٤٦ - بَابُ الْأَمَانِ ٣٧٢ - قَالَ: وَإِذَا نَادَى الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ الْحَرْبِ بِالْأَمَانِ فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا إذَا سَمِعُوا أَصْوَاتَهُمْ (٧٣ آ) بِأَيِّ لِسَانٍ نَادَوْهُمْ بِهِ. الْعَرَبِيَّةُ وَالْفَارِسِيَّةُ وَالرُّومِيَّةُ وَالْقِبْطِيَّةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى جُنُودِهِ بِالْعِرَاقِ: إنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ: لَا تَخَفْ، أَوْ مِتْرَسِي، أَوْ لَا تَذْهَلُ فَهُوَ آمِنٌ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْرِفُ الْأَلْسِنَةَ، وَالْمَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ. فَإِنَّ الْأَمَانَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. ثُمَّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ يُعْتَبَرُ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِلُغَةٍ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْعِبَادَاتِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزَا التَّكْبِيرَ وَالْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ، لِأَنَّ تَمَامَ الْإِسْلَامِ فِي وُجُوبِ مُرَاعَاةِ النَّصِّ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ يَصِحُّ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ إذَا حَصَلَ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ فَالْأَمَانُ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ تَصِحُّ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. فَالْأَمَانُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
[ ٢٨٣ ]
وَإِنْ نَادَوْهُمْ بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ آمِنُونَ أَيْضًا. لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ لِذَلِكَ حَقِيقَةً أَمْرٌ بَاطِنًا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَهُوَ إسْمَاعُهُمْ كَلِمَةَ الْأَمَانِ. وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْفِقْهِ. وَلِهَذَا شَرَطْنَا الْإِسْمَاعَ حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا، لِأَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِحَقِيقَتِهِ. ثُمَّ لَعَلَّهُ كَانَ فِيهِمْ تُرْجُمَانٌ يَعْرِفُ مَعْنَى نِدَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَيُوقِفُهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَمَانُ بِهِ كَانَ نَوْعَ غَدْرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَالتَّحَرُّزُ عَنْ صُورَةِ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَفْهَمُوا فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِمَعْنًى مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ نَادَوْهُمْ بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا، فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حُكْمُ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ.
٣٧٤ - فَأَمَّا إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ. فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى مَقَالَةِ الْمُسْلِمِينَ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَبُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلِهَذَا: لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْأَمَانِ لَهُمْ.
- قَالَ: وَإِذَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلْحَرْبِيِّ: أَنْتَ آمِنٌ، أَوْ لَا تَخَفْ أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْك، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُ هَذَا، فَهُوَ كُلُّهُ أَمَانٌ. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطَبُ الْخَائِفُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ عَادَةً. وَإِنَّمَا يَزُولُ عَنْهُ الْخَوْفُ بِثُبُوتِ الْأَمَانِ. وَكُلُّ مُسْلِمٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُ فَيُجْعَلُ بِهَذَا اللَّفْظِ مُنْشِئًا، كَمَنْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: أَعْتَقْتُك، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ، يُجْعَلُ مُنْشِئًا عِتْقَهُ بِمَا وَصَفَهُ
[ ٢٨٤ ]
- ثُمَّ ذَكَرَ أَمَانَ مُخْتَلَطِ الْعَقْلِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَيَصِفُهُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ كَمَا فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي أَمَانِ الصَّبِيِّ فَكَذَلِكَ مُخْتَلَطُ الْعَقْلِ (٧٣ ب) .
٣٧٧ - فَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَصِفُهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ. وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا فِي أَمْرِ مَعِيشَتِهِ إلَّا أَنَّهُ بَالِغٌ لَا يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْقِلُهُ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْقِلُهُ فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَعْقِلُ الْأَمَانَ صَحَّ أَمَانُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
٣٧٨ - قَالَ: وَإِنْ أَمَرَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّنَهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ. لِأَنَّ الْأَمِيرَ يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ، فَيَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بَعْدَ أَمْرِهِ إيَّاهُ بِذَلِكَ. وَهَذَا لِأَنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ إنَّمَا لَا يَصِحُّ لِتُهْمَةِ مَيْلِهِ إلَيْهِمْ اعْتِقَادًا، وَيَزُولُ ذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ الْمُسْلِمُ بِهِ. وَيَتَبَيَّنُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِ إيَّاهُ أَنَّ فِي أَمَانِهِ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ، لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ إيَّاهُ بِالْقِتَالِ لَا يَتَعَيَّنُ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي الْأَمَانِ، فَلَوْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِرَأْيِ الْكَافِرِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْأَمَانِ يَتَعَيَّنُ بِهَذَا الْأَمْرِ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي الْأَمَانِ بِرَأْيِ الْمُسْلِمِ وَلَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَمِّنْهُمْ، أَوْ يَقُولَ: قُلْ لَهُمْ إنَّ فُلَانًا الْمُسْلِمَ يُؤَمِّنُكُمْ. وَكُلُّ وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ الذِّمِّيُّ لَهُمْ: قَدْ أَمَّنْتُكُمْ، أَوْ يَقُولَ: إنْ فُلَانًا الْمُسْلِمَ قَدْ أَمَّنَكُمْ. فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: أَمِّنْهُمْ،
[ ٢٨٥ ]
فَسَوَاءٌ قَالَ لَهُمْ أَمَّنْتُكُمْ أَوْ أَمَّنَكُمْ فُلَانٌ، فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُ صَارَ مَالِكًا لِلْأَمَانِ بِهَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ آخَرَ، وَالْمُسْلِمُ إذَا قَالَ لَهُمْ: أَمَّنْتُكُمْ أَوْ أَمَّنَكُمْ فُلَانٌ كَانُوا آمِنِينَ فِي الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَمَانَ إلَى مَنْ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبَارًا مِنْهُ بِأَمَانٍ صَحِيحٍ، فَيُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْإِنْشَاءِ لِرَفْعِ الْغَدْرِ. فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ إنَّ فُلَانًا أَمَّنَكُمْ، فَإِنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُمْ آمِنُونَ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ رَسُولًا إلَيْهِمْ، وَقَدْ أَدَّى الرِّسَالَةَ عَلَى وَجْهِهَا. فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَتَبَ إلَيْهِمْ كِتَابَ الْأَمَانِ، وَبَعَثَ بِهِ عَلَى يَدِهِ. فَإِذَا بَلَغَهُمْ كَانُوا آمِنِينَ. وَإِنْ قَالَ لَهُمْ: أَمَّنْتُكُمْ. فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا أَمَرَ بِهِ، لِأَنَّهُ أُمِرَ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَهَذَا لَا يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ الْأَمَانِ مِنْهُ. فَإِذَا قَالَ: أَمَّنْتُكُمْ فَهَذَا لَيْسَ بِتَبْلِيغٍ لِلرِّسَالَةِ وَلَكِنَّهُ إنْشَاءُ عَقْدٍ مِنْهُ مُضَافٍ إلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَيَكُونُ بَاطِلًا.
- قَالَ: وَالْأَسِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَمَّنَهُمْ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ (٧٤ آ) عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ أَمَانَهُ لَا يَقَعُ بِصِفَةِ النَّظَرِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ لِنَفْسِهِ، حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ. وَلِأَنَّ الْأَسِيرَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنَّمَا يُؤَمِّنُ غَيْرَهُ مَنْ يَكُونُ آمِنًا فِي نَفْسِهِ. وَلِأَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ. فَعَقْدُهُ يَكُونُ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً، وَقَلَّ مَا تَخْلُو دَارُهُمْ عَنْ أَسِيرٍ. فَلَوْ صَحَّحْنَا أَمَانَهُ انْسَدَّ بَابُ الْقِتَالِ عَلَيْنَا. فَإِنَّهُمْ كُلَّمَا حَزَبَهُمْ خَوْفٌ أَمَرُوا الْأَسِيرَ حَتَّى يُؤَمِّنَهُمْ. وَالْقَوْلُ بِهَذَا فَاسِدٌ. إلَّا أَنَّهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إنْ أَمَّنُوهُ وَأَمَّنَهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ لَهُمْ كَمَا يَفُونَ لَهُ، وَلَا يَسْرِقُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ. وَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِهِمْ.
[ ٢٨٦ ]
وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ كَانَ سَالِمًا لَهُمْ، فَحُكْمُ هَذَا وَحُكْمُ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ سَوَاءٌ.
٣٨١ - وَلَكِنْ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَسِيرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ مَدِينٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ السَّبْيُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ، فَهُمْ ظَالِمُونَ فِي إمْسَاكِهِمْ، وَهُوَ بِالْأَمَانِ مَا الْتَزَمَ تَقْرِيرَهُمْ عَلَى الظُّلْمِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُزِيلَ ظُلْمَهُمْ بِالسَّرِقَةِ أَوْ الْغَصْبِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَاعِيَ بِالْعَهْدِ مَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْعَهْدِ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَمَانِ عَلَى تَرْكِ هَؤُلَاءِ فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَخْذِهِمْ مِنْهُمْ.
- وَلَوْ حَصَلَ الْمُسْتَأْمِنُونَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ فَبَدَا لِلْأَمِيرِ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُلْحِقَهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ. فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَخْرُجُوا وَقَالُوا: نَكُونُ مَعَ ذَرَارِيِّنَا وَنِسَائِنَا الَّذِينَ أَسَرْتُمُوهُمْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ، وَيُؤَجِّلُهُمْ إلَى وَقْتٍ يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِمْ اللُّحُوقُ بِمَأْمَنِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَا يُرْهِقُهُمْ فِي الْأَجَلِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَيَقُولُ: إنْ لَحِقْتُمْ بِمَأْمَنِكُمْ إلَى أَجَلِ كَذَا وَإِلَّا فَأَنْتُمْ ذِمَّةٌ نَضَعُ عَلَيْكُمْ الْخَرَاجَ وَلَا نَدَعُكُمْ تَرْجِعُونَ إلَى مَأْمَنِكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلُ
[ ٢٨٧ ]
الرِّضَا مِنْهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً فَيَكُونُوا بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ عَقْدِ الذِّمَّةِ نَصًّا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا إذَا أَطَالُوا الْمُقَامَ.
- وَإِنْ خَافَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ إنْ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ عَدُوَّهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى عَسْكَرِهِمْ، أَوْ خَافَ أَنْ يَقْتُلُوا الْمُسْلِمِينَ لَيْلًا، فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَلْحَقُوا (٧٤ ب) بِمَأْمَنِهِمْ، وَيُوَقِّتُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقْتًا، كَمَا بَيَّنَّا، نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ يَأْمُرُهُمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ، أَنْ يُجْمَعُوا فِي مَوْضِعٍ فَيُحْرَسُوا. لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْهُمْ يَزْدَادُ بِالتَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ فِي الْخُرُوجِ وَمُفَارَقَةِ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، وَالتَّوْقِيتُ كَانَ نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا يَنْظُرُ لَهُمْ، وَطَرِيقُ النَّظَرِ هَذَا. فَإِنْ مَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ فَصَارُوا ذِمَّةً أَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُجْمَعُوا فِي مَوْضِعٍ كُلَّ لَيْلَةٍ وَيُجْعَلَ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ الْأَمْنَ لَمْ يَقَعْ مِنْ جَانِبِهِمْ، وَإِنْ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً بِمُضِيِّ الْوَقْتِ، بَلْ ازْدَادَ الْخَوْفُ بِمَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ صِغَارِ الْجِزْيَةِ. إلَّا أَنَّ الْخَوْفَ يَكُونُ بِاللَّيْلِ غَالِبًا فَيَجْعَلُ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا كُلَّ لَيْلَةٍ، فَإِذَا أَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ خَلُّوا سَبِيلَهُمْ فِي الْعَسْكَرِ لِيَكُونُوا عِنْدَ ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ.
[ ٢٨٨ ]
٣٨٤ - وَكَذَلِكَ إذَا حَصَرَ الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ جَمَعَهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا. لِأَنَّ الْخَوْفَ يَزْدَادُ مِنْهُمْ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ، وَيَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى أَنْ يَأْمَنُوا مِنْ جَانِبِهِمْ لِيَتَفَرَّغُوا لِقِتَالِ الْعَدُوِّ. وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا جَعَلَ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا يَحْرُسُونَهُمْ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَحْرُسَهُمْ إلَّا بِأَجْرٍ اسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا يَحْرُسُونَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ مَنْفَعَةٌ لِلْغَانِمِينَ. فَهُوَ نَظِيرُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى حِفْظِ الْغَنَائِمِ، أَوْ عَلَى حِفْظِ مَنْفَعَةِ الْغَانِمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فِي هَذَا الْحِفْظِ مَعْنَى الْجِهَادِ فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ. فَالْقَوْمُ ذِمَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ غَيْرِ مُحَارِبِينَ لَهُمْ. فَلَا يَكُونُ حِفْظُهُمْ جِهَادًا، وَلَكِنْ يُخَافُ مِنْ جَانِبِهِمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْتِعَتِهِمْ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى حِفْظِ الْغَنَائِمِ وَبَيْنَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى حِفْظِ هَؤُلَاءِ وَمَنْعِهِمْ مِنْ أَخْذِ الْغَنَائِمِ وَقَتْلِ الْمُسْلِمِينَ.
- وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فِي مَنْعَتِهِمْ أَشَارَ إلَى مُشْرِكٍ فِي حِصْنٍ أَوْ مَنَعَةٍ لَهُمْ أَنْ تَعَالَ، أَوْ أَشَارَ إلَى أَهْلِ الْحِصْنِ أَنْ افْتَحُوا الْبَابَ، أَوْ أَشَارَ إلَى السَّمَاءِ، فَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ ذَلِكَ أَمَانٌ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الَّذِي صَنَعَ مَعْرُوفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ أَنَّهُمْ إذَا صَنَعُوا كَانَ أَمَانًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، فَهُوَ أَمَانٌ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: قَدْ أَمَّنْتُكُمْ.
[ ٢٨٩ ]
لِأَنَّ أَمْرَ الْأَمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ. وَالتَّحَرُّزِ عَمَّا يُشْبِهُ الْغَدْرَ وَاجِبٌ. فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ فَالثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ. فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ أَمَانًا كَانَ غَدْرًا. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ (٥٧ آ) مَا يَكُونُ مِثْلَ الْعُرْفِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ امْتِثَالُهُمْ أَمْرُهُ وَمَا أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِهِ، فَهُوَ مِنْ أَبْيَنِ الدَّلَائِلِ عَلَى الْمُسَالَمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَهُمْ: أَخْرَجُوا حَتَّى تَهْدِمُوا هَذَا الْحِصْنَ فَخَرَجُوا كَانُوا آمَنِينَ؟
٣٨٦ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عُمَرَ - ﵁ -: أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَشَارَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَنْ تَعَالَ فَإِنَّك إنْ جِئْت قَتَلْتُك. فَأَتَاهُ، فَهُوَ آمِنٌ. وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ: إنْ جِئْت قَتَلْتُك أَوْ لَمْ يَسْمَعْ. فَأَمَّا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ وَسَمِعَهُ وَجَاءَهُ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ فَيْءٌ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ وَالْعُرْفِ يُسْقِطُ اعْتِبَارَهُ إذَا صَرَّحَ بِخِلَافِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: تَعَالَ إنْ كُنْت تُرِيدُ الْقِتَالَ أَوْ إنْ كُنْت رَجُلًا، أَوْ تَعَالَ حَتَّى تُبْصِرَ مَا أَفْعَلُهُ مَعَك، فَإِنَّهُ لَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ هَذَا كَلَامُ تَهْدِيدٍ لَا كَلَامَ أَمَانٍ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: تَعَالَ، مُطْلَقًا فَكَلَامُ مُوَافَقَةٍ. وَكَذَلِكَ إشَارَتُهُ بِالْأَصَابِعِ إلَى السَّمَاءِ فِيهِ بَيَانُ أَنَّى أَعْطَيْتُك ذِمَّةَ إلَهِ السَّمَاءِ، أَوْ أَنْتَ آمِنٌ مِنَى بِحَقِّ رَبِّ السَّمَاءِ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَمَّنْتُك.
- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَدُوا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، فَقَالَ حِينَ وَجَدُوهُ: جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِهِ حَتَّى هَجَمُوا عَلَيْهِ فَهُوَ فَيْءٌ وَلَا يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِيمَا يَقُولُ. فَإِنَّهُ كَانَ مُخْتَفِيًا مِنْهُمْ إلَى أَنْ هَجَمُوا عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا يَلِيقُ هَذَا بِحَالِ مَنْ يَأْتِيهِمْ مُغِيرًا لَا مُسْتَأْمَنًا. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْتَالُ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ فَلَا يُصَدَّقُ.
[ ٢٩٠ ]
وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ إنْ تَكَلَّمَ، فَأَرَادُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَلَكِنَّهُ أَقْبَلَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَهُوَ فَيْءٌ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَا يَقْبَلَ قَوْلَهُ إنِّي جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ. لِأَنَّهُ حِينَ أَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَسْرَهُ أَوْ قَتْلَهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا عَلَى أَنْ يُنَادِيَ بِالْأَمَانِ فَيَعْلَمَ أَيُؤَمِّنُونَهُ أَمْ لَا. وَقَدْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَحِينَ تَرَكَ النِّدَاءَ بِالْأَمَانِ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَقْبَلَ رَادًّا لِقَصْدِ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ احْتَالَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ.
٣٨٩ - وَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ فَأَقْبَلَ إلَيْهِمْ حَتَّى أَتَاهُمْ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّ إقْبَالَهُ إلَيْهِمْ دَلِيلُ الْمُسَالَمَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النِّدَاءِ بِالْأَمَانِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَإِقْبَالُهُ بَعْدَ قَصْدِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ رَدَّ قَصْدِهِمْ بِالْقِتَالِ. وَأَمَّا إقْبَالُهُ قَبْلَ قَصْدِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْمُسَالَمَةَ. أَلَا تَرَى أَنَّ تُجَّارَهُمْ هَكَذَا يَكُونُ الْحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنَادَوْا لِطَلَبِ (٧٥ ب) الْأَمَانِ.
٣٩٠ - وَإِنْ كَانَ فِي مَنْعَةٍ حَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامَهُ وَلَا يَرَوْنَهُ، فَانْحَطَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ وَلَا سِلَاحٌ حَتَّى أَتَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ حَيْثُ يَسْمَعُهُمْ نَادَى بِالْأَمَانِ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ مِنْ مُفَارَقَةِ الْمَنَعَةِ وَالنِّدَاءِ بِالْأَمَانِ إذْ كَانَ بِحَيْثُ
[ ٢٩١ ]
يَسْمَعُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَلْقَى السِّلَاحَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَاءَ طَالِبًا لِلْأَمَانِ، فَهُوَ آمِنٌ، أَمَّنُوا أَوْ لَمْ يُؤَمِّنُوا. لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَّنَ مِثْلَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] .
٣٩١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ السِّلَاحُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ هَيْئَةُ رَجُلٍ يُرِيدُ الْقِتَالَ. لِأَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَصْحَبَ السِّلَاحَ لِيَبِيعَهُ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ خَافَ ضَيَاعَهُ إنْ خَلَفَهُ عِنْدَهُمْ، فَاسْتَصْحَبَهُ ضِنَةً مِنْهُ بِسِلَاحِهِ.
٣٩٢ - وَإِنْ كَانَ أَقْبَلَ سَالًّا سَيْفَهُ مَادًّا رُمْحَهُ نَحْوَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْهُمْ نَادَى الْأَمَانَ، فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ أَقْبَلَ مُقَاتِلًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا يُتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ جَائِزٌ. وَغَالِبُ الرَّأْيِ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى إبَاحَةِ الدَّمِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَأَى إنْسَانًا يَدْخُلُ بَيْتَهُ لَيْلًا وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ هَارِبٌ مِنْ اللُّصُوصِ فَإِنَّهُ يُحَكِّمُ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَا اللُّصُوصِ أَوْ كَانَ مَعَهُ آخَرُ يَجْمَعُ مَتَاعَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَا أَهْلِ الْخَيْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤْوِيَهُ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَرْمِيَ إلَيْهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ تَحْكِيمِ السِّيمَاءِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ إلَى دَلَالَةِ الْحَالِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]
[ ٢٩٢ ]
- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا نَزَلَ لَيْلًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَجَاءَ مُشْرِكٌ عَلَى طَرِيقٍ لَا يَعْدُو عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى لَقِيَ أَوَّلَ مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَسَأَلَهُمْ الْأَمَانَ، إلَّا أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، كَانَ آمِنًا. لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا صَارَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْهُمْ، وَالنِّدَاءُ بِالْأَمَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُفِيدًا شَيْئًا، فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِهِ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ «مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَانَ عَلَى حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَعْضِ اللَّيَالِي حِينَ كَانَ مُحَاصِرًا لِبَنِي قُرَيْظَةَ. فَخَرَجَ رَجُلَانِ وَوَجْهُهُمَا نَحْوَهُ. فَلَمَّا وَصَلَا إلَيْهِ قَالَ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمَا؛ قَالَا: جِئْنَا بِالْأَمَانِ (٧٦ آ) . فَخَلَّى سَبِيلَهُمَا وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنِي إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ. وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى أَثَرِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمْ يُعَاتِبُهُ عَلَى ذَلِكَ» .
- وَلَوْ وَجَدُوا رَجُلًا عَلَيْهِ سِلَاحَهُ فِي مُؤَخَّرِ الْعَسْكَرِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ يُعَارِضُ الْعَسْكَرَ، فَلَمَّا بَصُرُوا بِهِ دَعَا إلَى الْأَمَانِ، كَانَ فَيْئًا، وَلِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ جَاءَ مُتَجَسِّسًا، أَوْ جَاءَ عَلَى قَصْدِ أَنْ يُبَيِّتَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي مِثْلِ هَذَا بِغَالِبِ الظَّنِّ وَالرَّأْيِ.
٣٩٥ - وَإِنْ أَشْكَلَ حَالُهُ وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَأْمَنٌ وَلَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُلُوبِ
[ ٢٩٣ ]
تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مِنْ حَالِهِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَيَجْعَلَهُ ذِمَّةً. لِأَنَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ وَانْعِدَامِ التَّرْجِيحِ يَجِبُ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ، وَمِنْ الِاحْتِيَاطِ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ وَلَا يَجْعَلَهُ فَيْئًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَاءَ مُسْتَأْمِنًا، وَأَنْ لَا يَرُدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَاءَ مُغِيرًا، فَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ حُرْمَتِهِ بِالْمُحْتَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ إرَاقَةُ دَمِهِ بِهِ أَيْضًا. فَيَبْقَى حُرًّا مُحْتَبِسًا فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ. فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَبَى وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ. وَكَذَلِكَ الْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُرِيدُونَ دُخُولَ دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُنَادُوا بِالْأَمَانِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُونَ فِيهِ مُمْتَنِعِينَ. فَنَادَوْا بِالْأَمَانِ حِينَ انْتَهَوْا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِمَا فِي وُسْعِهِمْ.
- وَلَوْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ جَاءُوا فَاسْتَأْمَنُوا، فَإِنْ شَاءَ الْمُسْلِمُونَ أَمَّنُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُؤَمِّنُوهُمْ. لِأَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ فِي دَارِنَا كَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي حُصُونِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ مُمْتَنِعِينَ.
٣٩٧ - وَلَوْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ إذَا
[ ٢٩٤ ]
كَانُوا فِي مَنَعَتِهِمْ. فَيَكُونُ لَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. فَأَمَّا غَيْرُ الْمُمْتَنِعِينَ لَوْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ لَمْ يَجُزْ نَبْذُ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَتَّى نُلْحِقَهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ. فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا طَالِبِينَ الْأَمَانَ حَتَّى صَارُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مِنَّا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ تَقَدَّمَ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُ لَا أَمَانَ لَكُمْ عِنْدَنَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلَيْنَا. فَإِذَا عَلِمُوا بِذَلِكَ فَلَا أَمَانَ لَهُمْ. وَمَنْ جَاءَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ فَهُوَ فَيْءٌ، لِأَنَّهُ أَعْذَرَ إلَيْهِمْ بِمَا صَنَعَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْت إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] . ثُمَّ الْحَاصِلُ (٧٦ ب) أَنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْمَنَعَةَ عِنْدَ الِاسْتِئْمَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ آمِنًا عَادَةً، وَالْعَادَةُ تُجْعَلُ حُكْمًا إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، فَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ، كَمُقَدِّمِ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ إنْسَانٍ إذَا قَالَ: لَا تَأْكُلْ.
- وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: دَخَلْت بِأَمَانِ، لَمْ يُصَدَّقْ. لِأَنَّهُ صَارَ مَأْخُوذًا مَقْهُورًا بِمَنْعِهِ الدَّارَ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْأَمَانِ، وَقَوْلُ الْمُتَّهَمِ لَا يَكُونُ حُجَّةً. أَرَأَيْت لَوْ أَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَرَقَّهُ ثُمَّ قَالَ: كُنْت دَخَلْت بِأَمَانٍ أَكَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ؟
٣٩٩ - وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَنَا أَمَّنْته لَمْ يُصَدَّقْ بِذَلِكَ أَيْضًا. لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ حَقُّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَنْعِهِ
[ ٢٩٥ ]
مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَاسْتِرْقَاقِهِ. وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي إبْطَالِ الْحَقِّ الثَّابِتِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
٤٠٠ - فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ غَيْرُ الْمَخْبَرِ أَنَّهُ أَمَّنَّهُ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَلَا شَهَادَةَ فِيهِ لِلَّذِي يَقُولُ: أَنَا أَمَّنْته، لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ دَعْوَى لَا شَهَادَةً، وَلَا شَهَادَةَ فِيهِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
٤٠١ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنَا رَسُولُ الْمَلِكِ إلَى الْخَلِيفَةِ لَمْ يُصَدَّقْ وَكَانَ فَيْئًا. لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ دَعْوَى الْأَمَانِ. فَإِنَّ الرَّسُولَ آمِنٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. هَكَذَا جَرَى الرَّسْمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ. فَإِنَّ أَمْرَ الصُّلْحِ أَوْ الْقِتَالِ لَا يَلْتَئِمُ إلَّا بِالرَّسُولِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ آمِنًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ رَسُولُ قَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِمَا كَانَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّك رَسُولٌ لَقَتَلْتُك» . فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الرَّسُولَ آمِنٌ، وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ لَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ رَسُولٌ.
٤٠٢ - فَإِنْ أَخْرَجَ كِتَابًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَ مَلِكِهِمْ وَادَّعَى أَنَّهُ كِتَابُ مَلِكِهِمْ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ. وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُ هَهُنَا بِغَالِبِ الظَّنِّ. فَلَعَلَّ الْكِتَابَ مُفْتَعَلٌ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ فَوْقَ هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِيُسْتَصْحَبَهُمَا لِيَشْهَدَا عَلَى أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ قِبَلِهِ، يُكْتَفَى مِنْهُ بِهَذَا الدَّلِيلِ.
[ ٢٩٦ ]
فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. وَلَوْ لَمْ يَصْحَبْهُ دَلِيلٌ وَلَا كِتَابٌ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وُجِدَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَجِبُ (٧٧ آ) فِيهِ الْخُمُسُ فِيهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. وَفِي هَذَا الْفَصْلِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إيجَابِ الْخُمُسِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي دَارِنَا. فَمَنْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ يَكُونُ مُحْرَزًا لَهُ مُخْتَصًّا بِمِلْكِهِ كَالصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ. وَفِي إيجَابِ الْخُمُسِ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - يَصِيرُ هُوَ مَقْهُورًا لِمَنْعِهِ الدَّارَ مَأْخُوذًا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ كَانَ فَيْئًا، بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ يُسْلِمُ بَعْدَ الْأَخْذِ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الرِّقَّ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - ﵀ - لَا يَصِيرُ مَأْخُوذًا بِالدَّارِ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ مُسْلِمٌ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ كَانَ حُرًّا. لِأَنَّ الْإِحْرَازَ فِي الْحَقِيقَةِ يَكُونُ بِالْيَدِ لَا بِالدَّارِ، وَلِهَذَا لَوْ رَجَعَ إلَى دَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ، فَإِذَا أَخَذَهُ إنْسَانٌ كَانَ مُخْتَصًّا بِمِلْكِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِإِحْرَازِهِ. فَإِنْ قَالَ: إنِّي أَمَّنْته قَبْلَ أَنْ آخُذَهُ فَهُوَ آمِنٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ عَبْدٌ لَهُ. وَقَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ. وَيَنْبَغِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - أَنْ لَا يَكُونَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِيهِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي إبْطَالِ حَقِّهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ فِي دَارِنَا حَتَّى رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْجِعْ كَانَ حُرًّا، فَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ صَارَ مَأْخُوذًا لَا يَصِيرُ رَقِيقًا مَا لَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهِ الرِّقُّ. فَإِذَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ انْعَدَمَ عَرْضِيَّةُ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِ، وَتَقَرَّرَ حُرِّيَّتُهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ، فَلَا يُسْتَرَقُّ بَعْدَ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ يُسْلِمُ وَيَنْقَلِبُ إلَى عَسْكَرِ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَكَمَا يَكُونُ حُرًّا هُنَاكَ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
- وَإِذَا مَرَّ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ بِمَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ أَهْلِ الْحَرْبِ
[ ٢٩٧ ]
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهِمْ طَاقَةٌ، فَأَرَادُوا أَنْ يَنْفُذُوا إلَى غَيْرِهِمْ، قَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: أُعْطُونَا أَنْ لَا تَمُرُّوا فِي هَذَا الطَّرِيقِ عَلَى أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا وَلَا نَأْسِرَهُ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطُوهُمْ ذَلِكَ وَيَأْخُذُوا فِي طَرِيقٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ وَأَشَقَّ. لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَيَقْتُلُوا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ مِمَّنْ فِي أُخْرَيَاتِ الْعَسْكَرِ. وَهَذِهِ الْمُوَادَعَةُ تُؤَمِّنُهُمْ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْمُوَادَعَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الشَّرْطِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ مَنْ أَتَى مُسْلِمًا مِنْهُمْ. وَوَفَى لَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، إلَى أَنْ انْتَسَخَ. لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ خَيْبَرَ مِنْ الْمُوَاطَأَةِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إذَا تَوَجَّهَ إلَى أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ أَغَارَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ عَلَى الْمَدِينَةِ. فَوَادَعَ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ جَانِبِهِمْ إذَا تَوَجَّهَ إلَى خَيْبَرَ. فَعَرَفْنَا (٧٧ ب) أَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ لَا بَأْسَ بِقَبُولِهِ إذَا كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
٤٠٤ - فَإِنْ قَبِلُوهُ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ أَنْ يَمُرُّوا فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَيُعْلِمُوهُمْ بِذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُوَادَعَةِ وَالْأَمَانِ، فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْغَدْرِ إلَى أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.
٤٠٥ - فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إنَّ مَمَرَّنَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ لَا يَضُرُّهُمْ شَيْئًا قِيلَ لَهُمْ: لَعَلَّ لَهُمْ فِي هَذَا الطَّرِيقِ زُرُوعًا وَنَخْلًا وَكَلَأً يَحْتَاجُونَ
[ ٢٩٨ ]
إلَيْهِ، وَلَا يُحِبُّونَ أَنْ تَرْعُوهُ، أَوْ لَعَلَّ لَهُمْ مَوَاشِيَ وَلَا يُحِبُّونَ أَنْ تَعْرِضُوا لَهَا. فَإِنْ قَالُوا: نَمُرُّ وَلَا نَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا أَسْهَلَ الطُّرُقِ، قِيلَ لَهُمْ: وَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا شَيْئًا، فَلَعَلَّ الْقَوْمَ يَكْرَهُونَ أَنْ تَرَوْا حُصُونَهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَتَعْرِفُوا الطَّرِيقَ إلَيْهِمْ، فَتَأْتُوهُمْ مَرَّةً أُخْرَى. أَوْ تَرَوْنَ لَهُمْ عَوْرَةً مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ فَتَغْزُونَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى بِمَا رَأَيْتُمْ مِنْ الْعَوْرَةِ. فَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا الْوَفَاءُ بِمَا قُلْتُمْ أَوْ النَّبْذُ إلَيْهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] .
- وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: أُعْطُونَا عَلَى أَنْ لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَاءِ نَهْرِنَا فَأَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ شُرْبُنَا يَضُرُّهُمْ فِي مَائِهِمْ، أَوْ لَا نَعْلَمُ أَيَضُرُّ ذَلِكَ بِمَائِهِمْ أَوْ لَا، فَيَنْبَغِي أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ. وَإِنْ كُنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِمَاءِ نَهْرِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَشْرَبَ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ وَنَسْقِيَ الدَّوَابَّ بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ. لِأَنَّ الشَّرْطَ إنْ كَانَ مُفِيدًا يَجِبُ مُرَاعَاتُهُ. وَمَنْ اشْتَرَطَ مِثْلَهُ يَكُونُ مُتَعَنِّتًا لَا طَالِبَ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَافِعَ ضَرَرٍ. فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِهِمْ فَهَذَا شَرْطٌ غَيْرُ مُفِيدٍ فَيُلْغَى. وَإِذَا كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فَهَذَا شَرْطٌ مُفِيدٌ لَهُمْ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَجْرِي مِنْ الشُّرُوطِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَيَضُرُّ
[ ٢٩٩ ]
بِهِمْ أَمْ لَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْفَعَةٍ لَهُمْ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُمْ، لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ.
٤٠٧ - فَإِذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ دَوَابِّهِمْ فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ فَاعِلُونَ، ثُمَّ يَشْرَبُونَ. وَكَذَلِكَ الْكَلَأُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُمْ. وَقَدْ أَثْبَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ النَّاسِ شَرِكَةً عَامَّةً فِي الْكَلَأِ وَالْمَاءِ فَلَا تَنْقَطِعُ شَرِكَتُهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِيهِ.
٤٠٨ - فَأَمَّا الزَّرْعُ وَالْأَشْجَارُ وَالثِّمَارُ إذَا أَعْطُوهُمْ أَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَضَرَّ بِأَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ. لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ (٧٨ آ) لَهُمْ، وَنُفُوذُ تَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِهِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ وَالضَّرَرِ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ ثُمَّ يَأْخُذُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَعْلِفُونَ. لِأَنَّ بِهَذَا الشَّرْطِ لَا تَنْعَدِمُ صِفَةُ الْإِبَاحَةِ الثَّابِتَةِ فِي أَمْلَاكِهِمْ، وَلَكِنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ.
٤٠٩ - وَإِنْ قَالُوا أَعْطُونَا عَلَى أَنْ لَا تُحَرِّقُوا زُرُوعَنَا وَلَا كَلَأَنَا فَأَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْكُلَ مِنْهُ وَنَعْلِفَ دَوَابَّنَا.
[ ٣٠٠ ]
لِأَنَّ الْوَفَاءَ إنَّمَا يَلْزَمُنَا بِقَدْرِ مَا قَبِلْنَا مِنْ الشُّرُوطِ. وَذَلِكَ الْإِحْرَاقُ وَالْأَكْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِحْرَاقِ فِي شَيْءٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْكُلَ مِلْكَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُحْرِقَهُ؛ وَأَهْلُ الشَّامِ يَكْرَهُونَ الْإِحْرَاقَ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا يَكْرَهُونَ التَّنَاوُلَ. وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا شَرَطُوا هَذَا الشَّرْطَ لِمَا فِي الْإِحْرَاقِ مِنْ الْفَسَادِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِالشَّرْطِ نَصًّا لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
٤١٠ - وَإِنْ سَأَلُونَا أَنْ لَا نُخَرِّبَ قُرَاهُمْ فَأَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْخُذَ مَا وَجَدْنَا فِي قُرَاهُمْ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ عَلَفٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِبِنَاءٍ. لِأَنَّ التَّخْرِيبَ يَكُونُ فِي الْأَبْنِيَةِ. أَمَّا أَخْذُ الْأَمْتِعَةِ فَمِنْ الْحِفْظَةِ لَا مِنْ التَّخْرِيبِ. وَلَعَلَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ لِمَا فِي التَّخْرِيبِ مِنْ صُورَةِ الْإِفْسَادِ. وَلَكِنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِي قُرَاهُمْ مِنْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ نَعْرِضَ لَهُ. وَمَا كَانَ مِنْ خَشَبٍ مَوْضُوعٍ لَيْسَ فِي بِنَاءٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْخُذَهُ وَنُوقِدَ بِهِ، لِأَنَّ هَذَا انْتِفَاعٌ وَلَيْسَ بِتَخْرِيبٍ. وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَحِلُّ بَعْدَ هَذَا الشَّرْطِ هَدْمُ شَيْءٍ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ أَوْ تَخْرِيبُهُ بِالنَّارِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَوْقَ التَّخْرِيبِ. فَيَثْبُتُ حُكْمُ الشَّرْطِ فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَإِنْ وَجَدْنَا بَابًا مُغْلَقًا وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَقْلَعَهُ قَبْلَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ، لِأَنَّ هَذَا تَخْرِيبٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَدْرَنَا عَلَى فَتْحِ الْبَابِ، فَإِنَّ فَتْحَ الْبَابِ لَيْسَ بِتَخْرِيبٍ، فَإِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهِ إلَّا بِكَسْرِ الْغَلْقِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفْعَلَ، لِأَنَّ هَذَا تَخْرِيبٌ، وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِيمَا الْتَزَمْنَا بِالشَّرْطِ نَصًّا سَوَاءٌ.
٤١١ -
[ ٣٠١ ]
وَإِنْ شَرَطُوا عَلَيْنَا أَنْ لَا نَأْكُلَ مِنْ زُرُوعِهِمْ وَلَا نَعْلِفَ مِنْهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُحَرِّقَ شَيْئًا مِنْهَا. لِأَنَّ الْإِحْرَاقَ فَوْقَ الْأَكْلِ فِي تَفْوِيتِ مَقْصُودِهِمْ بِالشَّرْطِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى التَّأْفِيفِ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ يَكُونُ تَنْصِيصًا عَلَى حُرْمَةِ الشَّتْمِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطُوا بِأَنْ لَا يُحْرَقَ، لِأَنَّ الْأَكْلَ دُونَ التَّحْرِيقِ. فَإِنَّ الْإِحْرَاقَ إفْسَادٌ لِلْعَيْنِ، وَالْأَكْلُ انْتِفَاعٌ بِالْعَيْنِ. فَإِذَا شَرَطُوا أَنْ لَا يَأْكُلَ فَمَقْصُودُهُمْ بَقَاءُ الْعَيْنِ لَهُمْ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالْإِحْرَاقِ كَمَا يَنْعَدِمُ بِالْأَكْلِ. وَإِذَا شَرَطُوا أَنْ لَا نُحَرِّقَ فَمَقْصُودُهُمْ (٧٨ ب) أَنْ لَا يَفْسُدَ شَيْءٌ مِنْ مِلْكِهِمْ، وَلَيْسَ فِي الْأَكْلِ فَسَادٌ.
٤١٢ - فَإِنْ اشْتَرَطُوا أَنْ لَا نُحَرِّقَ لَهُمْ زُرُوعًا فَقَدْرَنَا عَلَى أَنْ نُغْرِقَهَا بِالْمَاءِ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إفْسَادٌ.
٤١٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نُغْرِقَهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُحَرِّقَهَا.
٤١٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نُغْرِقَ سَفِينَتَهُمْ وَلَا نُحَرِّقَهَا لَمْ يَنْبَغِ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ بِهَا. لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ مِنْ هَذَا بَقَاءُ عَيْنِهَا لَهُمْ لِيَنْتَفِعُوا بِهَا، وَذَلِكَ يَفُوتُ إذَا ذَهَبْنَا بِهَا.
[ ٣٠٢ ]
أَرَأَيْت لَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نُحَرِّقَ مَنَازِلَهُمْ وَلَا نُغْرِقَهَا أَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَنْقُضَهَا فَنَذْهَبَ بِخَشَبِهَا وَأَبْوَابِهَا؟ هَذَا لَا يَنْبَغِي. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا أَنْ لَا نَسْتَهْلِكَهَا عَلَيْهِمْ. إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ التَّنْصِيصُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الِاسْتِهْلَاكِ، وَذَكَرُوا مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَسْبَابِهِ وَهُوَ التَّغْرِيقُ وَالْإِحْرَاقُ.
٤١٥ - وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ إذَا أَصَبْنَاهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْسِرَهُمْ وَيَكُونُوا فَيْئًا وَلَا نَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْأَسْرَ لَيْسَ فِي مَعْنَى مَا شَرَطُوا مِنْ الْقَتْلِ. فَإِنَّ الْقَتْلَ نَقْصُ الْبِنْيَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْسِرَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ شَرْعًا.
٤١٦ - وَإِنْ شَرَطُوا أَنْ لَا نَأْسِرَ مِنْهُمْ أَحَدًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَأْسِرَهُمْ وَنَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْقَتْلَ أَشَدُّ مِنْ الْأَسْرِ. وَمَقْصُودُهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ يَفُوتُ بِالْقَتْلِ كَمَا يَفُوتُ بِالْأَسْرِ. إلَّا أَنْ تَظْهَرَ الْخِيَانَةُ مِنْهُمْ بِأَنْ كَانُوا الْتَزَمُوا أَنْ لَا يَقْتُلُوا وَلَا يَأْسِرُوا مِنَّا أَحَدًا، ثُمَّ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا مِنْهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ وَأَنْ نَأْسِرَهُمْ كَمَا كَانَ لَنَا ذَلِكَ قَبْلَ الْعَهْدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمَّا صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ لِمُسَاعِدَةِ بَنِي بَكْرٍ عَلَى بَنِي خُزَاعَةَ
[ ٣٠٣ ]
وَكَانُوا حُلَفَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَيْفَ قَصَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ إلَيْهِمْ فَإِنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِمْ الْأَخْبَارَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً؟ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِنَقْضٍ مِنْهُمْ لِعَهْدِهِمْ. لِأَنَّ فِعْلَ الْوَاحِدِ لَا يَشْتَهِرُ فِي جَمَاعَتِهِمْ عَادَةً، وَلَيْسَ لِهَذَا الْوَاحِدِ وِلَايَةُ نَقْضِ الْعَهْدِ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ فِي دِينِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا مِنْهُ لِإِيمَانِهِ، وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا مِنْهُ لِأَمَانِهِ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَتُهُمْ أَوْ أَمِيرُهُمْ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ فَلَا يُغَيِّرُونَهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنْهُمْ. لِأَنَّ فِعْلَ أَمِيرِهِمْ يَشْتَهِرُ لَا مَحَالَةَ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ إذَا فَعَلَهُ مُجَاهِرَةً فَلَمْ يُغِيرُوا عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُمْ أَمَرُوهُ بِذَلِكَ، عَلَى مَا قِيلَ: إنَّ السَّفِيهَ إذَا لَمْ يَنْهَهُ مَأْمُورٌ. وَمُبَاشَرَةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاهِرَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ لِلْعَهْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.
٤١٧ - فَإِنْ شَرَطُوا عَلَى أَنْ لَا نَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلُوا أَسْرَانَا، وَأَسَرُوا مِنَّا أُسَارَى فَلَمْ يَقْتُلُوهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْسِرَ نَحْنُ أَيْضًا أَسْرَاهُمْ وَلَا نَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ نَقْضَ (٧٩ آ) الْعَهْدِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ الْتَزَمُوا بِأَنْ لَا يُقْتَلُوا وَمَا الْتَزَمُوا بِأَنْ لَا يَأْسِرُوا، وَإِذَا بَقِيَ الْعَهْدُ نُعَامِلُهُمْ كَمَا يُعَامِلُونَنَا جَزَاءً وِفَاقًا.
٤١٨ -
[ ٣٠٤ ]
وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارنَا بِأَمَانٍ فَقَتَلَ مُسْلِمًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ، أَوْ تَجَسَّسَ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ. فَبَعَثَ بِهَا إلَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ كُرْهًا، أَوْ سَرَقَ، فَلَيْسَ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا نَقْضًا مِنْهُ لِلْعَهْدِ. إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَصِيرُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ بِمَا صَنَعَ. لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَقَدْ الْتَزَمَ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا فَعَلَهُ كَانَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ بِمُبَاشَرَتِهِ، مِمَّا يُخَالِفُ مُوجِبَ عَقْدِهِ، وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ نَاقِضَ الْعَهْدِ بِهَذَا رَجَعَ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَوْ فَعَلَ الْمُسْلِمُ شَيْئًا مِنْ هَذَا لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِإِيمَانِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ الْمُسْتَأْمَنُ لَا يَكُونُ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ.
٤١٩ - وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَغْزُوكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] فَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مُؤْمِنًا مَعَ مَا فَعَلَهُ. وَكَذَلِكَ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ حِين اسْتَشَارَهُ بَنُو قُرَيْظَةَ أَنَّهُمْ إنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَاذَا يَصْنَعُ بِهِمْ، فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى حَلْقِهِ، يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ يَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] الْآيَةُ.
[ ٣٠٥ ]
فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْإِيمَانِ مِنْ الْمُسْلِمِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْأَمَانِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ، وَلَكِنَّهُ إنْ قَتَلَ إنْسَانًا عَمْدًا يُقْتَلُ بِهِ قِصَاصًا، لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حُقُوقَ الْعِبَادِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ.
٤٢٠ - وَإِنْ قَذَفَ مُسْلِمًا يُضْرَبُ الْحَدُّ. لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ صِيَانَةً لِعَرْضِهِ. وَلِهَذَا تُسْمَعُ خُصُومَتُهُ فِي الْحَدِّ، وَلَا تُسْتَوْفَى إلَّا بِهِ. فَأَمَّا مَا أَصَابَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، فَالْخِلَافُ فِيهِ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
٤٢١ - وَاسْتَدَلَّ بِصِحَّةِ مَذْهَبِهِ هُنَا، بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ هَلْ تُقَامُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْحُدُودُ. فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: لَا يُقَامُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، لَكِنْ يُرْفَعُونَ إلَى حَاكِمِهِمْ لَيُقِيمَهَا عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -. فَاخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، يَكُونُ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ بِذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ لِوُرُودِ النَّصِّ. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «أَمَرَ بِرَجْمِ الْيَهُودِيِّ»، وَلَكِنَّ وُرُودَ النَّصِّ فِي الذِّمِّيِّ، لَا يُوجِبُ ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارنَا، فَيُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ كُلُّهَا إلَّا حَدَّ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ شُرْبِهِ، وَبِدُونِ اعْتِقَادِ الْحُرْمَةِ لَا يَتَقَرَّرُ السَّبَبُ. فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ لَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَلَا الْتَزَمَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِنَا، وَإِنَّمَا دَخَلَ دَارَنَا لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى دَارِهِ. وَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ.
[ ٣٠٦ ]
٤٢٢ - وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِقَتْلِ الْمُسْتَأْمَنِ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ. فَلِهَذَا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ مَا كَانَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ. وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. وَيَغْرَمُ مَا اُسْتُهْلِكَ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ عَلَيْهِ صَدَاقُ الَّتِي أَصَابَهَا. لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَخْلُو عَنْ حَدٍّ أَوْ مَهْرٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّهَا. وَيُوجَبُ عُقُوبَةً عَلَى مَا صَنَعَ وَيَجْلِسُ فِي السِّجْنِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ. وَيُعَزَّرُ لِأَنَّ فِي لَفْظِ التَّعْزِيرِ مَا يُنَبِّئُ عَنْ مَعْنَى التَّطْهِيرِ وَالتَّعْظِيمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَلِهَذَا قَالَ: يَوْجَعَ عُقُوبَةً بِمَا صَنَعَ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[ ٣٠٧ ]