٤٩ - بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا وَمَا لَا يَكُونُ ٥٣٣ - وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَنَادَاهُمْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: أَنْتُمْ آمِنُونَ. وَكَانَ نِدَاؤُهُ إيَّاهُمْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُونَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا بِأَمَانٍ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ إسْمَاعُ الْمُخَاطَبِ. فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ كَانَ لَاغِيًا فِي كَلَامِهِ لَا مُعْطِيًا الْأَمَانَ لَهُمْ. وَلَوْ كَانَ هَذَا أَمَانًا لَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ يُؤَمِّنُ الرُّومَ وَالتُّرْكَ وَالْهِنْدَ، فَلَا يَسَعُ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، فَكُلُّ أَحَدٍ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فِي الْأَمَانِ إسْقَاطُ الْحَدِّ، أَوْ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَهَذَا يَتِمُّ بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَحْدَهُ، بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِ إثْبَاتُ صِفَةِ الْأَمْنِ لَهُمْ بِكَلَامٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ رَدُّوا أَمَانَهُ لَمْ يَثْبُتْ الْأَمَانُ. وَلَا يَكُونُ إثْبَاتُ صِفَةُ الْأَمْنِ لَهُمْ بِكَلَامِهِ فِي مَوْضِعٍ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَهُ.
٥٣٤ - وَلَوْ نَادَاهُمْ بِالْأَمَانِ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ الْكَلَامَ وَهُوَ النِّدَاءُ، إلَّا أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ أَحَاطَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا، بِأَنْ كَانُوا نِيَامًا أَوْ مُتَشَاغِلِينَ بِالْحَرْبِ، كَانَ ذَلِكَ أَمَانًا، حَتَّى لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ إلَّا بَعْدَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ
[ ٣٥٨ ]
لِأَنَّ حَقِيقَةَ سَمَاعِهِمْ بَاطِنٌ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَفِي مِثْلِهِ إنَّمَا يُعَلِّقُ الْحُكْمَ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ نِدَاءَهُ
وَإِذَا قَامَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْغُرُورِ وَاجِبٌ (٩٢ ب) . وَمَعْنَى الْغُرُورِ يَتَمَكَّنُ إذَا كَانَ الْمُنَادِي مِنْهُمْ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ نِدَاءَهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُنَادِي مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ نِدَاءَهُ.
٥٣٥ - قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ انْتَهَيْت إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ نَائِمًا عَلَى فِرَاشِهِ فَنَادَيْته بِالْأَمَانِ وَأَنْتَ قَرِيبٌ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَك فَلَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ لِنَوْمِهِ أَوْ لِصَمَمٍ كَانَ بِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا؟
وَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ النَّائِمَ كَالْمُنْتَبِهِ، عَلَى مَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْخَلْوَةِ وَالصَّيْدِ الَّذِي يَقَعُ عِنْدَ النَّائِمِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَنَادَاهُ أَوْ أَيْقَظَهُ فَهُوَ حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَنَادَاهُ وَأَيْقَظَهُ.
وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَوَاءٌ أَيْقَظَهُ أَوْ لَمْ يُوقِظْهُ إذَا نَادَاهُ وَهُوَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَكَلِّمًا لَهُ.
٥٣٦ - وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا فِيهِ أَمَانٌ وَرَمَى بِهِ إلَيْهِمْ فَنَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ كَانُوا آمِنِينَ.
[ ٣٥٩ ]
لِأَنَّ الْكِتَابَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ. فَإِنَّ الْبَيَانَ بِالْبَيَانِ كَهُوَ بِاللِّسَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ كَتَبَ إلَى الْآفَاقِ وَكَانَ ذَلِكَ تَبْلِيغًا مِنْهُ، وَلِأَنَّهُمْ لَمَّا وَقَفُوا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ نَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ أَمَانًا لَأَدَّى إلَى الْغُرُورِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ - ﵁ -.
٥٣٧ - وَإِنْ وَجَدُوا كِتَابًا فِيهِ أَمَانٌ لَمْ يَرْمِ بِهِ إلَيْهِمْ أَحَدٌ فَلَيْسَ هَذَا بِأَمَانٍ.
لِأَنَّ الْكِتَابَ جَمَادٌ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْأَمَانُ. وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْكَاتِبِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَالْأَمَانُ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ. ثُمَّ لَعَلَّ الْكِتَابَ مُفْتَعَلٌ، أَوْ كَتَبَهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الرَّامِيَ بِهِ مُسْلِمٌ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِي اسْتِرْقَاقِهِمْ، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ تَقُومُ لِإِبْطَالِ حَقِّهِمْ.
٥٣٨ - فَإِنْ قَالَ مُسْلِمٌ: أَنَا رَمَيْتُ بِهِ إلَيْهِمْ. فَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ.
لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ وَلَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي خَبَرِهِ. وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَتَقَرَّرْ فِيهِمْ بَعْدُ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ كَلَامِهِ فِي مَنْعِ ثُبُوتِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ، وَالْوَاحِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمْلِكُ ذَلِكَ.
٥٣٩ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَعْطَى الْقَوْمَ بِأَيْدِيهِمْ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى يَشْهَدَ الشَّاهِدَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِوَاهُ أَنَّهُ رَمَى إلَيْهِمْ
[ ٣٦٠ ]
لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، وَقَصَدَ بِإِخْبَارِهِ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا شَهَادَتُهُ. لِأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ دَعْوَى لَا شَهَادَةٌ.
٥٤٠ - فَإِنْ شَهِدَ سِوَاهُ مُسْلِمَانِ، يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ، وَرُدُّوا حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ.
وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بَيِّنَةٌ فَقُسِّمُوا وَوَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي سَهْمِ الْمُقِرِّ، كَانَ حُرًّا لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، (٩٢ آ) وَكَوْنِهِ آمِنًا، وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مِلْكِهِ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ لِيَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ احْتِبَاسَهُ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
فَيُجْعَلُ ذِمِّيًّا إنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ.
لِأَنَّ مَنْ اُحْتُبِسَ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ يُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ عَلَى مَا يَأْتِيك بَيَانُهُ.
٥٤١ - وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ بَيْعَهُمْ فَاشْتَرَاهُمْ الْمُقِرُّ بِالْأَمَانِ فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ. لِأَنَّهُمْ فِي الظَّاهِرِ أَرِقَّاءُ. ثُمَّ يَكُونُونَ أَحْرَارًا فِي يَدَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِمَا بَيَّنَّا.
٥٤٢ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ لِلْمَحْصُورِينَ: إنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَمَّنَكُمْ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي مَقَالَتِهِ فَفَتَحُوا حِصْنَهُمْ كَانُوا آمِنِينَ.
[ ٣٦١ ]
لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَمَانٍ صَحِيحٍ وَهُوَ يَمْلِكُ إنْشَاءَ مِثْلِهِ، فَيَكُونُ إخْبَارُهُ بِهِ إظْهَارًا لِأَمَانٍ سَابِقٍ إنْ كَانَ، وَإِنْشَاءً إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ الْأَمَانُ، بِمَنْزِلَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْعُقُودِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ الْأَمِيرِ فَافْتَحُوا الْبَابَ.
٥٤٣ - وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا كَانُوا آمِنِينَ بِأَمَانِهِ. فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بِذَلِكَ لَهُمْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا كَانُوا فَيْئًا.
لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ إذَا كَانَ كَذِبًا فَبِالْإِخْبَارِ لَا يَصِيرُ صِدْقًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا أَمَانًا مِنْ جِهَتِهِ، بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ.
٥٤٤ - وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: أَمَّنْتهمْ، فِي مَجْلِسِهِ، فَلَمْ يَبْلُغْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى نَهَاهُمْ الْأَمِيرُ أَنْ يُبَلِّغُوهُمْ، فَذَهَبَ رَجُلٌ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمِيرِ فَأَبْلَغَهُمْ إيَّاهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فَهُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا فِي أَصْلِ الْخَبَرِ كَانُوا آمِنِينَ مِنْ جِهَتِهِ كَمَا بَيَّنَّا. فَإِذَا كَانَ صَادِقًا فِي أَصْلِ الْخَبَرِ إلَّا أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ نَهْيِ الْأَمِيرِ أَوْلَى أَنْ يَكُونُوا آمِنِينَ.
٥٤٥ - فَإِنْ أَبْلَغَهُمْ ذِمِّيٌّ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ الْأُولَى وَلَمْ يَسْمَعْ مَقَالَتَهُ الثَّانِيَةَ الْقَوْمُ آمِنُونَ.
لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ أَمْرٌ لِكُلِّ سَامِعٍ بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ دَلَالَةً، وَالثَّابِتُ بِالدَّلَالَةِ كَالثَّابِتِ بِالْإِفْصَاحِ وَبَعْدَ ثُبُوتِ وِلَايَةِ التَّبْلِيغِ لِلسَّامِعِ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ. بِمَنْزِلَةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَكَانَ هَذَا مُبَلِّغًا أَمَانَ الْإِمَامِ إلَيْهِمْ بِأَمْرِهِ. وَعِبَارَةُ الرَّسُولِ فِي مِثْلِ هَذَا كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ.
[ ٣٦٢ ]
وَإِنْ كَانَ سَمِعَ الْمَقَالَتَيْنِ جَمِيعًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُمْ فَيْءٌ.
لِأَنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ النَّهْيُ صَارَ مَعْزُولًا عَنْ التَّبْلِيغِ وَارْتَفَعَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ فِي حَقِّهِ.
وَهَذَا لِأَنَّ النَّهْيَ بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ لِذَلِكَ الْأَمَانِ. إلَّا أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ وُصُولِ الْأَمَانِ إلَيْهِمْ لَا يَثْبُتُ النَّبْذُ فِي حَقِّهِمْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ. فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِمْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَذِنَ (٩٢ ب) لِعَبْدِهِ فِي أَهْلِ سُوقِهِ، ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ، لَا يَنْحَجِرُ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَهْلُ سُوقِهِ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ أَهْلُ سُوقِهِ بِالْإِذْنِ كَانَ ذَلِكَ حَجْرًا.
٥٤٦ - وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِذِمِّيٍّ: اذْهَبْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي قَدْ أَمَّنْتهمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ وَلَا تُخْبِرْهُمْ. أَوْ كَانَ كَاتِبُهُ ذِمِّيًّا فَقَالَ: اُكْتُبْ إلَيْهِمْ بِأَمَانِهِمْ. فَأَعْلِمْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَكْتُبْ.
فَكَتَبَ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَنَزَلُوا، كَانُوا فَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَنْهَ الرَّسُولَ وَالْكَاتِبَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ نَهَاهُ وَلَمْ يَسْمَعْ حَتَّى كَتَبَ إلَيْهِمْ أَوْ بَلَّغَهُمْ فَنَزَلُوا، كَانُوا آمِنِينَ. وَالْفِقْهُ فِي الْكُلِّ التَّحَرُّزُ عَنْ صُورَةِ الْغُرُورِ وَحَقِيقَتِهِ.
٥٤٧ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ لِأَهْلِ الْحِصْنِ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَمَّنَكُمْ، وَأَشَارَ إلَى شَخْصٍ مَعَهُ، فَنَزَلُوا، فَإِذَا الْمَحْكِيُّ عَنْهُ ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ فَهُمْ فَيْءٌ، صُدِّقَ عَلَيْهِ أَوْ كُذِّبَ.
[ ٣٦٣ ]
لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَمَانٍ بَاطِلٍ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُعْطِيًا أَمَانًا صَحِيحًا لَهُمْ وَهُوَ لَمْ يَغُرَّهُمْ فِي شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُمْ اغْتَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ حِينَ لَمْ يَتَفَحَّصُوا عَنْ حَالِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ بَعْدَ مَا عَيَّنَهُ لَهُمْ مِنْهُ، أَوْ مِنْ الْحَاكِي، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا.
٥٤٨ - وَإِنْ أَشَارَ لَهُمْ إلَى مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَةٍ كَانُوا آمِنِينَ، صَدَقَ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَبَ.
لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَمَانٍ صَحِيحٍ فَيَكُونُ مُعْطِيًا الْأَمَانَ لَهُمْ حِينَ أَضَافَهُ إلَى مَنْ يَصِحُّ أَمَانُهُ
٥٤٩ - وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ حِكَايَةً عَنْ مُسْلِمٍ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ صَادِقٌ كَانُوا آمِنِينَ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ كَانُوا فَيْئًا.
لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إعْطَاءَ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ، فَهُمْ إذَا اعْتَمَدُوا خَبَرَ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ كَانُوا مُغْتَرِّينَ لَا مَغْرُورِينَ.
٥٥٠ - وَإِنْ قَالَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ صَدَقَ فِيمَا قَالَ. فَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ بَقَاءِ مَنَعَتِهِمْ ثُمَّ نَزَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّهُ صَدَّقَ الْمُخْبِرِ فِي حَالٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُمْ فَلَا يَكُونُ مُتَّهَمًا فِي التَّصْدِيقِ.
٥٥١ - وَإِنْ كَانَ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا فِي أَيْدِينَا غَيْرَ مُمْتَنَعِينَ، لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي هَذَا التَّصْدِيقِ. فَقَدْ صَارَ بِحَالٍ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا التَّصْدِيقِ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِرْقَاقِهِمْ.
[ ٣٦٤ ]
إلَّا أَنَّهُ إذَا قَسَّمَهُمْ الْإِمَامُ فَوَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي سَهْمِ الْمُقِرِّ أَوْ فِيمَا رَضَخَ بِهِ الذِّمِّيُّ عَتَقَ عَلَيْهِمَا.
٥٥٢ - وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُمْ الْإِمَامُ فَاشْتَرَاهُمْ الذِّمِّيُّ الْمُخْبِرُ أَوْ الْمُسْلِمُ الْمُصَدَّقُ لَهُ، عَتَقُوا جَمِيعًا لِتَصَادُقِهِمَا، عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ آمِنُونَ.
وَذَلِكَ عَامِلٌ فِي حَقِّ مَنْ صَارَ مِلْكًا لَهُمَا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ احْتِبَاسَهُمْ فِي دَارِنَا مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ قَسَّمَهُمْ الْإِمَامُ إذَا بَاعَهُمْ.
وَهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. وَبِاَللَّهِ الْعَوْنُ.
[ ٣٦٥ ]