٥٦٣ - وَإِذَا أَحَاطَ الْمُسْلِمُونَ بِحِصْنٍ مِنْ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَشْرَفَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ فَقَالُوا: آمِنُونَا عَلَى أَنْ نَخْرُجَ إلَيْكُمْ لِنُرَاوِضَكُمْ عَلَى الصُّلْحِ. فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِمْ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ رَجُلًا مَعًا، فَإِنْ عَرَفْنَا الْأَرْبَعَةَ بِأَعْيَانِهِمْ كَانُوا آمِنِينَ، وَمَنْ سِوَاهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، إنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا جَعَلُوهُمْ فَيْئًا
لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِي أَيْدِينَا بِغَيْرِ أَمَانٍ. فَإِنَّ الْمَحْصُورَ بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ لَا يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ مَا لَمْ يُعْطَ لَهُ الْأَمَانُ نَصًّا. (آخِرُ ص ١٣٦) . وَكَيْفَ يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ وَإِنَّمَا حُصِرَ لِيَخْرُجَ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَبَيْنَ مَنْ سِوَاهُمْ سَبَبٌ يُوجِبُ الْأَمْنَ لَهُمْ بِطَرِيقِ التَّبَعَةِ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْأَرْبَعَةِ:
٥٦٤ - فَإِنْ اسْتَقَامَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ صُلْحٌ وَإِلَّا رَدُّوهُمْ إلَى حِصْنِهِمْ، كَمَا هُوَ مُوجِبُ الْأَمَانِ. وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا إلَى الْحِصْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجْبِرُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا آمِنِينَ فِينَا.
[ ٤٠٩ ]
وَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ بِحَبْسٍ وَلَا أَسْرٍ. وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ اذْهَبُوا إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ إنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لَكُمْ حَتَّى تَبْلُغُوا مَأْمَنَكُمْ.
لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْأَمَانِ وَالتَّحَرُّزَ عَنْ الْعُذْرِ وَاجِبٌ.
٥٦٥ - فَإِنْ قَالُوا: لَا نُفَارِقُ عَسْكَرَكُمْ. فَالسَّبِيلُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ إلَيْهِمْ وَيُؤَجِّلَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَذْهَبُوا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً وَأَخْرَجَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ.
وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنْ ذَهَبْتُمْ إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا جَعَلْنَاكُمْ عَبِيدًا أَوْ وَإِلَّا فَدِمَاؤُكُمْ حَلَالٌ.
لِأَنَّهُمْ آمِنُونَ فِينَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْأَمَانِ ثُبُوتُ الْعِصْمَةِ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْقَتْلِ. وَكَمَا لَا يَمْلِكُ تَنْفِيذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي الْحَالِ لَا يَمْلِكُ تَعْلِيقَهُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، بِخِلَافِ تَصْيِيرِهِمْ ذِمَّةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْأَمَانَ بَلْ يُقَرِّرُهُ.
وَالْكَافِرُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إطَالَةِ الْمَقَامِ فِينَا بِدُونِ صَغَارِ الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ.
٥٦٦ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِأَرْبَعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ: انْزِلُوا، فَأَنْتُمْ آمِنُونَ حَتَّى نُرَاوِضَكُمْ عَلَى الصُّلْحِ فَنَزَلَ عِشْرُونَ رَجُلًا فِيهِمْ أُولَئِكَ
[ ٤١٠ ]
الْأَرْبَعَةُ، وَلَكِنْ لَا نَعْلَمُ الْأَرْبَعَةَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: أَنَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ. فَهُمْ جَمِيعًا آمِنُونَ، لَا يَحِلُّ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا أَسْرُهُ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَرَدَّدَ حَالُهُ بَعْدَمَا حَصَلَ فِينَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا مَعْصُومَ الدَّمِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ الدَّمِ. فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْعِصْمَةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - ﷺ - «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَلِأَنَّ الْأَمَانَ يُتَوَسَّعُ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ لَا فِي الْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَهُوَ حَلَالٌ لَهُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى قَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ فِي مَحَلٍّ مَعْصُومٍ. ثُمَّ هَذَا التَّجْهِيلُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ لَمْ يُعَلِّمُوا الْأَرْبَعَةَ بِعَلَامَةٍ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ تَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ عَنْ أَغِيَارهمْ، فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ الْأَمَانِ الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَلَكِنَّهُمْ يَبْلُغُونَ مَأْمَنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُمِّنُوا جَمِيعًا.
٥٦٧ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَمَّنَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالنُّزُولِ، ثُمَّ فَتَحَ الْحِصْنَ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ. فَإِنْ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ أَمَّنُوهُمْ وَإِلَّا كَانَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَيْئًا.
لِأَنَّهُمْ أُخِذُوا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَمَنْ كَانَ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَهُوَ مُبَاحُ الْأَخْذِ، إلَّا أَنْ يُعْلَمَ فِيهِ مَانِعٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ الْأَرْبَعَةُ صَارُوا آمِنِينَ، وَهُمْ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ فِي مَنَعَةِ
[ ٤١١ ]
الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُحَارِبًا لَهُمْ. بِاعْتِبَارِ الْحَالِ، فَمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مُحَارِبٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ لَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ أَرْبَعَةٌ فِي الْحِصْنِ، فَأَمَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِالنُّزُولِ، فَنَزَلَ عِشْرُونَ وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ فِي الْحِصْنِ، لَمْ يَحِلَّ سَبْيُ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
٥٦٨ - وَلَوْ أَسْلَمَ أَرْبَعَةٌ فِي الْحِصْنِ وَلَمْ يَخْرُجُوا حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْحِصْنِ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ، كَانُوا جَمِيعًا فَيْئًا، إلَّا مَنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ أَسْلَمَ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُرًّا هُوَ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ، وَيَسْلَمُ لَهُ مَالُهُ.
لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْرِزُ لَهُ.
فَأَمَّا الْكِبَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ فَلَا يَتْبَعُونَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَكَانُوا فَيْئًا أَجْمَعِينَ. إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ هَا هُنَا.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَابِلٌ لِلْإِسْلَامِ أَوْ رَاغِبٌ فِيهِ (ص ١٣٧) وَإِسْلَامُ الْأَسِيرِ يُؤَمِّنُهُ عَنْ الْقَتْلِ وَلَكِنَّهُ لَا يُؤَمِّنُهُ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ.
٥٦٩ - قَالَ: وَلَوْ لَمْ أَسْبِ هَؤُلَاءِ لَمْ أَسْبِ أَهْلَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ إذَا عَلِمْت أَنَّ فِيهَا مُسْلِمًا وَاحِدًا أَوْ ذِمِّيًّا وَلَا أَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ. فَهَذَا لَيْسَ بِسَبْيٍ، وَكُلُّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الظُّهُورُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ فَيْءٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ الْمَانِعُ فِيهِ.
وَاسْتَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقُ بِمَا:
[ ٤١٢ ]
لَوْ دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ قَرْيَةً مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَتَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ لِيَأْخُذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْقَرْيَةِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَهُمْ آمِنُونَ كُلُّهُمْ.
لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْأَمْنِ وَالْعِصْمَةِ. فَلَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
٥٧٠ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلُوا بَعْضَ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِمَرْأَى الْعَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ، فَكُلُّ مَنْ فِي الْحِصْنِ فَيْءٌ، إلَّا مَنْ عُرِفَ بِالذِّمَّةِ بِعَيْنِهِ.
لِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي مَوْضِعِ النُّهْبَةِ وَالْإِبَاحَةِ فَكَانُوا فَيْئًا، مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمَانِعُ فِي بَعْضِهِمْ. وَتَحْكِيمُ الْمَكَانِ فِي مِثْلِ هَذَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَنْ رَأَى شَخْصًا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ يُبَاحُ لَهُ الرَّمْيُ إلَيْهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ. وَلَوْ رَآهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ.
٥٧١ - وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا دَخَلَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَافْتُتِحَ الْحِصْنُ حِينَ دَخَلَ الرَّجُلُ، وَلَمْ يُقْتَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى أُخِذُوا، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ فِيمَنْ أُخِذَ وَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمْ هُوَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.
[ ٤١٣ ]
لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَقْتُلَهُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. وَلَوْ قَتَلَهُمْ جَمِيعًا كَانَ مُتَيَقِّنًا بِقَتْلِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ. وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى التَّحَرُّزِ عَمَّا لَا يَحِلُّ إلَّا بِالْكَفِّ عَنْ قَتْلِهِمْ جَمِيعًا. وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ قَتْلِ الذِّمِّيِّ فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَقَتْلُ الْحَرْبِيِّ الْأَسِيرِ مُبَاحٌ لَهُ. وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْفَرْضِ. وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ عَلَى الْحِلِّ. فَهُنَا أَوْلَى.
٥٧٢ - فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ قُتِلَ بَعْضُهُمْ، أَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ، أَوْ جُرِحَ بَعْضُهُمْ، فَلَمْ يُحِطْ الْعِلْمُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الرِّجَالِ كُلِّهِمْ.
لِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي مَوْضِعِ الْحَرْبِ، وَالْمَانِعُ مِنْ قَتْلِهِمْ كَوْنُ الذِّمِّيِّ فِيهِمْ. وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِهِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ كَانَ هُوَ الَّذِي مَاتَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُمْ. وَهَذَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مُبَاحُ الدَّمِ.
وَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، إلَّا أَنْ يُعَارِضَ الظَّاهِرَ يَقِينٌ بِخِلَافِهِ. فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ عَارَضَ الظَّاهِرَ يَقِينٌ وَهُوَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الذِّمِّيِّ فِيهِمْ، وَفِي هَذَا الْفَصْلِ لَمْ يُعَارِضْ الظَّاهِرَ يَقِينٌ، فَبُنِيَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ.
٥٧٣ - فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّ الذِّمِّيَّ فِيهِمْ وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: أَنَا الذِّمِّيُّ، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.
لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ، لَكِنْ يَثْبُتُ بِهِ اسْتِحْبَابُ الِاحْتِيَاطِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَاءً وَغَلَبَ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّهُ نَجِسٌ وَلَكِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِنَجَاسَتِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ. فَهَا هُنَا أَيْضًا الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.
٥٧٤ - وَإِنْ كَانَ لَوْ قَتَلَهُمْ، جَازَ. بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ
[ ٤١٤ ]
- ﷺ - لِوَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى صَدْرِكَ وَاسْتَفْتِ قَلْبَكَ، فَمَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ فَدَعْهُ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ بِهِ» .
وَإِنْ كَانَ لَا رَأْيَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمْ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ.
وَإِنْ شَكَّ فِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الْبَاقِينَ وَيَسْبِيَ الَّذِينَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّ الذِّمِّيَّ فِيهِمْ.
٥٧٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَشْرَفَ عَلَى الْحِصْنِ فَدَلَّنَا عَلَى عَوْرَةٍ مِنْ عَوْرَاتِهِمْ فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ اُفْتُتِحَ الْحِصْنُ مِنْ سَاعَتِهِ فَهَذَا وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ الَّذِي أَمَّنَّاهُ مَعْصُومٌ عَنْ الْقَتْلِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الْقَتْلِ بِالْأَمَانِ وَبِالذِّمَّةِ سَوَاءٌ.
٥٧٦ - وَلَوْ وُجِدَتْ الْمُرَاوَضَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحِصْنِ (ص ١٣٨) عَلَى الصُّلْحِ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: أَخْرِجُوا إلَيْنَا أَرْبَعَةً مِنْكُمْ، فَهُمْ آمِنُونَ حَتَّى نُرَاوِضَهُمْ. فَخَرَجَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ مَعًا، فَهُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّ أَرْبَعَةً مِنْ الْعِشْرِينَ قَدْ صَارُوا آمِنِينَ بِإِعْطَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ الْأَمَانَ. فَإِنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ لِمَجْهُولٍ صَحِيحٌ.
فَإِذَا حَصَلُوا فِي عَسْكَرِنَا وَبَعْضُهُمْ آمِنُونَ ثَبَتَ الْأَمَانُ لَهُمْ جَمِيعًا إذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ
وَلَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ لِتَرَدُّدِ حَالِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا مَعْصُومًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ قَالُوا: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ فَهُوَ آمِنٌ. فَإِذَا فَتَحَ الْبَابَ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَخْرُجَ وَيَكُونَ آمِنًا.
[ ٤١٥ ]
فَإِذَا خَرَجَ عَشَرَةٌ مَعًا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي صُورَةِ مَنْ سَلَّطَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْخُرُوجِ، وَلَوْ خَرَجَ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا.
فَخُرُوجُ غَيْرِهِ مَعَهُ لَا يُبْطِلُ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْأَمَانِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: إنْ فَتَحَ رَجُلٌ مِنْكُمْ الْبَابَ فَهُوَ آمِنٌ فَوَثَبَ عَشْرَةٌ مِنْهُمْ فَفَتَحُوهُ مَعًا كَانُوا آمِنِينَ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ فَتَحَهُ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا، فَلَا يَبْطُلُ أَمَانُهُ بِفَتْحِ الْغَيْرِ مَعَهُ.
٥٧٧ - وَلَوْ قَالَ: إنْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْكُمْ إلَيْنَا لِنُرَاوِضَهُ عَلَى الصُّلْحِ فَهُوَ آمِنٌ. فَخَرَجَ رَجُلٌ، ثُمَّ تَبِعَهُ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَارَ فِي مَنَعَتِنَا قَبْلَ خُرُوجِ الْآخَرِينَ فَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ تَعَيَّنَ فِي الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ فِي مَنَعَتِنَا وَحْدَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ. فَبَعْدَمَا تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لَهُ لَا يَمَسُّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ.
وَإِنْ لَمْ يَصِلْ الْأَوَّلُ إلَى مَنَعَتِنَا حَتَّى لَحِقَهُ صَاحِبَاهُ فَهَذَا وَخُرُوجُهُمْ مَعًا سَوَاءٌ.
لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ إلَيْنَا. وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِوُصُولِهِ إلَى مَنَعَتِنَا، فَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَمَانُ فِي الْأَوَّلِ، فَكَانَ هَذَا وَخُرُوجُهُمْ مَعًا سَوَاءٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَنَعَتِنَا ثُمَّ خَرَجَ الْآخَرُ كَانَ آمِنًا إذَا وَصَلَ إلَى مَنَعَتِنَا.
وَلَوْ وَصَلَ الْأَوَّلُ إلَى مَنَعَتِنَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ رَجَعَ فَخَرَجَ الْآخَرُ كَانَ فَيْئًا.
[ ٤١٦ ]
أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الثَّانِيَ عَجَّلَ فَوَصَلَ إلَى مَنَعَتِنَا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْأَوَّلُ مِنْ مَنَعَةِ الْمُشْرِكِينَ أَلَمْ يَكُنْ آمِنًا؟ وَهُوَ أَوَّلُ رَجُلٍ وَصَلَ إلَى مَنَعَتِنَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالُ الْوُصُولِ إلَى مَنَعَتِنَا، وَقَدْ وَصَلُوا إلَيْنَا مَعًا فَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعًا فَكَانُوا آمِنِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا خَرَجُوا مَعًا كَيْفَ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ لَا تَعُمُّ؟ قُلْنَا: هَذِهِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ: بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَهِيَ الْخُرُوجُ إلَيْنَا، وَمِثْلُ هَذِهِ النَّكِرَةِ تَعُمُّ، كَالرَّجُلِ يَقُولُ: لَا أُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا. وَلَكِنْ يَنْتَهِي شَرْطُ الْأَمَانِ بِوُصُولِ أَحَدِهِمْ إلَيْنَا قَبْلَ خُرُوجِ الْآخَرِينَ. فَإِذَا خَرَجُوا مَعًا كَانُوا آمِنِينَ لِهَذَا.
٥٧٨ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: عَشَرَةٌ مِنْكُمْ آمِنُونَ عَلَى أَنْ تَفْتَحُوا الْبَابَ. فَقَالَ الْإِمَامُ: نَعَمْ. فَفَتَحُوا الْبَابَ فَعَشْرَةٌ مِنْهُمْ آمِنُونَ، وَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.
لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الْأَمَانَ لِلْفَاتِحِينَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ لِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ مِنْهُمْ. وَلَكِنَّ إيجَابَ الْأَمَانِ لِلْمَجْهُولِ يَصِحُّ مُنْجَزًا، وَكَذَلِكَ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ ثُمَّ الْبَيَانُ يَكُونُ إلَى مَنْ أَوْجَبَ فِي الْمَجْهُولِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ
وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ عِيَالٍ وَلَا مَالٍ، إلَّا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْكِسْوَةِ وَالسِّلَاحِ اسْتِحْسَانًا.
؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْأَمَانِ لَهُمْ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ وَتَمَامِ الْقَهْرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِيَالَ لَا يَدْخُلُونَ فِي مِثْلِهِ.
[ ٤١٧ ]
وَإِنْ كَانُوا قَالُوا: عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ حِصْنِنَا آمِنُونَ عَلَى أَنْ يُفْتَحَ لَكُمْ الْبَابُ. فَقَالَ الْإِمَامُ: نَعَمْ. فَلَهُ الْخِيَارُ، إنْ شَاءَ جَعَلَ الْعَشَرَةَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُمْ مِنْ رِجَالِهِمْ.
لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي بِهِ طُلِبَ الْأَمَانُ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ، وَالْكُلُّ (ص ١٣٩) مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ. وَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا خَاطَبَ الرِّجَالَ. فَيَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ مِنْ الرِّجَالِ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ.
٥٨٠ - وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَاطَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى لَا يُخْتَارَ لِلْأَمَانِ مَنْ تَكُونُ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِرْقَاقِهِ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لَهُمْ
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ لِيَخْرُجْ إلَيْنَا أَرْبَعَةٌ مِنْكُمْ. وَقَوْلِهِ: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا أَحَدٌ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْأَمَانَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ بَعْدَمَا وَصَلُوا إلَى مَنَعَتِنَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ خَرَجَ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا. فَبِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ لَا يَبْطُلُ الْأَمَانُ. وَهَذَا الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ مِنْهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ وَهُمْ فِي الْحِصْنِ.
وَحَقِيقَةُ هَذَا الْفَرْقِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ هُنَا غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ، وَهُنَاكَ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةٌ بِالْخُرُوجِ إلَيْنَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ رَمَى رَجُلٌ مِنْكُمْ بِنَفْسِهِ إلَيْنَا وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا. فَرَمَى عَشَرَةٌ مَعًا كَانُوا آمِنِينَ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ مَوْصُوفَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ رَمَى بِنَفْسِهِ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا، فَبِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ.
٥٨١ - وَلَوْ قَالَ: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ حَتَّى نُرَاوِضَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ. فَخَرَجُوا، فَهُمْ آمِنُونَ، سَوَاءٌ قَالَ: وَهُمْ آمِنُونَ أَوْ لَمْ يَقُلْ.
[ ٤١٨ ]
لِأَنَّهُ دَعَاهُمْ إلَى الْخُرُوجِ لِطَلَبِ السِّلْمِ وَالْمُوَافَقَةِ، وَلِأَنَّ الْمُرَاوَضَةَ عَلَى الصُّلْحِ إنَّمَا تَتَأَتَّى مِمَّنْ كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ. فَهَذَا دَلِيلُ الْأَمَانِ لَهُمْ.
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِأَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ: اُخْرُجُوا إلَيْنَا. فَخَرَجُوا. فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمَانِ أَوْ عَلَى الْخُرُوجِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَافَقَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا طَلَبُ الْمُبَارَزَةِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: اُخْرُجُوا إلَيْنَا لِلْقِتَالِ إنْ كُنْتُمْ رِجَالًا.
٥٨٢ - وَلَوْ قَالَ: اُخْرُجُوا إلَيْنَا فَبِيعُوا وَاشْتَرُوا، كَانُوا آمِنِينَ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ مَا دَلَّ عَلَى الْأَمَانِ وَالْخُرُوجِ إلَى الْمُوَافَقَةِ. فَالتِّجَارَةُ تَكُونُ عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهَا مَنْ يَكُونُ آمِنًا.
٥٨٣ - وَلَوْ قَالَ: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ حَتَّى نُرَاوِضَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ. فَخَرَجَ أَرْبَعَةٌ غَيْرُ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ، فَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَمَانِ لَا تَكُونُ فَوْقَ التَّصْرِيحِ بِعَيْنِهِ.
٥٨٤ - وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعَةٍ بِأَعْيَانِهِمْ: أَمَّنْتُكُمْ، فَخَرَجَ غَيْرُهُمْ كَانُوا فَيْئًا.
٥٨٥ - وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَدْرُوا أَنَّهُمْ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةُ أَمْ غَيْرُهُمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ، كَانُوا فَيْئًا لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِحَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ. وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.
لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ عَلَى الْخُرُوجِ إلَّا مَنْ أُومِنَ بِعَيْنِهِ.
[ ٤١٩ ]
فَإِنْ اتَّهَمَهُمْ اسْتَحْلَفَهُمْ بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ كَانُوا فَيْئًا، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُونَ.
لِأَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ، وَلَكِنْ فِيهِ ضَرْبُ شُبْهَةٍ وَاحْتِمَالٍ، فَلَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
٥٨٦ - وَإِنْ خَرَجَ عِشْرُونَ رَجُلًا مَعًا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا.
لِأَنَّ كُلَّ أَرْبَعَةٍ لَوْ خَرَجُوا وَحْدَهُمْ وَحَلَفُوا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. فَخُرُوجُ غَيْرِهِمْ لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ. أَوْ لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي مَنَعَتِنَا. وَفِي مِثْلِ هَذَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ جَمِيعًا احْتِيَاطًا. فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ.
[ ٤٢٠ ]