- وَإِذَا رَأَى أَمِيرُ الْعَسْكَرِ دُرُوعَ الْمُسْلِمِينَ قَلِيلَةً عِنْدَ دُخُولِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ بِدِرْعٍ فَلَهُ مِنْ النَّفْلِ كَذَا، أَوْ فَلَهُ بِهِ سَهْمٌ كَسَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ. فَهَذَا جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ.
لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ يَقَعُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، فَالْمُسْلِمُ فِي حَمْلِ الدُّرُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ، وَيَحْصُلُ بِهِ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، فَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ عَلَى ذَلِكَ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى تَحَمُّلِ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ لِلْغَازِي السَّهْمَ لِفَرَسِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى؟ وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمُؤْنَةَ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، فَلِلْأَمَامِ أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ النَّفْلِ اعْتِبَارًا بِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ بِدِرْعَيْنِ فَلَهُ كَذَا.
لِأَنَّ الْمُبَارِزَ قَدْ يُظَاهِرُ بَيْنَ دِرْعَيْنِ إذَا أَرَادَ الْقِتَالُ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ» . فَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ.
[ ٧٨٩ ]
- وَإِنْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ بِدِرْعٍ وَمَنْ دَخَلَ بِدِرْعَيْنِ فَلَهُ مِئَتَانِ. وَمَنْ دَخَلَ بِثَلَاثَةِ دُرُوعٍ فَلَهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ.
وَسَاقَ الْكَلَامَ هَكَذَا.
فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ هَكَذَا، وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ هَذَا التَّنْفِيلُ فِي أَكْثَرِ مِنْ دِرْعَيْنِ.
لِأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ، وَالْمُقَاتِلُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَلْبِسَ أَكْثَرَ مِنْ دِرْعَيْنِ عِنْدَ الْقِتَالِ. لِأَنَّ ذَلِكَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّنْفِيلِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ دِرْعَيْنِ مَنْفَعَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى الْتِزَامِ الْمُؤْنَةِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ يَتَحَقَّقُ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ.
قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّ الْإِرْهَابَ بِالدَّارِعِ لَا بِالدِّرْعِ. يُقَالُ انْفَصَلَ (ص ٢٦٥) كَذَا وَكَذَا دَارِعٍ، وَكَذَا وَكَذَا حَارِسٍ. فَيَحْصُلُ بِهِ الْإِرْهَابُ. وَالدَّارِعُ هُوَ وَحْدُهُ، لِأَنَّهُ مَا حَمَلَ الدُّرُوعَ مَعَ نَفْسِهِ لِيُعْطِيَهَا غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا حَمَلَ لِلُّبْسِ عِنْدَ الْقِتَالِ. وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ فِي أَكْثَرِ مِنْ دِرْعَيْنِ.
- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ بِتِجْفَافٍ فَلَهُ كَذَا.
فَإِنَّ مَعْنَى الْتِزَامِ الْمُؤْنَةِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ يَحْصُلُ بِالتِّجْفَافِ لِلْخَيْلِ كَمَا يَحْصُلُ بِالدُّرُوعِ لِلْفَارِسِ. فَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ عَلَى تِجْفَافٍ وَتِجْفَافَيْنِ.
وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
[ ٧٩٠ ]
لِأَنَّ التِّجْفَافَ لِلْفَرَسِ، فَالتَّنْفِيلُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ التَّنْفِيلِ عَلَى الْفَرَسِ.
- وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ مِمَّنْ لَا يَرَى أَنْ يُسْهَمَ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ بِفَرَسَيْنِ فَلَهُ كَذَا، كَانَ ذَلِكَ تَنْفِيلًا صَحِيحًا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ فَرَسَيْنِ.
لِأَنَّ الْمُبَارِزَ قَدْ يُقَاتِلُ بِفَرَسَيْنِ وَلَا يُقَاتِلُ بِأَكْثَرِ مِنْهُمَا. فَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ تَنْفِيلِهِ مَا يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ دُونَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مَعْرُوفًا قَدْ يَحْتَاجُ الرَّجُلُ فِيهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَفْرَاسٍ. فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ لِثَلَاثَةِ أَفْرَاسٍ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ تَجَافِيفَ.
لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى كُلِّ فَرَسٍ تِجْفَافٌ. وَمَتَى عُلِمَ أَنَّ تَنْفِيلَهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ يَجِبُ تَنْفِيذُهُ مِمَّا أَصَابَ مِنْ الْغَنَائِمِ بَعْدَ التَّنْفِيلِ.
- وَلَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا لَهُمْ حَتَّى حَاصَرُوا حِصْنًا فَقَالَ: مَنْ تَقَدَّمَ إلَى الْبَابِ دَارِعًا فَلَهُ كَذَا. أَوْ قَالَ: مَنْ تَقَدَّمَ مُتَجَفِّفًا فَلَهُ كَذَا، أَوْ قَالَ: مَنْ تَقَدَّمَ مُظَاهِرًا دِرْعَيْنِ فَلَهُ كَذَا، فَذَلِكَ تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ.
لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ إظْهَارُ الْجَلَّادَةِ وَالْقُوَّةِ وَإِيقَاعُ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ. وَالتَّنْفِيلُ عَلَى مِثْلِهِ يَكُونُ.
- وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَتَّى فَتَحُوا الْحِصْنَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْهُ لِلدَّارِعِ وَالْمُتَجَفِّفِ عَلَى قَدْرِ الْعَنَاءِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَهُ.
[ ٧٩١ ]
لِأَنَّ التَّنْفِيلَ مَا يَكُونُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَيَكُونُ صِلَةً لَا تَنْفِيلًا، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْغَانِمِينَ بِالصِّلَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهَا.
- فَإِنْ نَفَلَ الْإِمَامُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ عَلَى قَدْرِ الْعَنَاءِ وَالْجَزَاءِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ فَهُوَ نَافِذٌ.
لِأَنَّهُ أَمْضَى بِاجْتِهَادِهِ فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْقُضَاةِ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ.
- وَيَحِلُّ لِلْمُنَفِّلِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ هُوَ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.
لِأَنَّ الرَّأْيَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ إذَا جَاءَ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ. فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مُلْزِمٌ غَيْرَهُ، وَمُجَرَّدُ الِاجْتِهَادِ غَيْرُ مُلْزِمٍ غَيْرَهُ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ. وَمِنْ رَأْيِهِ أَنَّ ذَلِكَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ. فَقَضَى الْقَاضِي بِأَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - ﵄ -، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَيَسَعُهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا. وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَالْمُجْتَهِدُ لَا يَدْعُ رَأْيَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فِي آخَرِ الِاسْتِحْسَانِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٧٩٢ ]