- قَالَ: وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ أَصَابُوا غَنَائِمَ فَعَجَزُوا عَنْ حَمْلِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَرَادَ الْأَمِيرُ إحْرَاقَهَا أَوْ تَرْكَهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: مَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. فَهَذَا جَائِزٌ. وَمَنْ تَكَلَّفَ مِنْهُمْ فَأَخْرَجَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ.
لِأَنَّ هَذَا تَنْفِيلٌ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا كَرِهْنَا التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ بَعْضِ الْغَانِمِينَ بَعْدَ مَا ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِي الْمُصَابِ. وَالْإِبْطَالُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْحِفْظِ، وَتَأْكِيدِ حَقِّهِمْ بِالْإِخْرَاجِ. فَأَمَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَكُونُ إبْطَالًا لِحَقِّ أَحَدٍ.
يُوضِحُهُ أَنَّ لَهُ إحْرَاقَ الْجَمَادَاتِ (ص ٢٦٦) مِنْهَا وَذَبْحَ الْحَيَوَانَاتِ، ثُمَّ الْإِحْرَاقُ أَوْ تَرْكُهَا فِي مَضْيَعَةٍ. وَفِي ذَلِكَ إبْطَالُ حَقِّ الْكُلِّ. فَمِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ ذَلِكَ جَوَازُ إبْطَالِ حَقِّ الْبَعْضِ بِتَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ.
وَلِأَنَّ فِي الْإِحْرَاقِ إبْطَالَ حَقٍّ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي التَّنْفِيلِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى بَعْضِهِمْ. فَكَانَ الْمِيلُ إلَى هَذَا الْجَانِبِ أَوْلَى
- فَأَمَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِخْرَاجِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الْقِسْمَةِ
[ ٧٩٣ ]
فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إيصَالِ الْمَنْفَعَةِ إلَى جَمَاعَتِهِمْ. فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّ بَعْضِهِمْ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عِنْدَ الْعَجْزِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ بَعْدَ الْخُمُسِ. أَوْ قَالَ: فَلَهُ نِصْفُ مَا أَخَذَ قَبْلَ الْخُمُسِ أَوْ بَعْدَهُ. فَذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ. يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى النَّظَرِ، ثُمَّ الْقِسْمَةُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الْأَمِيرُ بِالتَّنْفِيلِ.
وَإِنْ أَحَدٌ وَجَدَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ عِلْمٌ بِهِ مِنْ جَوْهَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ صِحَّةَ هَذَا التَّنْفِيلِ لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنْ الْإِحْرَازِ. وَالثَّابِتِ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوَاضِعَهَا، فَلَا يُتَنَاوَلُ هَذَا التَّنْفِيلُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ الضَّرُورَةُ.
- وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ثَبَتَ فِيمَا لَمْ يَأْخُذُوهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، حَتَّى إذَا مَرُّوا بِبِنَاءٍ مِنْ بِنَائِهِمْ فِيهِ السِّلَاحُ وَالرُّخَامُ وَمَاءُ الذَّهَبِ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِهِ وَإِخْرَاجِهِ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَذَلِكَ صَحِيحٌ. وَمَنْ خَرَّبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَأَخْرَجَهُ اخْتَصَّ بِهِ.
لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى هَدْمِهِ فَقَدْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ إخْرَاجِهِ.
[ ٧٩٤ ]
وَلَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُ فَيَصِحُّ تَنْفِيلُ أَمِيرِهِمْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْدَرُ عَلَى حَمْلِهِ بَعْدَ الْهَدْمِ أَوْ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ مِنْ الْأَمِيرِ قَبْلَ الْهَدْمِ، وَإِنَّمَا صَارَ بِحَيْثُ يُقْدَرُ عَلَى حَمْلِهِ بِمَا أُحْدِثَ فِيهِ مِنْ الْهَدْمِ بَعْدَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ.
- إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَوْضُوعًا نَائِيًا عَنْ الْبِنَاءِ يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِ حِينَ نَفَلَ الْإِمَامُ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ، فَإِنْ ذَلِكَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ.
- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يُنَفِّلْ أَحَدًا وَلَكِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِإِحْرَاقِ ذَلِكَ، فَتَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ إخْرَاجَهَا عَلَى دَوَابِّهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَذَلِكَ يُخَمَّسُ وَيُقَسَّمُ بَيْنَ جَمِيعِ السَّرِيَّةِ.
لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْبَعْضِ بِتَنْفِيلِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُوجَدْ، إنَّمَا الْمَوْجُودُ الْأَمْرُ بِالْإِحْرَاقِ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِشَيْءٍ، وَأَدْنَى الدَّرَجَاتِ أَنَّ الَّذِي أَخْرَجَ أَحْيَا بِفِعْلِهِ مَا كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ مِمَّا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِقَطْعِ الشِّرْكَة وَتَخْصِيصِهِ بِهِ.
- وَلَوْ قَسَّمَ مَا أَصَابَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، أَوْ بَاعَهُ مِنْ التُّجَّارِ، أَوْ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَحِقَهُمْ الْعَدُوُّ، وَابْتُلُوا بِالْهَرَبِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّقُوا ذَلِكَ بِالنَّارِ لِيَنْقَطِعَ مَنْفَعَةُ الْعَدُوِّ عَنْهُ. فَإِنَّ فِي ذَلِكَ
[ ٧٩٥ ]
مَعْنَى الْكَبْتِ لَهُمْ. وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لِلْغُزَاةِ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِمَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهِ الْعَدُوُّ، كَمَا فَعَلَهُ جَعْفَرٌ فَإِنَّهُ حِينَ أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ عَقَرَ فَرَسَهُ.
فَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِيمَا أَخَذُوا مِنْ أَمْتِعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَ أَوْلَى.
- فَإِنْ نَبَذُوا ذَلِكَ لِيُحَرِّقُوهُ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَأَخَذَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْمُهْلِكَةِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ مَرْدُودٌ إلَى أَهْلِهِ.
لِأَنَّهُ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ قَدْ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ فِيهِ.
- وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ التَّنْفِيلِ فِي أَمْلَاكِ النَّاسِ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ الْحَقُّ فِيهِ لَهُمْ عَلَى وَجْهٍ يُورَثُ عَنْهُمْ، فَلَا يَبْقَى لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ التَّنْفِيلِ أَصْلًا. بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ. فَالثَّابِتُ هُنَاكَ حَقٌّ ضَعِيفٌ (ص ٢٦٧) ثَبَتَ بِالْإِحْرَازِ بِالْيَدِ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالْإِلْقَاءِ لِلْإِحْرَاقِ، فَيُلْتَحَقُ هَذَا التَّنْفِيلُ بِالتَّنْفِيلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ. فَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ فَالْحَقُّ قَدْ يَتَأَكَّدُ بِتَمَامِ السَّبَبِ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْإِلْقَاءِ لِلْإِحْرَاقِ. فَلَا يَكُونُ لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ التَّنْفِيلِ. وَهَذَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ. وَالْبَيْعِ أَظْهَرُ.
لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهِ.
[ ٧٩٦ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ طَرَحُوا ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَفْطِنْ بِهَا أَهْلُ الْحَرْبِ حَتَّى دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخْرَجُوهَا، وَأَخَذَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذُوهَا مِنْهُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى حَقٌّ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّتِي لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ.
وَلَوْ طَرَحُوهَا لِلْإِحْرَاقِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ ثُمَّ تَرَكُوهَا مَخَافَةَ الْعَدُوِّ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمُشْرِكُونَ حَتَّى جَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذُوهَا وَأَخْرَجُوهَا فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى الْمُلَّاكِ لِبَقَاءِ مُلْكِهِمْ فِيهَا.
١٤٢٦ - وَإِنْ أَخَذَهَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ سَرِيَّةٌ. أُخْرَى، فَإِنْ وَجَدَهَا الْمُلَّاكُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ إذَا أَصَابَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَحْرَزُوهَا. وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ طَرَحُوهَا ثُمَّ جَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذُوهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَهْلُ الْحَرْبِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى السَّرِيَّةِ الْأُولَى، لِتَأَكُّدِ حَقِّهِمْ فِيهَا. وَإِنْ أَحْرَزَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُمْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَإِنْ وَجَدَهَا السَّرِيَّةُ الْأُولَى قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا. وَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي بَيَّنَّا أَنَّهَا أَصَحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
لِأَنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوهَا أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ، وَحَقُّهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فِي الْمَالِيَّةِ،
[ ٧٩٧ ]
إذْ لَا مِلْكَ لِأَحَدِ فِي الْعَيْنِ، وَلِهَذَا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَهَا وَيُقَسِّمَ الثَّمَنَ، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْقِيمَةِ مُفِيدًا لَهُمْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ الْأَخْذِ إذَا كَانَ مُفِيدًا.
- وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِينَ، أَوْ الَّذِينَ وَقَعَ ذَلِكَ فِي سِهَامِهِمْ، أَوْ الَّذِينَ رَمَوْا بِمَتَاعِهِمْ قَالُوا حِينَ رَمَوْا بِهِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. فَأَخَذَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُمْ، أَخْرَجُوهُ أَوْ لَمْ يُخْرِجُوهُ.
لِأَنَّ هَذَا هِبَةٌ مِنْ الْمُلَّاكِ لِلْآخِذِينَ. وَقَدْ تَمَّتْ الْهِبَةُ بِقَبْضِهِمْ. فَإِنْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ فِيهِ فَلَهُمْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ الْآخِذُونَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْهِبَةِ.
- وَإِنْ أَخْرَجُوهُ أَوْ بَلَغُوهُ مَوْضِعًا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى حَمْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِيهِ.
لِأَنَّهُ حَدَثَ فِيهِ زِيَادَةٌ بِصُنْعِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. فَإِنَّهُ كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ فِي مَضْيَعَةٍ، وَقَدْ أَحْيَاهُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَالزِّيَادَةُ فِي عَيْنِ الْمَوْهُوبِ تَمْنَعُ الْوَاهِبَ مِنْ الرُّجُوعِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا أَخَذَهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ الْمَالِكِ مِنْهُ، أَوْ مِمَّنْ بَلَغَهُ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَع ذَلِكَ أَصْلًا إذَا أَخَذَ شَيْئًا فَأَخْرَجَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ. لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ بِمَقَالَتِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ. فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا مُتَمِّمًا لِلْهِبَةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَهُوَ إنَّمَا أَخَذَهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الْإِعَانَةِ لِمَالِكِهِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ بِهَذَا الْأَخْذِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا إيجَابٌ لِمَجْهُولٍ، فَكَيْفَ يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ. فَالْمُلْكُ إنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ
[ ٧٩٨ ]
الْأَخْذِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ، الْأَخْذُ مُتَعَيَّنٌ مَعْلُومٌ. وَكَانَ الْمَالِكُ بِهَذَا اللَّفْظِ. أَبَاحَ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ تَثْبُتُ مَعَ الْجَهَالَةِ.
أَصْلُهُ: مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ الثُّمَالِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» .
يَعْنِي الثَّانِيَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ - لِأَنَّ الْحَاجَّ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنًى.
قَالَ: «وَقُرِّبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بَدَنَاتٌ خَمْسًا أَوْ سِتًّا، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ. فَلَمَّا وَجَبَتْ جَنُوبُهَا قَالَ كَلِمَةً لَا أَفْهَمُهَا. فَسَأَلَتْ بَعْضَ مَنْ يَلِيهِ: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» .
فَهَذِهِ إبَاحَةُ الْأَخْذِ عَلَى (ص ٢٦٨) وَجْهِ التَّمْلِيكِ، وَالِانْتِفَاعِ بِالْمَأْخُوذِ، أَوْجَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَعَ الْجَهَالَةِ.
فَمَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ يَتَعَدَّى إلَيْهِ حُكْمُ هَذَا النَّصِّ.
يُقَرِّرُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِلْقَاءِ بِغَيْرِ كَلَامٍ يُفِيدُ هَذَا الْحُكْمَ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَنْثُرُ السُّكْرَ وَالدَّرَاهِمَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ، وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ النَّاثِرُ بِشَيْءٍ.
وَقِيلَ: بِأَنَّ الْحَالَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْأَخْذِ. فَإِذَا وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالْإِذْنِ فِي الْأَخْذِ؛ فَلَأَنْ يَثْبُتَ هَذَا الْحُكْمُ كَانَ أَوْلَى.
وَعَلَى هَذَا لَوْ وَضَعَ الْإِنْسَانُ الْمَاءَ وَالْجَمَدَ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ
[ ٧٩٩ ]
الشُّرْبُ مِنْهُ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ لِوُجُودِ الْإِذْن دَلَالَةً.
وَإِذَا غَرَسَ شَجَرَةً فِي مَوْضِعٍ لَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ وَأَبَاحَ لِلنَّاسِ الْإِصَابَةَ مِنْ ثِمَارِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثِمَارِهَا فَيَتَنَاوَلُهُ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا. .
- وَلَوْ أَنْ الْأَمِيرَ بَعْدَ انْهِزَامِ الْمُشْرِكِينَ نَظَرَ إلَى قَتْلَى مِنْهُمْ، عَلَيْهِمْ أَسْلَابُهُمْ، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَنْ قَتَلَهُمْ، فَقَالَ: مَنْ أَخَذَ سَلَبَ قَتِيلٍ فَهُوَ لَهُ. فَأَخَذَهَا قَوْمٌ، فَذَلِكَ لَهُمْ نَفْلٌ.
لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَأْخُذُوهَا، فَيَكُونُ هَذَا فِي مَعْنَى التَّنْفِيلِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ.
وَالْأَصَحُّ أَنْ تَقُولَ: هَذَا تَنْفِيلٌ بَعْدَ الْإِصَابَةِ. وَلَكِنَّ الْإِمَامَ أَمْضَاهُ بِاجْتِهَادِهِ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ بِإِمْضَاءِ الْإِمَامِ بِاجْتِهَادِهِ يَصِيرُ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا مَاتَ أَوْ عُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ لَمْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْآخَرِينَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
- وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا حَتَّى عُزِلَ الْأَوَّلُ وَجَاءَ أَمِيرٌ آخَرُ ثُمَّ أَخَذُوا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِعَزْلِهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الثَّانِيَ يَأْخُذُ كُلَّهُ مِنْهُمْ فَيَرُدُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ الْأَوَّلَ قَدْ بَطَلَ بِعَزْلِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ. فَالْمَقْصُودُ هُوَ الْأَخْذُ، فَإِذَا بَطَلَ تَنْفِيلُهُ قَبْلَ حُصُولِ هَذَا الْمَقْصُودِ صَارَ كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِيمَا إذَا نَفَّلَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ وَاسْتَعْمَلَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ حُكْمَ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ. فَفِي التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ هَذَا أَوْلَى. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَضَاءٍ لَمْ يُنَفِّذْهُ قَاضٍ حَتَّى عُزِلَ وَاسْتَقْضَى غَيْرُهُ مِمَّنْ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ.
[ ٨٠٠ ]
ثُمَّ فُرِّعَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ التَّنْفِيلَ عِنْدَ حَضْرَةِ الْقِتَالِ يَكُونُ عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ خَاصَّةً، وَعِنْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُلْقُوا قِتَالًا يَكُونُ بَاقِيًا إلَى أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ يَقُولُ:.
- فَإِنْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَفَلُوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَا سَلَبَ لَهُ.
لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ قَدْ انْتَهَى بِخُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَهَذِهِ دُخْلَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ الْإِمَامُ تَنْفِيلًا غَيْرَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ السَّلَبُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَقَامُوا سَنَةً ثُمَّ رَجَعُوا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ السَّلَبُ بِالتَّنْفِيلِ الْأَوَّلِ؟ .
- وَلَوْ بَلَغَهُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ فَخَرَجُوا يُرِيدُونَهُمْ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَهَذَا عَلَى مَا أَصَابُوا فِي وَجْهِهِمْ ذَلِكَ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ، إلَى أَنْ يَرْجِعُوا إلَى مَنَازِلِهِمْ.
وَإِنْ لَقُوا الْعَدُوَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَالَ الْأَمِيرُ ذَلِكَ فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ خَاصَّةً.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ فِي كُلِّ فَصْلٍ. .
[ ٨٠١ ]
- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ بَعَثَ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَرِيَّةً إلَى حِصْنٍ وَقَالَ: مَا أَصَبْتُمْ مِنْهُ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِنْ ذَلِكَ. فَأَقَامُوا عَلَيْهِ أَيَّامًا يُقَاتِلُونَ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْعَسْكَرُ فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى فَتَحُوا الْحِصْنَ فَلَا نَفْلَ لِلْأَوَّلِينَ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ لَهُمْ النَّفَلَ فِيمَا يُصِيبُونَ مِنْ قِتَالِهِمْ دُونَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْعَسْكَرِ.
وَالْمَقْصُودُ كَانَ تَحْرِيضَهُمْ (ص ٢٦٩) عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ وَالْإِصَابَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ بِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَسْكَرَ لَوْ فَتَحُوا الْحِصْنَ دُونَ أَهْلِ السَّرِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْفَتْحُ بِقِتَالِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
- قَالَ: وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ ثُمَّ عَزَلَ أَمِيرَهُمْ وَبَعَثَ أَمِيرًا آخَرَ. وَقَدْ نَفَلَ الْأَوَّلُ قَوْمًا نَفْلًا فَأَخَذُوهُ فَإِنْ كَانُوا أَخَذُوا ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِهِ فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُمْ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ابْتِدَاءُ التَّنْفِيلِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِالْعَزْلِ.
لِأَنَّهُ أَمِيرٌ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِعَزْلِهِ أَوْ يَأْتِيهِ مَنْ هُوَ صَارِفُهُ وَيُخْبِرُهُ بِعَزْلِهِ.
- فَأَمَّا إذَا نَفَّلَ الْأَوَّلُ بَعْدَ مَا جَاءَ الثَّانِي وَأَخْبَرَهُ بِعَزْلِهِ فَتَنْفِيلُهُ بَاطِلٌ.
لِأَنَّهُ اُلْتُحِقَ بِسَائِرِ الرَّعَايَا.
- وَإِنْ جَاءَهُ الْكِتَابُ بِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ بَعَثَ فُلَانًا أَمِيرًا عَلَى السَّرِيَّةِ، فَمَا لَمْ يَقْدُمْ عَلَيْهِ فُلَانٌ فَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى حَالِهِ يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ.
[ ٨٠٢ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمِيرُ مِصْرَ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ إلَى أَنْ يَقْدُمَ صَارِفُهُ
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْمُسْلِمِينَ سُدًى لَيْسَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُدَبِّرُ أُمُورَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَمَا لَمْ يَقْدُمْ الثَّانِي كَانَ التَّدْبِيرُ إلَى الْأَوَّلِ، فَيَصِحُّ مِنْهُ التَّنْفِيلُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ كَتَبَ إلَيْهِ: إنَّا قَدْ عَزَلْنَاك وَاسْتَعْمَلْنَا فُلَانًا، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هُوَ مَعْزُولًا لَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ صَارَ أَمِيرًا بِخِطَابِ الْأَمِيرِ إيَّاهُ، عِنْدَ التَّقْلِيدِ. فَيَصِيرُ مَعْزُولًا بِخِطَابِهِ إيَّاهُ بِالْعَزْلِ. وَالْخِطَابُ مِمَّنْ نَأَى كَالْخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا.
- وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ الْأَوَّلُ حِينَ اُسْتُعْمِلَ أَمَرَ بِأَنْ يَدْخُلَ بِالْقَوْمِ أَرْضَ الْحَرْبِ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهِمْ حَتَّى جَاءَهُ كِتَابُ الْإِمَامِ: إنَّا قَدْ أَمَّرْنَا فُلَانًا، فَلَا تَبْرَحْ حَتَّى يَأْتِيَك. فَعَجَّلَ فَدَخَلَ بِهِمْ أَرْضَ الْحَرْبِ وَنَفَلَ لَهُمْ نَفْلًا، فَذَلِكَ بَاطِلٌ.
لِأَنَّ نَهْيَ الْإِمَامِ إيَّاهُ عَنْ دُخُولِ أَرْضِ الْحَرْبِ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ بِكِتَابِهِ. فَصَارَ كَمَا لَوْ وَاجَهَهُ بِهِ.
- وَلَوْ وَاجَهَهُ بِذَلِكَ فَدَخَلَ بِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَمِيرًا، فَلَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ.
وَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ أَتَاهُ: إنَّك الْأَمِيرُ فَادْخُلْ بِهِمْ. فَإِذَا أَدْرَكَك
[ ٨٠٣ ]
فُلَانٌ فَهُوَ الْأَمِيرُ دُونَك، فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ مِنْ النَّفْلِ جَائِزٌ حَتَّى يَلْقَاهُ الْأَمِيرُ الْآخَرُ.
لِأَنَّهُ عَلَّقَ عَزْلَهُ بِالْتِقَائِهِ مَعَ الثَّانِي، فَمَا لَمْ يَلْتَقِيَا فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى حَالِهِ. وَبَعْدَ مَا الْتَقَيَا صَارَ الْأَمِيرُ هُوَ الثَّانِي، إنْ نَفَلَ جَازَ تَنْفِيلُهُ دُونَ الْأَوَّلِ.
- وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ: أَنْتَ الْأَمِيرُ حَتَّى يَلْقَاكَ فُلَانٌ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ لِوِلَايَتِهِ غَايَةً، وَمِنْ حُكْمِ الْغَايَةِ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ
وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ قَلَّدَهُ قَبْلَ هَذَا مُطْلَقًا أَوْ لَمْ يُقَلِّدْهُ.
لِأَنَّ بَعْدَ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا لَهُ وِلَايَةُ الْعَزْلِ، فَلَهُ وِلَايَةُ التَّوْقِيتِ فِي ذَلِكَ التَّقْلِيدِ أَيْضًا. وَإِذَا ثَبَتَ التَّوْقِيتُ بِهَذَا الْكِتَابِ صَارَ كَأَنَّهُ هُوَ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا أَتَاك فُلَانٌ فَهُوَ الْأَمِيرُ دُونَك.
- وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ مَنَعَةٌ أَمَّرُوا أَمِيرًا وَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مُغِيرِينَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ خُمُسَ مَا أَصَابُوا وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ يَكُونُ الْمَالُ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدَّيْنِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ.
- فَإِنْ نَفَلَ أَمِيرُهُمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ يَجُوزُ مِنْ أَمِيرِ سَرِيَّةٍ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ وَبَعَثَهُ.
[ ٨٠٤ ]
لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِهِ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ، وَرِضَاهُمْ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّهِمْ، فَصَارَ أَمِيرُهُمْ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى، كَمَا تَثْبُتُ بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ تَثْبُتُ بِاجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَاحِدٍ؟
وَالْأَصْلُ فِيهِ إمَامَةُ الصِّدِّيقِ - ﵁ - (ص ٢٧٠) فَكَذَلِكَ الْإِمَارَةُ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ تَثْبُتُ بِاتِّفَاقِهِمْ كَمَا تَثْبُتُ بِتَقْلِيدِ الْإِمَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ لَوْ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا وَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَنَفَلَ أَمِيرَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ تَابُوا جَازَ مَا نَفَلَهُ أَمِيرُهُمْ؟ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا. .
- وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ غَزَا بِجُنْدٍ فَمَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ قُتِلَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْجُنْدِ: نُؤَمِّرُ فُلَانًا. فَأَمَّرُوهُ وَاعْتَزَلُوا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: نُؤَمِّرُ فُلَانًا فَأَمَّرُوهُ، وَاعْتَزَلُوا. فَأَخَذَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ وَجْهًا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، وَنَفَلَ كُلُّ أَمِيرٍ نَفْلًا لِقَوْمِهِ قَبْلَ الْخُمُسِ أَوْ بَعْدَ الْخُمُسِ، ثُمَّ الْتَقَوْا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَاصْطَلَحُوا، فَالْخَلِيفَةُ الَّذِي قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ يُنَفِّذُ تَنْفِيلَ كُلِّ أَمِيرٍ. بِاعْتِبَارِ أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ رَضُوا بِهِ أَمِيرًا عَلَيْهِمَا، وَهُمْ الَّذِينَ أَصَابُوا مَا أَصَابُوا مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَيَجُوزُ تَنْفِيلُ كُلِّ أَمِيرٍ سَوَاءٌ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ مَا خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
إلَّا أَنَّهُمْ إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَمَا بَقِيَ بَعْدَ النَّفْلِ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
[ ٨٠٥ ]
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْرَازِ. .
- وَلَوْ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ عَامِلًا عَلَى الثُّغُورِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ النَّفَلَ بِشَيْءٍ، فَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ قَبْلَ الْخُمُسِ وَبَعْدَ الْخُمُسِ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ عَلَى الثُّغُورِ لِيَحْفَظَهَا وَيَغْزُوَ أَهْلَ الْحَرْبِ حَتَّى يَنْقَطِعَ طَمَعُهُمْ عَنْهَا. وَالنَّفَلُ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلَى الْقِتَالِ. فَمِنْ ضَرُورَةِ تَفْوِيضِ أَمْرِ الْحَرْبِ إلَيْهِ، وَجَعْلِ التَّدْبِيرِ فِي ذَلِكَ إلَى رَأْيِهِ، أَنْ يَكُونَ أَمْرُ التَّنْفِيلِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ.
- إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ الْخَلِيفَةُ عَنْ النَّفْلِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ.
لِأَنَّ الدَّلَالَةَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا إذَا جَاءَ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهَا. بِمَنْزِلَةِ تَقْدِيمِ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ إذْنٌ فِي التَّنَاوُلِ دَلَالَةً، إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.
- فَإِنْ اسْتَعْمَلَ هَذَا الْعَامِلُ عَامِلًا آخَرَ فَنَفَلَ الثَّانِي فَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ لَمْ يَنْهَ الْأَوَّلَ عَنْ التَّنْفِيلِ جَازَ التَّنْفِيلُ مِنْ الثَّانِي.
وَإِنْ كَانَ نَهَى الْأَوَّلَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ التَّنْفِيلُ مِنْ الثَّانِي.
لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اسْتَخْلَفَ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ لَمْ يَكُنْ لِخَلِيفَتِهِ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْهَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ لِخَلِيفَتِهِ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. .
[ ٨٠٦ ]
- وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْعَامِلَ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ الثُّغُورِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا فَنَفَلَ أَمِيرَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلسَّرِيَّةِ سَلَبَ الْقَتْلَى فَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ، كَمَا يَجُوزُ مِنْ الْعَامِلِ لَوْ غَزَا بِنَفْسِهِ.
لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ أَمْرَ الْحَرْبِ وَجَعَلَهُ نَافِذَ الْأَمْرِ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ. وَإِنَّمَا بَعَثَهُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. فَكَانَ أَمِيرُهُمْ كَأَمِيرِ الْعَسْكَرِ، وَتَنْفِيلُ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ نَصًّا. لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُصَابِ لِمَنْ تَجِبُ وِلَايَتُهُ خَاصَّةً، فَكَذَلِكَ تَنْفِيلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ.
- وَلَوْ نَهَاهُ الْعَامِلُ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا فَنَفَّلَ لَمْ يَجُزْ تَنْفِيلُهُ.
لِأَنَّ مَنْ قَلَّدَهُ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ التَّنْفِيلِ، فَيَكُونُ حَالُهُ فِي التَّنْفِيلِ كَحَالِ الْعَامِلِ إذَا نَهَاهُ الْخَلِيفَةُ عَنْ التَّنْفِيلِ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِيرٍ عَلَيْهِمْ فِيمَا لَمْ يُوَلِّهِ الْعَامِلُ، فَكَانَ تَنْفِيلُهُ كَتَنْفِيلِ سَائِرِ الرَّعَايَا.
- وَيَسْتَوِي إنْ رَضِيَ الْجُنْدُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَرْضَوْا. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ تَنْفِيلُهُ إذَا رَضُوا بِهِ، كَمَا تَثْبُتُ الْإِمَارَةُ لَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِ أَمِيرِهِمْ إذَا رَضُوا بِهِ. وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ هُنَاكَ رِضَاهُمْ لَمْ يَحْصُلْ عَلَى مُخَالِفَةِ أَمْرِ الْعَامِلِ، بَلْ حَصَلَ فِيمَا لَمْ يَأْمُرْ الْعَامِلَ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا. وَهَا هُنَا حَصَلَ رِضَاهُمْ عَلَى مُخَالِفَةِ مَا أَمَرَ بِهِ الْعَامِلَ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا.
كَمَا لَوْ أَرَادُوا عَزْلَ أَمِيرِهِمْ وَتَقْلِيدَ غَيْرِهِ.
- فَإِنْ نَفَلَ أَمِيرَهُمْ ثُمَّ لَمْ يُقَسِّمُوا الْغَنَائِمَ حَتَّى أَخْرَجُوهَا،
[ ٨٠٧ ]
(ص ٢٧١) وَأَخْبَرَ أَمِيرُهُمْ الْعَامِلَ بِمَا نَفَلَ فَرَأَى أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. .
لِأَنَّ إجَازَتَهُ بِمَنْزِلَةِ تَنْفِيلِهِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.
- فَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ جَازَ النَّفَلُ وَحَلَّ لِمَنْ أَصَابَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَصَابَ.
لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ جِهَتِهِ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، وَهُوَ التَّنْفِيلُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، فَيَكُونُ نَافِذًا.
فَإِنْ قِيلَ: أَصْلُ التَّنْفِيلِ كَانَ بَاطِلًا، وَإِجَازَةُ مَا كَانَ بَاطِلًا يَلْغُو، وَإِنْ حَصَلَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ. كَمَا لَوْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَةَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ بَلَّغَ الصَّبِيَّ فَأَجَازَ ذَلِكَ كَانَتْ إجَازَتُهُ لَغْوًا. وَإِنْ كَانَ هُوَ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ الْآنَ. وَعَنْ هَذَا الْكَلَامِ جَوَابَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ هُنَاكَ أَصْلَ الْإِيقَاعِ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا، لِأَنَّهُ لَا مُجِيزَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَهَا هُنَا أَصْلُ التَّنْفِيلِ حِينَ وَقَعَ كَانَ مَوْقُوفًا، حَتَّى لَوْ أَجَازَهُ الْعَامِلُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا الْغَنَائِمَ كَانَ صَحِيحًا. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُجِيزَهُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ قُلْنَا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا. وَالثَّانِي: أَنَّ إجَازَتَهُ هَا هُنَا إنَّمَا تَتِمُّ بِالتَّسْلِيمِ إلَى مَنْ نَفَلَ لَهُ الْأَمِيرُ، فَيَجْعَلُ هَذَا التَّسْلِيمَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ، لَا قَوْلَهُ أَجَزْت. وَوِزَانُهُ مِنْ الطَّلَاقِ أَنْ لَوْ قَالَ الصَّبِيُّ بَعْدَ الْبُلُوغِ: جَعَلْت ذَلِكَ تَطْلِيقَةً وَاقِعَةً، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ إنْشَاءً لِلطَّلَاقِ مِنْهُ. وَأَوْضَحُ هَذَا لِمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا إلَى الْعَطَاءِ. فَإِنَّ الشِّرَاءَ فَاسِدٌ. فَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يُجِيزَ هَذَا الْبَيْعَ حِينَ خُوصِمَ فِيهِ إلَيْهِ نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَتِهِ وَحَلَّ لِلْمُشْتَرِي إمْسَاكُهُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْبَيْعِ فَاسِدًا عِنْدَنَا. .
- وَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِيِّ مَعَ الْعَسْكَرِ ثُمَّ بَعَثَ
[ ٨٠٨ ]
سَرِيَّةً وَلَمْ يَأْمُرْ أَمِيرَهُمْ بِالتَّنْفِيلِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَلَ أَصْحَابُ السَّرِيَّةِ نَفْلًا، ثُمَّ جَاءُوا بِالْغَنِيمَةِ إلَى الْعَسْكَرِ فَإِنَّ تَنْفِيلَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ يَجُوزُ فِي نَصِيبِ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً.
لِأَنَّ الْجَيْشَ شُرَكَاءُ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ فِي الْمُصَابِ هُنَا، وَلَيْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ وِلَايَةٌ عَلَى الْجَيْشِ، إنَّمَا وِلَايَتُهُ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً، فَيَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِي نُصِبْهُمْ خَاصَّةً.
- وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ حِينَ بَعَثَهُمْ نَفَلَ لَهُمْ نَفْلًا، ثُمَّ نَفَلَ أَمِيرُهُمْ أَيْضًا نَفْلًا، فَجَاءُوا بِالْغَنَائِمِ، فَمَا نَفَلَ لَهُمْ الْعَامِلُ يُرْفَعُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَيُقَسَّمُ مَا بَقِيَ حِينَ تَبِينُ حِصَّةُ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، ثُمَّ يَنْفُذُ مَا نَفَلَ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ مِنْ حِصَّتِهِمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَمِمَّا نَفَلَ لَهُمْ الْعَامِلُ.
لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَلِأَمِيرِهِمْ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ. فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ فِيمَا لَهُمْ خَاصَّةً.
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ السَّرِيَّةُ مَبْعُوثَةٌ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا شِرْكَةَ لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ لَمْ تَرْجِعْ إلَى الْعَسْكَرِ وَلَكِنَّهُمْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ جَانِبٍ آخَرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ كَالْحُكْمِ فِي السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ فِي الْمُصَابِ.
وَفِي الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَصَابُوا طَعَامًا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبُّوا.
[ ٨٠٩ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ بَعْدَ مَا رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ يُبَاحُ لَهُمْ التَّنَاوُلُ مِنْ الطَّعَامِ كَمَا يُبَاحُ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ؟ وَفِي إبَاحَةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ الْمُصَابِ كَالْبَاقِي عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ حُكْمِ التَّنْفِيلِ. .
- وَلَوْ أَنَّهُمْ أَصَابُوا غَنَمًا أَوْ بَقَرًا أَوْ رَمَكًا، فَاسْتَأْجَرَ الْأَمِيرُ مَنْ يَسُوقُهَا إلَى الْعَسْكَرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ وَحَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُمْ فِيمَا صَنَعَ. وَمَنْفَعَةُ فِعْلِهِ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا، بِخِلَافِ النَّفْلِ فَالْمَنْفَعَةُ فِيهِ لِلْمُنَفِّلِينَ خَاصَّةً. فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِي حِصَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
- وَلَوْ أَنَّ الْعَامِلَ كَانَ نَفَلَهُمْ الرُّبُعَ، ثُمَّ نَفَلَهُمْ أَمِيرَهُمْ حِينَ لَقُوا الْعَدُوَّ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْعَسْكَرِ حَتَّى رَجَعُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ نَفْلَ الْعَامِلِ لَهُمْ (ص ٢٧٢) بَاطِلٌ، وَنَفْلَ أَمِيرِهِمْ لَهُمْ جَائِزٌ.
لِأَنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا الْعَسْكَرَ مِنْهُمْ فِي الْمُصَابِ بِمَنْزِلَةِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنَّمَا نَفَلَ الْعَامِلُ لِجَمَاعَتِهِمْ بِالسَّرِيَّةِ.
وَهَذَا التَّنْفِيلُ بَاطِلٌ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ. وَلَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى. فَأَمَّا نَفْلُ أَمِيرِهِمْ لَهُمْ فَحَصَلَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ لِبَعْضِ الْخَوَاصِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صَحِيحًا لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالْحَقِّ فِي الْمُصَابِ.
- وَإِنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ جَازَ نَفْلُ الْعَامِلِ لَهُمْ.
لِأَنَّ الْعَسْكَرَ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُصَابِ. فَكَانَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إبْطَالُ شَرِكَةِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ، فَيَصِحُّ وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى إلَى إبْطَالِ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ.
[ ٨١٠ ]
وَأَمَّا نَفْلُ أَمِيرِهِمْ فَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا هُوَ حَقُّهُمْ خَاصَّةً دُونَ مَا يَكُونُ حِصَّةَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
- وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ نَهَى أَمِيرَ السَّرِيَّةِ عَنْ التَّنْفِيلِ فَنَفْلُهُ بَاطِلٌ لِنَهْيِ الْعَامِلِ إيَّاهُ عَنْ ذَلِكَ. وَنَفْلُ الْإِمَامِ لَهُمْ جَائِزٌ إنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ. وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرِ إلَى دَارِ السَّلَامِ، فَذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ. وَيُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُصَابِ لَهُمْ خَاصَّةً، فَلَيْسَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلُ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٨١١ ]