ُ ٨٢٠ - وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَحْصُورِينَ: آمِنُونِي حَتَّى أَنْزِلَ إلَيْكُمْ عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ السَّبْيِ فِي مَوْضِعٍ. فَآمَنُوهُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا نَزَلَ أَتَى بِهِمْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَقَالَ: قَدْ كَانُوا هَا هُنَا، فَذَهَبُوا، وَلَا أَدْرَى أَيْنَ ذَهَبُوا. (ص ١٧٦) فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوهُ إلَى مَأْمَنِهِ إنْ لَمْ يَفْتَحُوا الْحِصْنَ. فَإِنْ افْتَتَحُوا الْحِصْنَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُ حَصَّلَ أَمْنًا فِي الْمُعَسْكَرِ. فَإِنَّ الْأَمَانَ شَرْطٌ يَثْبُتُ بِوُجُودِ الْقَبُولِ وَلَا يَتَأَخَّرُ إلَى أَدَاءِ الْمَقْبُولِ. بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ بِجُعْلٍ فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَبِلَ كَانَ الْعِتْقُ وَاقِعًا. وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ. ٨٢١ - فَهَاهُنَا الْأَمَانُ يَثْبُتُ لَهُ أَيْضًا إذَا نَزَلَ عَنْ مَنَعَتِهِ. عَلَى أَنْ
[ ٥٢٦ ]
يَدُلَّ. فَسَوَاءٌ وَفَّى بِمَا قَالَ أَوْ لَمْ يَفِ كَانَ هُوَ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيُبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ.
فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إنَّمَا آمَنَّاهُ عَلَى أَنْ يَدُلَّنَا وَلَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ، قِيلَ لَهُمْ: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَكُمْ إنِّي إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.
وَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنْ مُحَمَّدٍ. - ﵀ - عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا. وَقَدْ حَكَاهُ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨] أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ إنْ لَمْ تَشْهَدْ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] .
وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إذَا أَتَتْ بِالْفَاحِشَةِ وَلَمْ تُحْصَنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ الْعَذَابُ. وَهَذَا لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ كَمَفْهُومِ الصِّفَةِ. وَذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتِ خَالِك وَبَنَاتِ خَالَاتِك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك﴾ [الأحزاب: ٥٠] ثُمَّ لَمْ يَدُلَّ عَلَى حُرْمَةِ اللَّاتِي لَمْ يُهَاجِرْنَ مَعَهُ وَقَالَ: تَعَالَى ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الظُّلْمِ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: آمَنَّاك عَلَى أَنْ تَدُلَّنَا لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا أَمَانَ لَك إنْ لَمْ تَدُلَّنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يُعَارِضُ الْمَنْصُوصَ وَلَا يَدْفَعُ حُكْمَهُ، إلَّا أَنْ يَنُصَّ فَيَقُولُ: عَلَى أَنَّى إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ عَلَيْهِمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. فَحِينَئِذٍ هَذَا نَصٌّ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِذَلِكَ النَّصِّ.
وَفِي النَّبْذِ حِلُّ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ
[ ٥٢٧ ]
بِالشَّرْطِ، فَإِذَا لَمْ يَدُلَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ، وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فَيْئًا.
وَنَظِيرُ هَذَا مَا لَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ إلَى شَهْرٍ لَمْ يَبْرَأْ بِمُضِيِّ الشَّهْرِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَ الْخَصْمِ إلَيْهِ. وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّى بَرِيءٌ مِنْ الْكَفَالَةِ بَعْدَ شَهْرٍ كَانَ عَلَى مَا قَالَ.
٨٢٢ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا وَقَالَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ لَمْ يَدُلَّهُمْ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَقْهُورًا فِي أَيْدِينَا، وَحَلَّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ. وَإِنَّمَا عَلَّقَ عَلَى إزَالَةِ ذَلِكَ عَنْهُ بِالدَّلَالَةِ وَلَمْ يَفْعَلْ.
فَفِي الْأَوَّلِ كَانَ فِي مَنَعَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا فَإِنَّمَا نَزَلَ عَلَى أَمَانٍ فَأَخَذَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْتَزَمَ لَهُمْ بِمُقَابَلَةِ ذَلِكَ دَلَالَةً فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا الْتَزَمَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ. فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا الِالْتِزَامِ فِي الْوَجْهَيْنِ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْأَسِيرَ، قَبْلَ هَذَا الِالْتِزَامِ، كَانَ مُبَاحَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ فِي أَيْدِينَا، فَيَعُودُ كَمَا كَانَ. وَالْمَحْصُورُ قَبْلَ هَذَا الِالْتِزَامِ كَانَ فِي مَنَعَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا الْتَزَمَ وَجَبَتْ إعَادَتُهُ إلَى مَنَعَتِهِ كَمَا كَانَ.
٨٢٣ - وَإِنْ كَانَ الْمَحْصُورُ قَالَ: إنِّي إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ كُنْت لَكُمْ فَيْئًا. أَوْ قَالَ: رَقِيقًا، وَلَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ. فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كَانَ آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ (ص ١٦٧) وَإِنْ لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ. فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ دَلِيلٌ مُعَارِضٌ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِي رَفْعِ
[ ٥٢٨ ]
حُكْمِهِ. وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الْمُعَارِضُ حَسَبَ الدَّلِيلِ. وَلِأَنَّهُ شَرَطَ إزَالَةِ ذَلِكَ الْأَمَانِ فِي حُكْمِ الِاسْتِرْقَاقِ خَاصَّةً دُونَ الْقَتْلِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ مَنْفَعَةٌ، فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهَا.
٨٢٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَى أَنِّي إنْ لَمْ أَفِ كُنْت ذِمَّةً لَكُمْ. فَهُوَ كَمَا قَالَ. وَإِذَا لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ فَهُوَ ذِمَّةٌ لَا يَقْتُلُونَهُ وَلَا يَسْتَرِقُّونَهُ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالشَّرْطِ وَاجِبٌ.
٨٢٥ - وَلَوْ قَالَ آمِنُونَا حَتَّى يُفْتَحَ لَكُمْ الْحِصْنُ فَتَدْخُلُونَ، عَلَى أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ فَنُسْلِمَ. ثُمَّ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا، فَهُمْ آمِنُونَ. وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ حَتَّى يَعُودُوا مُمْتَنِعِينَ كَمَا كَانُوا، ثُمَّ يَنْبِذُونَ إلَيْهِمْ.
لِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ بِقَبُولِ الشَّرْطِ قَبْلَ الْوَفَاءِ بِهِ. ثُمَّ لَا يَبْطُلُ حُكْمُ الْأَمَانِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْوَفَاءِ بِمَا وُعِدُوا، وَبِحُكْمِ الْأَمَانِ يَجِبُ إعَادَتُهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ، ثُمَّ النَّبْذُ إلَيْهِمْ.
٨٢٦ - فَإِنْ شَرَطَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ إنْ أَبَيْتُمْ الْإِسْلَامَ فَلَا أَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَلَا بَأْسَ بِاسْتِرْقَاقِهِمْ، وَقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ إذَا أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا. لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا كَانَ، وَفِيمَا يَجْرِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الْوَاجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ فَقَطْ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنَيْ أَبِي الْحَقِيقِ حَيْثُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
[ ٥٢٩ ]
وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ الذِّمَّةُ إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا» .
فَقَبِلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَاسْتَخَارَ قَتْلَهُمْ وَاسْتِرْقَاقَهُمْ.
وَقَدْ بَيَّنَّا قِصَّةَ ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ حِينَ رَجَعَ الْجَيْشُ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَجَاءَ إلَى بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ - سِرًّا وَكَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ. فَأَتَى عُثْمَانُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَسَأَلَ لَهُ الْأَمَانَ. فَقَالَ: قَدْ آمَنَّاهُ عَلَى أَنَّا إنْ أَدْرَكْنَاهُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: اُطْلُبُوهُ، فَإِنَّى أَرْجُو أَنْ تَجِدُوهُ. فَوَجَدُوهُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، قَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّوْمَ. فَأُخِذَ فَقُتِلَ»
فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْأَمَانِ مُعْتَبَرٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى النَّبْذِ وَإِبَاحَةِ الْقَتْلِ.
٨٢٧ - وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ وَأَبَى الْبَعْضُ كَانَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبَى الْإِسْلَامَ فَهُوَ فَيْءٌ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْجَمِيعَ الْمُضَافَ إلَى جَمَاعَةٍ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَرَطْنَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إنَّك إنْ أَبَيْت الْإِسْلَامَ فَلَا أَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك.
٨٢٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْمَحْصُورِينَ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ إلَيْكُمْ فَأُسْلِمَ. ثُمَّ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ يُرَدُّ إلَى حِصْنِهِ.
[ ٥٣٠ ]
لِأَنَّهُ آمِنٌ عِنْدَنَا، وَفِي مِثْلِ حَالِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]
٨٢٩ - وَإِنْ شَرَطُوا عَلَيْهِ: إنَّك إنْ أَبَيْت الْإِسْلَامَ فَلَا أَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك، ثُمَّ أَبَى الْإِسْلَامَ. فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ.
٨٣٠ - فَإِنْ جَعَلَهُ الْإِمَامُ فَيْئًا بَعْدَ مَا عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَبَى، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَقْبَلْهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهُ فَيْئًا.
لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ انْتَهَى حِينَ أَبَى الْإِسْلَامَ بَعْدَ مَا عَرَضَ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى هُوَ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا.
٨٣١ - فَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ وَكَانَ فَيْئًا، وَهَذَا إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فَيْءٌ بَعْدَ مَا أَبَى الْإِسْلَامَ.
٨٣٢ - فَإِنْ جَعَلَ الْإِمَامُ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ يَأْبَى إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ (ص ١٧٨) بِأَنَّهُ فَيْءٌ حِينَ أَسْلَمَ فَفِي الْقِيَاسِ هُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ شَرْطَ انْتِبَاذِ الْأَمَانِ قَدْ تَحَقَّقَ بِإِبَائِهِ الْإِسْلَامَ. وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ يَثْبُتُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَبِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا عُلِّقَ بِالشَّرْطِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ.
لِأَنَّ الْإِبَاءَ مُتَرَدِّدٌ مُحْتَمَلٌ فِيهِ يَكُونُ لِكَرَاهَةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ إبَاءٌ حَقِيقَةً.
[ ٥٣١ ]
وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّأَمُّلِ فِيهِ إلَى أَنْ تَزُولَ الشُّبْهَةُ عَنْ قَلْبِهِ فَلَا تُعَيَّنُ جِهَةُ الْإِبَاءِ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِنَا فَإِنَّ الْفُرْقَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى إبَاءِ الْآخَرِ الْإِسْلَامَ. ثُمَّ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ النُّكُولُ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ شَرْعًا، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي.
٨٣٣ - وَلَوْ لَمْ يَأْبَ الْإِسْلَامَ وَلَكِنْ قَالَ: دَعُونِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِي، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُؤَجِّلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّ التَّأَمُّلَ وَإِزَالَةَ الشُّبْهَةِ يَحْتَاجُ إلَى مُدَّةٍ، فَإِذَا طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ أَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنَّهَا مُدَّةٌ تَامَّةٌ لِلنَّظَرِ بِدَلِيلِ خِيَارِ الشَّرْطِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْمُرْتَدُّ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَمْهَلَ النَّظَرَ فِي أَمْرِهِ أَمْهَلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ عَنْ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ - يَعْنِي: أَمْرٌ حَادِثٌ وَخَبَرٌ غَرِيبٌ - فَقَالَ: نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ. فَقَالَ: مَاذَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ فَقَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ. قَالَ: فَهَلَّا طَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَيْتًا ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ وَيُرَاجِعَ أَمْرَ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي
[ ٥٣٢ ]
وَبِظَاهِرِهِ يَأْخُذُ الشَّافِعِيُّ، - ﵀ -، وَيَقُولُ: يَجِبُ تَأْجِيلُهُ شَرْعًا، طَلَبَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ. فَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ اسْتَمْهَلَهُمْ فَأَبَوْا، فَلِهَذَا أَنْكَرَهُ عُمَرُ - ﵁ -.
وَإِذَا كَانَ الْمُرْتَدُّ الَّذِي وَقَفَ عَلَى مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ يُؤَجَّلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهَذَا الَّذِي لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا أَصْلًا أَحْرَى أَنْ يُؤَجَّلَ.
٨٣٤ - فَإِنْ سَكَتَ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَلَمْ يُجِبْ بِقَبُولٍ أَوْ بِرَدٍّ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُخْبِرُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُجِبْهُ حَكَمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَيْءٌ.
وَهَذَا لِأَنَّ سُكُوتَهُ إبَاءٌ مِنْهُ لِلْإِسْلَامِ. إلَّا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ فِي نَفْسِهِ فَيُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْعَرْضَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِإِبْلَاءِ الْعُذْرِ، وَيُخْبِرُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْذَارِ. فَإِنْ أَبَى حَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فَيْءٌ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَصْمِ إذَا سَكَتَ عَنْ الْجَوَابِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي جَعَلَهُ مُنْكِرًا، وَإِذَا سَكَتَ عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ مَا طُلِبَ مِنْهُ جَعَلَهُ نَاكِلًا، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلَاثًا وَأَخْبَرَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ، ثُمَّ يَحْكُمُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ.
٨٣٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ حِينَ أَرَادَ النُّزُولَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيَّ الْإِسْلَامَ. فَإِنْ أَسْلَمْت فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ثُمَّ عَرَضُوا عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَلَهُ مُهْلَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا مِنْ حِينِ عَرَضُوا عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ.
لِأَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ. فَإِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهُ يُسْلِمُ بَعْدَ مَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ
[ ٥٣٣ ]
وَاسْتَمْهَلَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَعَرَفْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ مِنْ سَاعَةِ الْعَرْضِ. وَذِكْرُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ مِنْ الْإِيَامِ وَاللَّيَالِي بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ يَقْتَضِي دُخُولَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الْعَدَدِ الْآخَرِ.
٨٣٦ - فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَ فَيْئًا، وَلَا حَاجَةَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ. لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى. فَاشْتِرَاطُ الْحُكْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ التَّأَمُّلُ مِنْ الْإِبَاءِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ هُنَا. ثُمَّ التَّوْقِيتُ نَصًّا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِمَا بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ، كَمَا فِي الْإِجَارَةِ.
٨٣٧ - وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ: وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى مَأْمَنِهِ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. (ص ١٧٩) .
لِأَنَّ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ شَرَطَهُ لِلتَّرَوِّي وَالنَّظَرِ لَا لِلْأَمَانِ. فَبَعْدَ مُضِيِّهَا يَتَحَقَّقُ الْإِبَاءُ. وَلَكِنَّهُ أَمِنَ حِينَ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ نَبْذُ الْأَمَانِ بَعْدَ الْإِبَاءِ، فَيَجِبُ تَبْلِيغُهُ مَأْمَنَهُ مِنْ حِصْنِهِ.
٨٣٨ - وَإِنْ كَانُوا قَدْ افْتَتَحُوا حِصْنَهُ، بَلَّغُوا أَدْنَى مَأْمَنٍ لَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ. ثُمَّ حَلَّ قِتَالُهُ.
٨٣٩ - وَإِنْ كَانَ قَالَ: فَإِنْ أَسْلَمْت فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
[ ٥٣٤ ]
وَإِلَّا كُنْت عَبْدًا لَكُمْ. فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَ فَيْئًا يُقَسَّمُ مَعَ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُقْتَلُ. لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا كَانَ.
٨٤٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: وَإِلَّا كُنْت ذِمَّةً لَكُمْ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ الْحِصْنِ، ثُمَّ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَهُمْ ذِمَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
كَمَا الْتَزَمُوهُ بِالشَّرْطِ.
٨٤١ - وَلَوْ قَالَ الْمَحْصُورُ لِلْمُسْلِمِينَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ إلَيْكُمْ فَأَدُلَّكُمْ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا مِائَةُ رَأْسٍ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا مِائَةُ رَأْسٍ فَأَنْتَ آمِنٌ، وَرَضِيَ بِذَلِكَ وَنَزَلَ. ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ إلَى قَرْيَةٍ لَا شَيْءَ فِيهَا. فَقَالَ: قَدْ كَانُوا هُنَا وَذَهَبُوا. فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: رُدُّونِي إلَى مَأْمَنِي بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَّقُوا الْأَمَانَ لَهُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ الدَّلَالَةُ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ الشَّرْطِ، وَفِي الْأَوَّلِ أَوْجَبُوا لَهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَدُلَّ، وَقَدْ قَبِلَ ذَلِكَ. فَيَكُونُ آمِنًا دَلَّ أَوْ لَمْ يَدُلَّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ. فَقَبِلَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَقَبِلَ فَهُوَ حُرٌّ، أَدَّى أَوْ لَمْ يُؤَدِّ. فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
[ ٥٣٥ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا لَهُ: إنْ نَزَلْت وَأَسْلَمْت فَأَنْتَ آمِنٌ ثُمَّ نَزَلَ وَلَمْ يُسْلِمْ فَهُوَ فَيْءٌ.
لِأَنَّ قَوْلَهُمْ فَأَسْلَمْت مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ، فَيَكُونُ شَرْطًا. وَإِنَّمَا عَلَّقُوا أَمَانَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ. فَإِذَا لَمْ يُسْلِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ.
٨٤٣ - وَإِذَا قَالُوا: أَنْتَ آمِنٌ عَلَى أَنْ تَنْزِلَ فَتُسْلِمَ. فَهُوَ آمِنٌ بَعْدَ النُّزُولِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. فَيَجِبُ أَنْ تُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ وَإِنْ أَبَى الْإِسْلَامَ. وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالُوا: أَنْتَ آمِنٌ عَلَى أَنْ تَنْزِلَ فَتُعْطِيَنَا مِائَةَ دِينَارٍ، فَقَبِلَ ذَلِكَ وَنَزَلَ، ثُمَّ أَبَى أَنْ يُعْطِيَ الدَّنَانِيرَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ آمِنًا.
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالُوا: إنْ نَزَلْت فَأَعْطَيْتنَا مِائَةَ دِينَارٍ فَأَنْتَ آمِنٌ.
لِأَنَّ هُنَا الْأَمَانَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ أَدَاءِ الدَّنَانِيرِ. وَفِي الْأَوَّلِ بِشَرْطِ أَدَاءِ الْقَبُولِ.
٨٤٤ - فَإِذَا نَزَلَ وَقَبِلَ، كَانَ آمِنًا وَكَانَتْ الدَّنَانِيرُ عَلَيْهِ.
- فَإِذَا أَبَى أَنْ يُعْطِيَهَا أَوْ قَالَ: لَيْسَتْ عِنْدِي، حُبِسَ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا وَلَا يَكُونُ فَيْئًا لِأَجْلِ الْأَمَانِ الثَّابِتِ لَهُ. فَمَتَى مَا أَعْطَى الدَّنَانِيرَ وَجَبَ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِ، حَتَّى يَلْحَقَ بِمَأْمَنِهِ.
- وَإِنْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ الْإِمَامُ مَعَ نَفْسِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَعْطَاهَا يُخَلِّي سَبِيلَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَأْمَنِهِ.
[ ٥٣٦ ]
لِأَنَّهُ فِي أَمَانٍ، وَقَدْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ لَمْ يَبْقَ لَنَا عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
٨٤٦ - وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ فِي دَارِنَا وَلَمْ يُعْطِ الدَّنَانِيرَ جَعَلَهُ الْإِمَامُ ذِمَّةً.
لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ فِي دَارِنَا بِدُونِ صَغَارِ الْجِزْيَةِ، وَلِأَنَّهُ اُحْتُبِسَ عِنْدَنَا إلَى أَدَاءِ الدَّنَانِيرِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَنْهُ أَوْ عَاجِزٌ عَنْ الْأَدَاءِ. وَالْكَافِرُ إذَا اُحْتُبِسَ فِي دَارِنَا تُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ.
٨٤٧ - فَإِذَا جَعَلَهُ الْإِمَامُ ذِمَّةً أَخْرَجَهُ مِنْ الْحَبْسِ وَأَبْطَلَ عَنْهُ الدَّنَانِيرَ.
لِأَنَّ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ كَانَ الْتَزَمَهَا عِوَضًا عَنْ أَمَانِ نَفْسِهِ، أَوْ كَانَ قَدْ افْتَدَى بِهَا نَفْسَهُ لِيَلْحَقَ بِمَأْمَنِهِ. فَإِذَا كَانَ الْأَمَانُ (ص ١٨٠) فَقَدْ اسْتَفَادَ ذَلِكَ بِأَقْوَى السَّبَبَيْنِ وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ أَوْ الْإِسْلَامِ.
إنْ أَسْلَمَ فَيَسْقُطُ عَنْهُ أَدَاؤُهَا، بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ إذَا أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى، أَوْ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ بِمَوْتِ الْمَوْلَى وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، يَسْقُطُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَدَائِهَا.
وَإِنْ كَانَ فِدَاءً فَقَدْ انْعَدَمَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ يَفْدِي بِهَا نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا فَقَدْ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مَمْنُوعًا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى
[ ٥٣٧ ]
دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ أَعْطَى الدَّنَانِيرَ كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْدِي بِهَا نَفْسَهُ لِيَلْحَقَ بِمَأْمَنِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ الْمَالُ عَلَيْهِ عِوَضًا عَنْ رَقَبَتِهِ، حَتَّى يُطَالَبَ بِهِ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ بِسَلَامَةِ رَقَبَتِهِ لَهُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ قَطُّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَالُ عِوَضًا عَنْ رَقَبَتِهِ إذَا كَانَ عَبْدًا فِي وَقْتٍ، فَعَتَقَ بِذَلِكَ الْمَالِ.
٨٤٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ، رَأْسًا، فَعَلَيْهِ رَأْسٌ وَسَطٌ أَوْ قِيمَتُهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ.
لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ مَالٍ. وَالرَّأْسُ الْمُطْلَقُ فِي مِثْلِهِ يَثْبُتُ مُقَيَّدًا بِالْوَسَطِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالْعَيْنِ، كَمَا فِي بَدَلِ الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ.
٨٤٩ - فَإِذَا أَعْطَى مَا الْتَزَمَ وَلَمْ يُفْتَحْ حِصْنُهُ بَعْدُ، فَأَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ. وَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّا عَرَفْنَا أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْحِصْنِ وَفَدَى نَفْسَهُ بِالْمَالِ لَا لِيَعُودَ إلَى الْحِصْنِ بَلْ لِيَأْمَنَ مِمَّا كَانَ خَائِفًا مِنْهُ فِي الْحِصْنِ. وَإِنَّمَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الذَّهَابِ إلَى حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ.
[ ٥٣٨ ]
فَإِذَا بَلَغَ مَأْمَنَهُ مِنْهَا حَلَّ قِتَالُهُ. لِأَنَّ مَقْصُودَهُ قَدْ تَمَّ حِينَ وَصَلَ إلَى مَنَعَةٍ أُخْرَى، فَيَنْتَهِي الْأَمَانُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ آمِنٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ كَذَا كَذَا شَهْرًا. فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ.
لِأَنَّا إنَّمَا نَجْعَلُ الْأَمَانَ مُنْتَهِيًا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَأْمَنِهِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ خَائِفًا مَحْصُورًا، وَإِنَّمَا قَصَدَ إزَالَةَ ذَلِكَ الْخَوْفِ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ دَلَالَةِ الْحَالِ إذَا جَاءَ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهَا.
٨٥١ - وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ، ثُمَّ اخْتَارَ الرُّجُوعَ إلَى حِصْنِهِ، فَرَجَعَ حَتَّى صَارَ فِيهِ مُمْتَنِعًا، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَمَانِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا. لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى مَنَعَتِهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِانْتِهَاءِ الْأَمَانِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ أَنَّهُ آمِنٌ كَذَا كَذَا شَهْرًا. أَوْ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْمُسْلِمُونَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَحِينَئِذٍ هُوَ آمِنٌ وَإِنْ دَخَلَ الْحِصْنَ لِبَقَاءِ مُدَّةِ الْأَمَانِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ الْتَحَقَ بِمَنَعَةٍ أُخْرَى.
[ ٥٣٩ ]
فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْحِصْنِ.
خَلَّوْا سَبِيلَهُ لِبَقَاءِ مُدَّةِ الْأَمَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ رَجَعَ إلَى الْحِصْنِ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ فَيْئًا.
لِأَنَّهُ بِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ فِي مَأْمَنِهِ يَصِيرُ نَاقِضًا لِلْأَمَانِ الَّذِي كَانَ مِنَّا وَلَا حُكْمَ لِلْأَمَانِ بَعْدَ النَّقْضِ فِي حُرْمَةِ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ.
٨٥٣ - وَإِنْ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ إلَيْكُمْ فَأُعْطِيَكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ لَمْ أُعْطِكُمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. أَوْ قَالَ: إنْ نَزَلْت إلَيْكُمْ فَأَعْطَيْتُكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ فَأَنَا آمِنٌ. ثُمَّ نَزَلَ فَطَالَبُوهُ فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ. فَهُوَ فَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ.
لِوُجُودِ شَرْطِ انْتِبَاذِ الْأَمَانِ فِي أَحَدِ الْفَصْلَيْنِ، وَانْعِدَامِ شَرْطِ الْأَمَانِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي (ص ١٨١) .
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَكُونُ فَيْئًا حَتَّى يُرْفَعَ إلَى الْإِمَامِ فَيَأْمُرَهُ بِالْأَدَاءِ، وَإِنْ أَبَى حَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ فَيْئًا. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ فِي امْتِنَاعِهِ مِنْ الْأَدَاءِ لِمَا طُلِبَ مِنْهُ احْتِمَالُ الْمَعَانِي. فَلَا تَتَعَيَّنُ جِهَةُ الْإِبَاءِ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.
أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَهُمْ: لَا أُعْطِيكُمْ وَإِنَّمَا أُعْطِي الْأَمِيرَ. أَوْ قَالَ: لَا أُعْطِيكُمْ إلَّا بِشُهُودٍ. أَكَانَ فَيْئًا بِهَذَا الِامْتِنَاعِ؟ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْقِيَاسِ فِي هَذَا قَبِيحٌ.
[ ٥٤٠ ]
وَلَوْ رَفَعُوهُ إلَى الْإِمَامِ فَقَالَ: هَاتِ الْمِائَةَ الدِّينَارِ: فَقَالَ: أَجِّلْنِي فِيهَا حَتَّى أَنْحَلَهَا لَهَا. فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَجِّلَهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْقَدْرِ كَثِيرُ ضَرَرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ، وَالْإِمَامُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ فِي كُلِّ جَانِبٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ إذَا اسْتَمْهَلَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمُدَّةِ أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ وَلَمْ يَحْبِسْهُ. فَهَذَا الَّذِي يَفْدِي نَفْسَهُ بِالْمَالِ أَوْلَى بِأَنْ يُمْهِلَهُ وَلَا يُعَجِّلَهُ.
٨٥٥ - وَإِنْ كَانَ قَالَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ إلَيْكُمْ فَأُعْطِيَكُمْ رَأْسًا أَوْ مِائَةَ دِينَارٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَنَزَلَ فَهُوَ آمِنٌ: وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ الْوَقْتُ.
لِأَنَّهُ شَرَطَ هَذِهِ الْمُدَّةَ مُهْلَةً لِنَفْسِهِ. فَلَا يُحْبَسُ قَبْلَ مُضِيِّهَا، كَمَا لَا يُحْبَسُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ.
٨٥٦ - فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ فَهُوَ آمِنٌ لِقَبُولِهِ وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا الْتَزَمَ بِهِ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يَصِيرَ ذِمَّةً، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الْمَالُ عَنْهُ.
لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الطَّرِيقَيْنِ فِيهِ.
[ ٥٤١ ]
وَلَوْ قَالَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أُعْطِيَكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَجَلِ كَذَا. فَإِنْ لَمْ أُعْطِكُمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. أَوْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتُكُمْ إلَى أَجَلِ كَذَا فَأَنَا آمِنٌ. ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِمْ حَتَّى مَضَى الْأَجَلُ. فَهُوَ فَيْءٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي هَا هُنَا. لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ الْوَقْتِ لِنَفْسِهِ، فَلَا يُزَادُ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ، وَلَوْ شَرَطْنَا قَضَاءَ الْقَاضِي بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ كَانَ زِيَادَةً عَلَى الْوَقْتِ. وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ فِي مَعْنَى النَّسْخِ.
٨٥٨ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ فَأَدُلَّكُمْ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا مِائَةُ رَأْسٍ، عَلَى أَنِّي إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ثُمَّ نَزَلَ فَدَلَّهُمْ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا مِائَةُ رَأْسٍ قَدْ أَصَابَهَا الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ هَذَا الْأَمَانِ أَوْ بَعْدَهُ، قَبْلَ نُزُولِهِ أَوْ بَعْدَ نُزُولِهِ، قَبْلَ أَنْ يَدُلَّهُمْ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ. فَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى غَيْرِهَا وَإِلَّا كَانَ فَيْئًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا قَبْلَ دَلَالَتِهِ وَلَمْ يُصِيبُوهَا.
لِأَنَّهُ الْتَزَمَ دَلَالَةً فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ إذَا دَلَّ عَلَى مَا كَانَ مَعْلُومًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ التَّوَصُّلُ إلَى الْمَقْصُودِ بِتِلْكَ الدَّلَالَةِ، وَوُصُولُ الْمُسْلِمِينَ إلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ لَمْ يَكُنْ بِدَلَالَتِهِ حِينَ عَلِمُوا بِمَا قَبْلَ دَلَالَتِهِ، أَصَابُوهَا أَوْ لَمْ يُصِيبُوهَا.
[ ٥٤٢ ]
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا دَلَّ عَلَى صَيْدٍ كَانَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ مُلْتَزِمًا لِلْجَزَاءِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ.
٨٥٩ - وَلَوْ كَانُوا خَرَجُوا مَعَهُ فَدَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَعَلُوا يَسِيرُونَ أَمَامَهُ حَتَّى عَرَفُوا مَكَانَهَا قَبْل أَنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهَا فَيَدُلَّهُمْ عَلَيْهَا.
فَهَذِهِ دَلَالَةٌ، وَهُوَ آمِنٌ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَخَذُوا فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ بِدَلَالَتِهِ. وَإِنَّمَا عَلِمُوا بِهَا حِينَ أَخَذُوا فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ، فَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ يَكُونُ مُضَافًا إلَى أَصْلِ السَّبَبِ وَهُوَ دَلَالَتُهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ دَلَالَةَ الْمُحْرِمِ عَلَى الصَّيْدِ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَحَقَّقُ حَتَّى يَلْزَمَهُ جَزَاءُ الصَّيْدِ.
٨٦٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَصَفَ لَهُمْ مَكَانَهَا وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ فَذَهَبُوا بِصِفَتِهِ حَتَّى أَصَابُوهَا فَهُوَ آمِنٌ.
لِأَنَّ الدَّلَالَةَ هَكَذَا تَكُونُ. فَإِنَّ (ص ١٨٢) مَنْ يَدُلُّ غَيْرَهُ عَلَى طَرِيقٍ قَدْ يَذْهَبُ مَعَهُ وَقَدْ لَا يَذْهَبُ، وَلَكِنْ يَصِفُ الطَّرِيقَ لَهُ فَيَصِيرُ مَعْلُومًا بِدَلَالَتِهِ، وَيُسَمَّى دَالًّا عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ.
[ ٥٤٣ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى بِطْرِيقٍ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ فَلَا أَمَانَ لِي عَلَيْكُمْ. فَلَمَّا نَزَلَ وَجَدَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابُوا بِطْرِيقًا فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَرَدْت أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَيْهِ. فَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ.
لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الدَّلَالَةَ عَلَى بِطْرِيقٍ مُنْكَرٍ، حَتَّى يَنْتَفِعَ الْمُسْلِمُونَ بِدَلَالَتِهِ. وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ.
٨٦٢ - وَإِنْ كَانَ قَالَ: عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى بِطْرِيقِ الْحِصْنِ فَإِنَّهُ قَدْ نَزَلَ هَارِبًا مِنْ الْحِصْنِ، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَ وَجَدَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابُوا ذَلِكَ الْبِطْرِيقَ، فَهُوَ آمِنٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الدَّلَالَةَ عَلَى مُعَرَّفٍ مَعْلُومٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِنَسَبِهِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ. وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْمُعَيَّنِ لَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ يُعْتَبَرُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ، فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَا شَاخَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ. وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ شَابًّا، فَكَلَّمَ شَيْخًا كَانَ شَابًّا وَقْتَ يَمِينِهِ لَمْ يَحْنَثْ. وَحُصُولُ الْعِلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ بِدَلَالَتِهِ أَوْ انْتِفَاعِهِمْ بِدَلَالَتِهِ وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَشْرُوطِ. فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، فَأَمَّا فِي الْمُعَيَّنِ فَلَا يُعْتَبَرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
٨٦٣ - وَعَلَى هَذَا لَوْ الْتَزَمَ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لَا تُعْتَبَرُ دَلَالَتُهُ عَلَى مَا يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ بِهَا، وَفِي الْمُعَيَّنِ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَوْ دَلَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَدْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ فِي دَخْلَةٍ
[ ٥٤٤ ]
دَخَلُوهَا أَرْضَ الْحَرْبِ قَبْلَ هَذِهِ الدَّخْلَةِ إلَّا أَنَّ مَوْضِعَهَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَهُوَ آمِنٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُمْ تَوَصَّلُوا إلَيْهَا بِدَلَالَتِهِ لَا بِمَا كَانَ سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِمْ بِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ فِي مِثْلِ هَذَا يَكُونُ دَالًّا عَلَى الصَّيْدِ مُلْتَزِمًا لِلْجَزَاءِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَلَالَةٌ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ وُجِدَ، فَإِنَّهُمْ انْتَفَعُوا بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ فَأَمَّا عَمَلُهُمْ الَّذِي سَبَقَ فَمَا كَانَ يُوَصِّلُهُمْ إلَى هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ بَعْدَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أَوْ بَعْدَ مَا نَسَوْهَا. فَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ هَذِهِ الدَّلَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٥٤٥ ]