٧٧٥ -
[ ٥٠٦ ]
بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا مِمَّنْ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ وَالْأَسْرَى، وَمَا لَا يَكُونُ أَمَانًا وَلَوْ أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا أَوَّلَ مَسَالِحِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ. وَأَخْرَجُوا كِتَابًا يُشْبِهُ كِتَابَ الْخَلِيفَةِ، أَوْ لَمْ يُخْرِجُوا، وَكَانَ ذَلِكَ خَدِيعَةً مِنْهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ. فَقَالُوا لَهُمْ: اُدْخُلُوا. فَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ. فَلَيْسَ يَحِلُّ لَهُمْ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا دَامُوا فِي دَارِهِمْ.
لِأَنَّ مَا أَظْهَرُوهُ لَوْ كَانَ حَقًّا كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ أَيْضًا لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِشَيْءٍ، هُوَ الْحُكْمُ فِي الرُّسُلِ إذَا دَخَلُوا إلَيْهِمْ كَمَا بَيَّنَّا.
٧٧٦ - فَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا فِي بَاطِنِ الدَّاخِلِينَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى مَا يُظْهِرُونَ لِوُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَهَذَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَمْرَ الْأَمَانِ شَدِيدٌ وَالْقَلِيلُ مِنْهُ يَكْفِي.
فَيُجْعَلُ مَا أَظْهَرُوهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ مِنْهُمْ. وَلَوْ اسْتَأْمَنُوا فَآمَنُوهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفُوا لَهُمْ.
[ ٥٠٧ ]
فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ مَا هُوَ دَلِيلُ الِاسْتِئْمَانِ. - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا: جِئْنَا نُرِيدُ التِّجَارَةَ. وَقَدْ كَانَ قَصْدُهُمْ أَنْ يَغْتَالُوهُمْ.
لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا تُجَّارًا حَقِيقَةً كَمَا أَظْهَرُوا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَغْدِرُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ لَهُمْ.
٧٧٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ لَقُوهُمْ فِي وَسَطِ دَارِ الْحَرْبِ إلَّا أَنَّ مَا كَانُوا أَخَذُوا قَبْل أَنْ يَلْقَوْهُمْ، فَهُوَ سَالِمٌ لَهُمْ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ حِينَ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ بِنَاءً عَلَى مَا أَظْهَرُوا فَكَأَنَّهُمْ آمَنُوهُمْ الْآنَ. وَذَلِكَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ التَّعَرُّضَ لَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ رَدُّ شَيْءٍ مِمَّا أَصَابُوا قَبْلَ ذَلِكَ.
٧٧٩ - وَلَوْ كَانُوا تَشَبَّهُوا بِالرُّومِ وَلَبِسُوا لِبَاسَهُمْ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ الرُّومِ كُنَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ. وَانْتَسَبُوا لَهُمْ إلَى مَنْ يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ لَمْ يَنْتَسِبُوا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوا مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَالَ.
لِأَنَّ مَا أَظْهَرُوا لَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ أَمَانٌ. فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيْسَ فِي أَمَانٍ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَالٍ بِمِلْكِهِ، وَإِذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ كَانَ سَالِمًا لَهُ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُمْ مَا خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ بِنَاءً عَلَى اسْتِئْمَانٍ
[ ٥٠٨ ]
مِنْهُمْ صُورَةً أَوْ مَعْنًى، وَإِنَّمَا خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ عَلَى بِنَاءِ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ. فَهَذَا وَقَوْلُهُمْ: نَحْنُ مِنْكُمْ، سَوَاءٌ.
٧٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَتَوْهُمْ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَذِنُوا لَهُمْ فِي الدُّخُولِ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُمْ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْهُمْ، وَأَنَّ الدَّارَ تَجْمَعُهُمْ، وَالْإِنْسَانُ فِي دَارِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُسْتَأْمَنًا. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْمُتَخَصِّرِ فِي الْجَنَّةِ حِينَ قَالَ لِسُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: جِئْت لِأَنْصُرَك وَأُكْثِرَك وَأَكُونَ مَعَك. ثُمَّ قَتَلَهُ. فَدَلَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ أَمَانًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا تَفْسِيرَ الْمُتَخَصِّرِ فِيمَا سَبَقَ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «خَيْرُ الْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ الْمُتَخَصِّرُونَ» . يَعْنِي الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الطَّاعَاتِ مَا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَنَّةِ وَيَنَالُونَ بِهَا مِنْ الدَّرَجَاتِ، كَمَا يَتَوَكَّأُ الرَّجُلُ عَلَى عَصَاهُ فِي الدُّنْيَا يَضَعُهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.
[ ٥٠٩ ]
وَلَوْ أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أُسَرَاءَ فِي أَيْدِيهِمْ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ، لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ أَحَبُّوا مِنْهُمْ، وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَلَ وَيَهْرُبُوا إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَقَبْلَ أَنْ يُخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، لَوْ قَدَرُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَا أَظْهَرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَا يَكُونُ دَلِيلَ الِاسْتِئْمَانِ، وَمَا خَلَّوْهُمْ عَلَى سَبِيلِ إعْطَاءِ الْأَمَانِ بَلْ عَلَى وَجْهِ قِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِهِمْ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِمْ.
٧٨٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا لَهُمْ: قَدْ آمَنَّاكُمْ فَاذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، وَلَمْ تَقُلْ الْأُسَرَاءُ (ص ١٧١) شَيْئًا.
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ التَّعَرُّضُ لَهُمْ بِالِاسْتِئْمَانِ صُورَةً أَوْ مَعْنًى، فَبِهِ يَلْتَزِمُونَ الْوَفَاءَ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يُلْزِمُهُمْ شَيْئًا لَمْ يَلْتَزِمُوهُ.
٧٨٣ - بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ: اُدْخُلُوا فَأَنْتُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّ هُنَاكَ جَاءُوا عَنْ اخْتِيَارٍ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، فَإِنَّهُمْ حِينَ ظَهَرُوا لِأَهْلِ الْحَرْبِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُونَ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ بِالْقُوَّةِ، فَكَأَنَّهُمْ اسْتَأْمَنُوهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ. وَأَمَّا الْأُسَرَاءُ فَحَصَلُوا فِي دَارِهِمْ مَقْهُورِينَ لَا عَنْ اخْتِيَارٍ مِنْهُمْ، فَلَا بُدَّ لِلِاسْتِئْمَانِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
٧٨٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ لَقُوا الْأُسَرَاءَ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا:
[ ٥١٠ ]
نَحْنُ قَوْمٌ تُجَّارٌ دَخَلْنَا بِأَمَانِ أَصْحَابِكُمْ. أَوْ قَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْهُمْ.
لِأَنَّهُمْ أَظْهَرُوا مَا هُوَ دَلِيلُ الِاسْتِئْمَانِ. فَيُجْعَلُ ذَلِكَ اسْتِيمَانًا مِنْهُمْ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَغْدِرُوا بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ.
- فَإِنْ عَلِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ أُسَرَاءُ فَأَخَذُوهُمْ ثُمَّ انْفَلَتُوا مِنْهُمْ حَلَّ لَهُمْ قِتَالُهُمْ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ.
لِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِئْمَانِ إلَيْهِمْ يَرْتَفِعُ بِمَا فَعَلُوا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَوْ غَدَرَ بِهِمْ مَلِكُ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَحَبَسَهُمْ، ثُمَّ انْفَلَتُوا، حَلَّ لَهُمْ قَتْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ؟ بِاعْتِبَارِ أَنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ مِنْ مَلِكِهِمْ.
٧٨٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ رَجُلٌ بِأَمْرِ مَلِكِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنَّ السَّفِيهَ إذَا لَمْ يُنْهَ مَأْمُورٌ. فَأَمَّا إذَا فَعَلُوا بِغَيْرِ عِلْمِ الْأَمِيرِ أَوْ عِلْمِ جَمَاعَتِهِمْ لَمْ يَحِلَّ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَنْ يَسْتَحِلُّوا حَرِيمَ الْقَوْمِ بِمَا صَنَعَ هَذَا بِهِمْ.
لِأَنَّ فِعْلَ الْوَاحِدِ مِنْ عَرْضِهِمْ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا هَذَا ظُلْمٌ مِنْهُ إيَّاهُمْ، فَيَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَنْتَصِفُوا مِنْهُ بِاسْتِرْدَادِ عَيْنِ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ أَوْ مِثْلِهِ إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِشَيْءٍ سِوَى هَذَا لِأَنَّ الظَّالِمَ لَا يُظْلَمُ وَلَكِنْ يُنْتَصَفُ مِنْهُ بِالْمِثْلِ فَقَطْ.
[ ٥١١ ]
وَلَوْ كَانَ الْأُسَرَاءُ قَالُوا لَهُمْ حِينَ أَخَذُوهُمْ: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْكُمْ: فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ. حَلَّ لَهُمْ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا أَظْهَرُوهُ لَيْسَ بِاسْتِئْمَانٍ.
٧٨٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأُسَرَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
لِأَنَّ حُصُولَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْمَانِ.
٧٨٩ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ بُرْجَانِ جِئْنَا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ بِالْأَمَانِ. أَمَّنَنَا بَعْضُ مَسَالِحِكُمْ لِنَلْحَقَ بِبِلَادِنَا. فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ، لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَعْرِضُوا بَعْدَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَبُرْجَانُ هَذَا اسْمُ نَاحِيَةٍ وَرَاءَ الرُّومِ، بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ أَهْلِ الرُّومِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ. وَلَا يَتَمَكَّنُ بَعْضُهُمْ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى بَعْضٍ إلَّا بِالِاسْتِئْمَانِ.
فَمَا أَظْهَرُوهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ؟
٧٩٠ - فَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. مَا لَمْ يَرْجِعُوا إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ رَجَعُوا فَقَدْ انْتَهَى حُكْمُ ذَلِكَ الِاسْتِئْمَانِ وَإِذَا دَخَلُوا دَارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَصْنَعُوا بِهِمْ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ.
[ ٥١٢ ]
لِأَنَّهُمْ الْآنَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِينَ فِيهِمْ، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِرُجُوعِهِمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا.
لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ إنَّمَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لِتَقْصِيرٍ مِنْهُمْ فِي حِفْظِ حَرِيمِهِمْ، بِخِلَافِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيمَا سَبَقَ.
٧٩١ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوا أُسَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا مُسْلِمٌ. فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ حَتَّى يَسْأَلُوهُ عَنْ الْإِسْلَامِ. لَا لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى (ص ١٧٢): ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]،
وَلِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُبْهَمٍ فَيُسْتَفْسَرُ. وَلَيْسَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ الْمُبَادَرَةُ إلَى قَتْلِهِ قَبْلَ الِاسْتِفْسَارِ.
٧٩٢ - فَإِنْ وَصَفَ الْإِسْلَامَ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَهُوَ فَيْءٌ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ ابْتِدَاءُ الْإِسْلَامِ لَمَّا لَمْ يُعْرَفْ إسْلَامُهُ قَبْلَ هَذَا. وَذَاكَ يُؤَمِّنُهُ مِنْ الْقَتْلِ دُونَ الِاسْتِرْقَاقِ.
٧٩٣ - فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ. وَأَكْبَرُ الظَّنِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى يَجِبَ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِ
[ ٥١٣ ]
لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَفِيمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ فِيهِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ.
٧٩٤ - وَلَوْ قَالَ: لَسْت بِمُسْلِمٍ، وَلَكِنْ اُدْعُونِي إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى أُسْلِمَ، لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ أَيْضًا.
لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «فَادْعُوهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَكَانَ لَا يُقَاتِلُ قَوْمًا حَتَّى يَدْعُوَهُمْ وَلَوْ أَرَدْنَا قِتَالَ قَوْمٍ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ حَتَّى نَدْعُوَهُمْ. وَرُبَّمَا يُجِيبُونَ وَرُبَّمَا يَمْتَنِعُونَ.
فَهَذَا الَّذِي طَلَبَ مِنَّا أَنْ نَدْعُوَهُ وَأَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ الْإِجَابَةَ إلَى ذَلِكَ أَوْلَى أَنْ لَا يَحِلَّ قَتْلُهُ قَبْلَ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ.
٧٩٥ - وَلَوْ قَالَ: أَنَا مُسْلِمٌ: فَاسْتُوْصِفَ الْإِسْلَامَ فَأَبَى أَنْ يَصِفَهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصِفُوا الْإِسْلَامَ، ثُمَّ يَقُولُوا لَهُ: أَنْتَ عَلَى هَذَا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. فَهُوَ مُسْلِمٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَسْت عَلَى هَذَا، أَوْ قَالَ: مَا أَعْرِفُ هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ، فَهُوَ حَلَالُ الدَّمِ. إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لَهُ الْإِمَامُ: أَتَدْخُلُ فِي هَذَا الَّذِي دَعَوْنَاك إلَيْهِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. لَمْ نَقْتُلْهُ. وَكَانَ فَيْئًا. وَإِنْ قَالَ: لَا، فَحِينَئِذٍ يُضْرَبُ عُنُقُهُ.
وَبِهَذَا الْفَصْلِ يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَوْصَفَهَا الْإِسْلَامَ فَلَمْ تُحْسِنْ أَنْ تَصِفَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصِفَ الْإِسْلَامَ بَيْنَ يَدَيْهَا وَيَقُولُ: أَنَا عَلَى هَذَا. وَظَنِّي بِكِ أَنَّكِ عَلَى هَذَا. فَإِنْ قَالَتْ: نَعَمْ. فَذَلِكَ يَكْفِي. وَتَكُونُ مُسْلِمَةً يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِالنِّكَاحِ وَالْمِلْكِ.