْرَازِ، فَيَصِيرُ لِلْقَاتِلِ بِالتَّنْفِيلِ. إلَّا أَنَّ لِصَاحِبِ السَّلَبِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُمْ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ، لِأَنَّ التَّنْفِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ حِينَ اخْتَصَّ الْمُنَفَّلُ لَهُ بِمِلْكِهِ. وَالْمَالِكُ الْقَدِيمُ إذَا وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ فَهَذَا قِيَاسُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
[ ٧٢٠ ]