٩٤ - بَابٌ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَالنَّفَلِ فِيهِ ١٥٤٨ - وَلَوْ أَقَامَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَطْمُورَةٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: كُلُّ رَجُلٍ يَحْفَظُ الْمَطْمُورَةَ اللَّيْلَةَ حَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْهَا الْعَدُوُّ فَلَهُ دِينَارٌ. وَأَقَامَ عَلَيْهَا مِائَةُ رَجُلٍ حَتَّى أَصْبَحُوا. فَإِنْ كَانَ الدِّينَارُ جَعَلَهُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّا يُصِيبُونَ مِنْ الْمَطْمُورَةِ فَهُوَ نَفْلٌ صَحِيحٌ.
لِأَنَّ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ مُمْتَنِعُونَ، وَالْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ عَلَى حِفْظِهِمْ بِالتَّنْفِيلِ مَاسَّةٌ، وَحِفْظُهُمْ حَتَّى لَا يَهْرُبُوا مِنْ الْجِهَادِ. فَلِهَذَا صَحَّ التَّنْفِيلُ.
١٥٤٩ - وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْغَنَائِمِ الَّتِي أَصَابَهَا الْمُسْلِمُونَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ.
لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ ذَلِكَ لَهُمْ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ. فَإِنَّ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَا يَجُوزُ وَلَا بِطَرِيقِ الْأُجْرَةِ. لِأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ مِنْ الْجِهَادِ. وَاسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْجِهَادِ بَاطِلٌ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ عَلَى عَمَلِ الْجِهَادِ يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّونَ الْأَجْرَ مَعَ ذَلِكَ؟ وَلِأَنَّ الْجِهَادَ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ، فَكُلُّ مَنْ بَاشَرَهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا فَرْضًا. وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرْضِ بَاطِلٌ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى الصَّلَاةِ.
[ ٨٦٢ ]
١٥٥٠ - وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْأَمِيرُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ فَهَذَا تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ مِنْ الْمَطْمُورَةِ. لِأَنَّ مُطْلَقَ كَلَامِ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ شَرْعًا لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَكُونُ بَاطِلًا شَرْعًا.
١٥٥١ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَطْمُورَةِ مُقَاتَلَةٌ، وَإِنَّمَا فِيهَا الذَّرَارِيُّ وَالْأَمْوَالُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارٌ فِي الْغَنِيمَةِ هَا هُنَا. لِأَنَّ حِفْظَهُمْ لَيْسَ بِجِهَادٍ هَا هُنَا، وَإِنَّمَا هَذَا اسْتِئْجَارٌ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ، بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ. فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ وَأَقَامَ الْعَمَلَ فَلَهُ الْأَجْرُ، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ مَقَالَتَهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ. لِأَنَّهُ مَا أَقَامَ الْعَمَلَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ، وَلَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ حِينَ لَمْ يَسْمَعْ بِمَقَالَةِ الْأَمِيرِ. وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ: كُلُّ مَنْ سَاقَ هَذِهِ الْأَرْمَاكَ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ. فَسَاقَهَا قَوْمٌ سَمِعُوا مَقَالَتَهُ. فَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُجْرَةُ دِينَارٍ، يَبْدَأُ بِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ كُلِّ نَفْلٍ وَقِسْمَةٍ. وَإِنْ ذَهَبَتْ الْغَنَائِمُ كُلُّهَا لَمْ يَكُنْ لِلْأُجَرَاءِ عَلَى الْإِمَامِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ مِنْهُ لِمَنْفَعَةِ الْغَانِمِينَ، فَإِنَّمَا أَجْرُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَالْإِمَامُ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا لِلْعَهْدِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إذًا شَيْءٌ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ،
[ ٨٦٣ ]
وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَيْهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا الْغَنِيمَةَ بَعْدُ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْأُسَارَى، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْبَدَلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَقْدِ إذَا سَلَّمَ الْعَمَلَ إلَيْهِمْ. وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا بِالتَّسْلِيمِ (ص ٢٨٣) إلَى مُلْكِهِمْ.
- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ نَصَبَ رِمَاحَ الْمُسْلِمِينَ حَوْلَ الْعَسْكَرِ فَلَهُ دِينَارٌ. فَفَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ اسْتَحَقَّ الدِّينَارَ.
لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَرْبِ، وَلَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَفْعَلَهُ فَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْإِمَامِ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ.
١٥٥٣ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ نَصَبَ رُمْحَهُ فَلَهُ دِينَارٌ أَجْرًا لَهُ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ فِيهِ أَجِيرًا لِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ نَصْبَ رُمْحِهِ مِنْ عَمَلِ الْحَرْبِ كَالطَّعْنِ بِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ نَصْبِ رِمَاحِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا وَجَاءَ بِرَأْسِهِ فَلَهُ دِينَارٌ. فَهَذَا تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ، وَيُعْطَى الدِّينَارَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْغَنَائِمِ الَّتِي تُصَابُ بَعْدَ هَذَا، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ. فَأَمَّا مِمَّا أُحْرِزَ مِنْ الْغَنَائِمِ قَبْلَ هَذَا فَلَا.
لِأَنَّهُ لَا تَنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ. فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الدِّينَارَ مِنْ ذَلِكَ نَفْلًا وَلَا أُجْرَةً، لِأَنَّ قَتْلَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْجِهَادِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ الْأَجْرَ.
[ ٨٦٤ ]
١٥٥٥ - وَكَمَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْمُقَاتِلَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ التُّجَّارِ وَالْعَبِيدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَادِ أَيْضًا، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ التَّاجِرُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ السَّهْمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالْعَبْدُ الرَّضْخَ.
١٥٥٦ - وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ وَأَوْجَبَ لَهُمْ مَالًا مَعْلُومًا عَلَى عَمَلٍ مِنْ ذَلِكَ مَعْلُومٍ فَلَهُمْ الْأَجْرُ.
لِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَيْسَ بِجِهَادٍ، فَإِنَّ الْجِهَادَ يُنَالُ بِهِ الثَّوَابُ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ. وَالْجِهَادُ مَا يَتَقَرَّبُ الْعَبْدُ بِهِ إلَى رَبِّهِ، وَهُمْ لَا يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ. بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ خَرَجَ بِآخَرَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَدِيلًا عَنْ إنْسَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ.
لِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمُتَقَرِّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ عَلَى غَيْرِهِ. وَعِنْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ السَّهْمُ يَكُونُ لَهُ دُونَ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ: الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْجِهَادِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ، وَعَلَى الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْكَلَامَ فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الطَّاعَاتِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.
[ ٨٦٥ ]
- وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا، وَلِأَهْلِ الْحِصْنِ مَلَاعِبُ وَكَنَائِسُ خَارِجَ مِنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ. فَاسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ عَلَى تَخْرِيبِهَا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
لِأَنَّ تَخْرِيبَ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ، وَقَدْ حَصَلَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَحْتَاجُ فِي التَّخْرِيبِ إلَى قِتَالٍ.
١٥٥٨ - بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُمْ عَلَى تَخْرِيبِ حِصْنٍ أَهْلُهُ مُمْتَنِعُونَ فِيهِ أَوْ كَسْرِ بَابٍ.
لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ يَحْتَاجُ فِي إقَامَتِهِ إلَى الْقِتَالِ.
- وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَقْبَلُوا فِي سُفُنِهِمْ يُرِيدُونَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَحْرَارِهِمْ، أَوْ عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ كُفَّارًا أَوْ مُسْلِمِينَ، يَرْمُونَهُمْ بِالْمُحَرِّقَاتِ فَلَا أَجْرَ لَهُمْ.
لِأَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ دَيْنُ الْمَوْلَى لَا دَيْنُ الْعَبْدِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَكُونُ مُجَاهِدًا بِعَبِيدِهِ كَمَا يَكُونُ مُجَاهِدًا بِفَرَسِهِ. وَإِنْ جَعَلَ ذَلِكَ نَفْلًا لَهُمْ مِمَّا يُصِيبُونَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا فِي الْبَرِّ يَرْمُونَ بِالْمَجَانِيقِ الْحُصُونَ. وَإِنْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى ذَلِكَ جَازَ.
لِأَنَّ عَمَلَهُمْ لَيْسَ بِجِهَادٍ لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ فِيهِمْ.
[ ٨٦٦ ]
- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَجْذِفُونَ بِهِمْ فِي الْبَحْرِ فَهَذَا جَائِزٌ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ، وَهُوَ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذَا لَقُوا الْعَدُوَّ أَوْ لَمْ يَلْقَوْهُمْ، وَأَنَّ الْمَلَّاحِينَ يَأْخُذُونَ الْأَجْرَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ حَلَالٌ لَهُمْ.
- وَلَوْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِغَنَائِمَ مُتَفَرِّقَةٍ وَلَيْسَ مَعَهَا مَنْ يَمْنَعُهَا. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَمَعَهَا فَلَهُ دِينَارٌ. فَهَذَا جَائِزٌ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ فِي نَفْسِهِ. فَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ.
- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مُسْلِمًا بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لِيَبِيعَهَا فَهَذِهِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ (ص ٢٨٤)، إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ الْمُدَّةَ فَيَقُولُ: اسْتَأْجَرْتُكَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ بِكَذَا لِتَبِيعَ الْغَنَائِمَ.
لِأَنَّ عِنْدَ بَيَانِ الْمُدَّةِ، الْعَقْدُ يَتَنَاوَلُ مَنَافِعَهُ. وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ، بَاعَ أَوْ لَمْ يَبِعْ. وَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَقَدْ يَتِمُّ الْبَيْعُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ لَا يَتِمَّ بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ. فَكَذَلِكَ لَا يَتَهَيَّأُ مِنْهُ الْبَيْعُ بِدُونِ مُسَاعِدَةِ الْمُشْتَرِي، فَلِهَذَا كَانَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْبَيْعِ فَاسِدًا. وَلَيْسَ هَذَا فِيمَنْ يَبِيعُ الْغَنَائِمَ خَاصَّةً، وَلَكِنْ فِي جَمِيعِ الْبَاعَةِ الْحُكْمُ هَكَذَا.
[ ٨٦٧ ]
- وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يُقَسِّمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ. لِأَنَّ الْقِسْمَةَ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يَتِمُّ بِالْقِسَامِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِعَلِيٍّ - ﵁ - قَاسِمٌ يُقَسِّمُ بِالْأَجْرِ. وَيَسْتَوِي أَنْ يُبَيِّنَ الْمُدَّةَ هَا هُنَا أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ. لِأَنَّ الْعَمَلَ مَعْلُومٌ بِنَفْسِهِ. ثُمَّ يَبْدَأُ بِأَجْرِهِ قَبْلَ النَّفْلِ وَالْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ، وَقِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ كَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ. وَالنَّفَلُ فِيهِ كَالْوَصِيَّةِ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا.
١٥٦٥ - فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ نَظَرَ. فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مِقْدَارَ أَجْرِ مِثْلِهِ. لِأَنَّ الْأَمِيرَ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ نَاظِرٌ. فَتَتَقَيَّدُ وِلَايَتُهُ بِشَرْطِ النَّظَرِ، كَوِلَايَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْيَتِيمِ.
١٥٦٦ - فَإِنْ اسْتَرَدَّ مِنْهُ الْفَضْلَ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ. فَقَالَ الْأَجِيرُ: أَنَا أَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَنِي لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مَا عَقَدَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا عَقَدَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ مِنْهُ. إلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ الْعُهْدَةِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ
[ ٨٦٨ ]
بِالِاسْتِئْجَارِ، فَإِنَّهُ إذَا بَاشَرَ الْعَقْدَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ فَذَلِكَ كُلُّهُ لَازِمٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ عَلَى الْأَمِيرِ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ صَارَ مُخَالِفًا بِالْمُحَابَاةِ الْفَاحِشَةِ فِي الِاسْتِئْجَارِ فَيَنْفُذُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ خَاصَّةً بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ، وَأَمَّا الْأَمِيرُ فَالْعَقْدُ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ الْأَمِيرُ هَا هُنَا الْقَاضِي إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَعْمَلُ لِلْيَتِيمِ عَمَلًا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّهُ يُعْطِي الْأَجِيرَ أَجْرَ مِثْلِهِ وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ عَلَى الْيَتِيمِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي، لِأَنَّ اسْتِئْجَارَهُ مِنْهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ مِنْهُ.
١٥٦٧ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ وَالْقَاضِي: فَعَلْنَا ذَلِكَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفْعَلَهُ. فَجَمِيعُ الْأَجْرِ عَلَيْهِمَا فِي مَالَيْهِمَا. قَالَ: لِأَنَّهُمَا تَعَمَّدَا الْجَوْرَ فَصَارَا فِيهِ غَيْرَ حَاكِمَيْنِ. وَبِهَذَا اللَّفْظِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَنْعَزِلُ بِالْجَوْرِ. وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْهَبٍ لَنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا أَمْلَيْنَا مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ " فِي بَابِ التَّحْكِيمِ. وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ مَا ذُكِرَ هَا هُنَا أَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَنْفُذُ إذَا صَدَرَ عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَهَذَا الْحُكْمُ خَلَا عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي إذَا قَضَى بِغَيْرِ حُجَّةٍ، أَوْ قَضَى بِرَأْيِهِ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ. لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ. وَهُوَ قَاضٍ عَلَى حَالِهِ. فَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ قَضَاؤُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ نَفَذَ عَقْدُهُ عَلَيْهِ، عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّ الْعَقْدَ مَتَى وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْعَاقِدِ يَنْفُذُ عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي آدَابِ الْقَاضِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَخْطَأَ فِي قَضَائِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَغُرْمُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ قَضَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حُدُودِ اللَّهِ فَخَطَؤُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ قَالَ: تَعَمَّدْتُ ذَلِكَ كَانَ الْغُرْمُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ. فَكَذَا مَا صَنَعَهُ الْأَمِيرُ يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ ذَلِكَ.
- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْأَمِيرُ قَوْمًا يَسُوقُونَ الْأَرْمَاكَ، فَسَاقُوهَا فَعَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ سِيَاقِهِمْ، أَوْ هَلَكَتْ فِي أَيْدِيهِمْ. فَإِنْ كَانَ
[ ٨٦٩ ]
ذَلِكَ وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِعَمَلِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ عَمَلِهِمْ. لِأَنَّهُمْ لَوْ اسْتَهْلَكُوا الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ (ص ٢٨٥) لَمْ يَضْمَنُوهَا، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَتَأَكَّدْ فِيهَا لِلْغَانِمَيْنِ بَعْدُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا وَصَلُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَحَالُهُمْ كَحَالِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ " أَنَّ مَا تَلِفَ فِي يَدِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - سَوَاءٌ تَلِفَ بِسَبَبٍ يَتَأَتَّى الِاحْتِرَازُ عَنْهُ أَوْ لَا يَتَأَتَّى. وَعِنْدَهُمَا هُوَ ضَامِنٌ لَهُ، إلَّا أَنْ يَتْلَفَ بِسَبَبٍ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. وَمَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ يَدِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ، فَهَا هُنَا أَيْضًا مَا عَطِبَ بِسِيَاقِهِمْ أَوْ بِتَنَاطُحِهَا فَذَلِكَ مِنْ جِنَايَةِ يَدِ الْأُجَرَاءِ، فَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ قِيمَةِ ذَلِكَ. وَلَكِنْ إنَّمَا يَضْمَنُونَ قِيمَتَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَلِفَ فِيهِ، وَيَكُونُ لَهُمْ الْأَجْرُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. بِخِلَافِ الْقَصَّارِ وَغَيْرِهِ، فَهُنَاكَ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ مَتَاعِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَلَا أَجْرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَعْمُولًا وَلَهُ الْأَجْرُ. لِأَنَّ هُنَاكَ فَسْخُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْعَاقِدِ مُمْكِنٌ. فَإِنَّ إيجَابَ الضَّمَانِ عَلَى الْأَجِيرِ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَأَتَّى، لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ ضَامِنًا. فَأَمَّا هُنَا لَا يُمْكِنُ بِإِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ التَّسْلِيمِ إلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَوْ اسْتَهْلَكُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَضْمَنُوا
[ ٨٧٠ ]
شَيْئًا. فَلَا بُدَّ مِنْ إبْقَاءِ الْعَقْدِ بِقَدْرِ مَا أَوْفَوْا مِنْ الْعَمَلِ، لِيَتَأَتَّى إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ. فَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ الْأَجْرُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَكَذَلِكَ هَذَا الْفَرْقُ لَهُمَا فِيمَا يَتْلَفُ بِغَيْرِ صُنْعِهِمْ فِيمَا يَتَأَتَّى الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. وَلَوْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ لِمَا قُلْنَا، وَلَكِنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ صُنْعِهِمْ فَلَهُمْ الْأَجْرُ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ. لِأَنَّهُمْ مَا صَارُوا مُسْتَرِدِّينَ لِمَا سَلَّمُوا حِينَ هَلَكَ بِغَيْرِ صُنْعِهِمْ. وَإِنْ هَلَكَ بِصُنْعِهِمْ فَلَا أَجْرَ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالْمُسْتَرَدِّينَ لِلْعَمَلِ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لِلْغَانِمِينَ بِعَمَلِهِمْ شَيْءٌ حِينَ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ أَيْضًا لَهُمْ. بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَبَ مِنْ فِعْلِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالضَّمَانُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ هَا هُنَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَمَلَ قَدْ سَلِمَ لِلْغَانِمِينَ بِهَذَا الطَّرِيقِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا أَجْرَ لَهُمْ فِيمَا يَتْلَفُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ صُنْعِهِمْ أَيْضًا، لِأَنَّهُ فِيمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ يَكُونُ التَّلَفُ مُضَافًا إلَيْهِمْ حُكْمًا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ضَمِنُوا قِيمَتَهُ. فَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَثْبُتُ اسْتِرْدَادُ مَا أَقَامُوا مِنْ الْعَمَلِ حُكْمًا، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ الْأَجْرُ عَلَى ذَلِكَ. وَشُبِّهَ هَذَا بِمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَحْمِلُ لَهُ جُلُودَ مَيْتَةٍ لِيَدْبَغَهَا. فَحَمَلَهَا، فَعَثَرَ فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَتْ فَاحْتَرَقَتْ، أَوْ أَحْرَقَهَا الَّذِي حَمَلَهَا بِالنَّارِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ، وَلَا أَجْرَ لَهُ، لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِعَمَلِهِ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ الْإِتْلَافِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ. فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْغَنَائِمِ فِيمَا وَصَفْنَا إذَا تَلِفَ فِي دَارِ الْحَرْبِ شَيْءٌ مِنْهَا. بِصُنْعِهِ أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ.
١٥٦٩ - وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْعَدُوُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ مُجَاهَرَةً فَلَهُمْ الْأَجْرُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ.
[ ٨٧١ ]
لِأَنَّ التَّلَفَ هَا هُنَا حَصَلَ بِمَا لَا يَتَأَتَّى لَهُمْ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. فَلَا يَكُونُوا بِهِ مُسْتَرِدِّينَ لِمَا أَقَامُوا، إلَّا أَنَّهُمْ إذَا ادَّعَوْا ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ الْيَمِينِ. لِأَنَّ أَصْلَ قَبْضِهِمْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ عِنْدَهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ. وَعِنْدَهُمَا لَا يُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. لِأَنَّ قَبْضَهُمْ (ص ٢٨٦) قَبْضُ ضَمَانٍ عِنْدَهُمَا. وَلِهَذَا لَوْ تَلِفَ بَعْدَ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانُوا ضَامِنِينَ، وَالضَّامِنُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ.
- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَجُلًا يَحْمِلُ رَقِيقًا وَسَبْيًا مِنْ الْغَنِيمَةِ، صِغَارًا أَوْ كِبَارًا، عَلَى دَوَابِّهِ، إلَى مَكَان مَعْلُومٍ، فَحَمَلَهُمْ. فَعَطَبُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ سِيَاقِهِ أَوْ لَا مِنْ سِيَاقِهِ، بِمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ أَوْ بِمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
١٥٧١ - وَكَذَلِكَ إنْ هَلَكُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْ جِهَتِهِ اسْتِهْلَاكٌ أَوْ تَضْيِيعٌ أَوْ عُنْفٌ فِي سَوْقِ الدَّابَّةِ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَحْمُولُ مَتَاعًا سِوَى بَنِي آدَمَ، فَهُنَاكَ يَضْمَنُ مَا عَطِبَ مِنْ سِيَاقِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا لِأَنَّ الضَّمَانَ الْوَاجِبَ فِي الْآدَمِيِّ ضَمَانُ جِنَايَةٍ. وَهُوَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ ضَمَانِ الْعَقْدِ. وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ، وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْعَقْدِ فِي ضَمَانٍ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ ضَمَانِ الْعَقْدِ. بِخِلَافِ ضَمَانِ الْأَمْتِعَةِ. وَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ يَصِيرُ مُسْلِمًا إلَى الرَّاكِبِ إذَا كَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ فَيَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ الْأَجِيرِ، بِخِلَافِ الْأَمْتِعَةِ. ثُمَّ يَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي حَمَلَهُمْ إلَيْهِ.
[ ٨٧٢ ]
لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ صَارَ مُسْلِمًا إلَى مَنْ أَمَرَ الْمُسْتَأْجِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى الْأَجِيرِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُسْتَرِدًّا شَيْئًا.
١٥٧٢ - وَأَمَّا إذَا عَنُفَ عَلَيْهِمْ فِي السَّوْقِ، أَوْ اسْتَهْلَكَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. لِعَدَمِ تَأَكُّدِ الْحَقِّ لِلْغَانِمِينَ. وَلَا أَجْرَ لَهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِمَا سَلَّمَ بِمَا أَحْدَثَ مِنْ فِعْلِ الِاسْتِهْلَاكِ. وَالْأَمِيرُ يُؤَدِّبُهُ فِيمَا صَنَعَ. لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِإِتْلَافِ مَا ثَبَتَ حَقُّ الْغَانِمِينَ فِيهِ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ ضَامِنٌ قِيمَةَ مَا اسْتَهْلَكَ. لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ. وَلَهُ الْأَجْرُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي حَمَلَهُمْ إلَيْهِ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ الْقِيمَةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَذَلِكَ يُقَرِّرُ تَسْلِيمَهُ لَا أَنْ يَجْعَلَهُ مُسْتَرِدًّا. إلَّا الرِّجَالَ مِنْ الْأُسَرَاءِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِمْ. لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِمْ لَا يَتَأَكَّدُ بِالْإِحْرَازِ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ؟ فَكَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءً، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي حِمْلَانِهِمْ، لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِعَمَلِهِ فِي حَمْلِهِمْ حَتَّى لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِيهِمْ.
[ ٨٧٣ ]
- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا مُيَاوَمَةً أَوْ مُشَاهَرَةً لِسَوْقِ الْأَرْمَاكِ فَهُوَ جَائِزٌ.
لِأَنَّهُ عَقَدَ الْعَقْدَ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ. ثُمَّ لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ هَا هُنَا فِيمَا يَعْطَبُ مِنْ سِيَاقِهِ أَوْ لَا مِنْ سِيَاقِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُ أَجِيرُ الْوَحْدِ، وَأَجِيرُ الْوَحْدِ لَا يَضْمَنُ مَا جَنَتْ يَدُهُ إذَا كَانَ فِعْلُهُ حَاصِلًا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ النَّفْسَ فِي الْمُدَّةِ اسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ وَمَنَافِعَهُ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ؟ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ صِفَةُ سَلَامَةِ الْعَمَلِ عَنْ الْعَيْبِ. بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ.
١٥٧٤ - فَإِنْ عَنُفُوا فِي السُّوقِ أَوْ اسْتَهْلِكُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانُوا ضَامِنِينَ. لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُمْ بَعْدَ تَأَكُّدِ الْحَقِّ. وَلَهُمْ أُجُورُهُمْ لِمَا مَضَى. لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ الْأَجْرُ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ فِي الْمُدَّةِ، فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُمْ بِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُمْ. وَأَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْأَمِيرِ هُنَا أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِمْ أَرْمَاكًا بَعْدَ أَرْمَاكٍ بِقَدْرِ
[ ٨٧٤ ]
مَا يُطِيقُونَ، وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْلُفَ مَكَانَهَا مِثْلُهَا، وَفِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. فَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعَقْدَ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُ الْعَمَلَ، وَبِقَضِيَّةِ الْمُفَاوَضَةِ (ص ٢٧٨) تَثْبُتُ صِفَةُ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ. وَهَا هُنَا الْعَقْدُ يَتَنَاوَلُ الْمَنْفَعَةَ دُونَ الْعَمَلِ.
- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِمُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ: إنْ قَتَلْت ذَلِكَ الْفَارِسَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَكَ عَلَيَّ أَجْرُ مِائَةٍ دِينَارٍ. فَقَتَلَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ.
لِأَنَّهُ لَمَّا صَرَّحَ بِالْأَجْرِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى التَّنْفِيلِ. وَالْفِعْلُ الَّذِي حَرَّضَهُ عَلَيْهِ جِهَادٌ. وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْجِهَادِ لَا يَجُوزُ.
١٥٧٦ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - وَأَبِي يُوسُفَ - ﵀ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - لِلذِّمِّيِّ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى. وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، سَوَاءٌ كَانَ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ. حَتَّى لَوْ اسْتَأْجَرَ وَلِيُّ الدَّمِ رَجُلًا لِيَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ عِنْدَهُمَا. وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقَتْلِ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يُقَدَّرُ الْأَجِيرُ عَلَى إقَامَتِهِ. فَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَذَبْحِ الشَّاةِ، وَقَطْعِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ. فَإِنَّ الْإِمَامَ لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ أَوْ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ الْوَصْفِ أَنَّ الْقَتْلَ يَكُونُ بِجَزِّ الرَّقَبَةِ، وَفِي قُدْرَةِ الْأَجِيرِ عَلَى ذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ إبَانَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْبَدَنِ وَبَيْنَ إبَانَةِ الطَّرَفِ مِنْ الْجُمْلَةِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِزَهُوقِ الرُّوحِ،
[ ٨٧٥ ]
وَذَلِكَ مُصَانٌ عَنْ مَحِلِّ قُدْرَتِهِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ عَمَلِهِ، بِمَنْزِلَةِ حُصُولِ الْوَلَدِ. وَنَبَاتِ الزَّرْعِ، وَالْإِضَافَةُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِكَسْبِهِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ فِعْلَهُ الضَّرْبَ بِالسَّيْفِ، وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَحْصُلُ الْقَتْلُ بِهِ؟ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى مَنَافِعِهِ، أَوْ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ عَمَلِهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الذَّبْحِ. لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ هُنَاكَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ يُمَيِّزُ الطَّاهِرَ مِنْ النَّجِسِ، وَذَلِكَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ، وَذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ. وَكَذَلِكَ قَطْعُ الْأَطْرَافِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنْ إزْهَاقِ الرُّوحِ شَيْءٌ، وَلَكِنَّهُ فَصْلُ الْجُزْءِ مِنْ الْجُمْلَةِ. وَهَذَا مِنْ عَمَلِهِ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ الْحَبْلِ وَالْخَشَبَةِ.
- وَلَوْ كَانَ الْأُسَرَاءُ قَتْلَى. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَطَعَ رُءُوسَهُمْ فَلَهُ أَجْرُ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ.
لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ وَهُوَ عَمَلٌ مَعْلُومٌ فِي مَحِلِّ قُدْرَةِ الْأَجِيرِ. فَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ عَلَيْهِ كَقَطْعِ الْخَشَبَةِ أَوْ الْحَبْلِ.
- وَلَوْ نَظَرَ الْأَمِيرُ إلَى فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَالَ لِمُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ: إنْ جِئْتَنِي بِسَلْبِهِ فَلَكَ أَجْرُ عَشْرَةِ دَنَانِيرَ، فَقَتَلَهُ وَجَاءَ بِسَلْبِهِ. وَأَفَلْت مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ.
لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلِ الْجِهَادِ.
١٥٧٩ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِذِمِّيٍّ فَلَهُ الْأَجْرُ مِنْهُ. لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِجِهَادٍ.
١٥٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إنْ قَطَعْت يَدَهُ فَلَكَ كَذَا.
[ ٨٧٦ ]
لِأَنَّ قَطْعَ يَدِ الْمُمْتَنِعِ الْمُقَاتِلِ مِنْ الْجِهَادِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ أَجْرًا، وَيَكُونُ عَلَيْهِ لِلذِّمِّيِّ الْأَجْرُ، لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِجِهَادٍ.
- وَلَوْ أَرَادَ قَتْلَ الْأُسَارَى فَاسْتَأْجَرَ عَلَى ذَلِكَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى قَتْلِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ.
- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ: احْفِرُوا هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ هَذَا النَّهْرِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا حَتَّى يَنْبَثِقَ الْمَاءُ فَيَغْرَقُ أَهْلُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَلَكُمْ أَجْرُ مِائَةِ دِينَارٍ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُقَاتِلُونَ وَيَمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لِلْأُجَرَاءِ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ مَا اُسْتُؤْجِرُوا عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ. وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَهُمْ الْأَجْرُ. وَإِنْ كَانُوا عِشْرِينَ نَفَرًا: عَشْرَةً مُسْلِمِينَ، وَعَشْرَةً ذِمِّيِّينَ فَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ الْأَجْرِ. لِأَنَّهُ يُجْعَلُ فِي حَقِّ كُلِّ فَرِيقٍ كَانَ الْفَرِيقُ الثَّانِي مِثْلَهُمْ.
[ ٨٧٧ ]
١٥٨٣ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَنْ يُقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَهُمْ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى. لِأَنَّ حَفْرَ الْأَرْضِ (ص ٢٨٨) لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ، فَيَسْتَوْجِبُ الْمُسْلِمُ الْأَجْرَ عَلَيْهِ كَمَا يَسْتَوْجِبُ الذِّمِّيُّ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخْرِيبِ الْمَلَاعِبِ وَالْكَنَائِسِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْحِصْنِ بَعْدَ مَا صَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ.
- وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُمْ لِقَطْعِ الْأَشْجَارِ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ.
لِأَنَّ مَا اُسْتُؤْجِرُوا عَلَيْهِ عَيْنَهُ لَيْسَ بِجِهَادٍ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْجِهَادِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُك عَنْهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى أَنْ تُجَاهِدَهُ فِي إتْمَامِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُنَابِذُك لَمْ يَكُنْ مِنْ الْجِهَادِ فِي شَيْءٍ.
- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَرْمُونَ بِالْمَنْجَنِيقِ. فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَهُمْ الْأَجْرُ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا فَلَا أَجْرَ لَهُمْ.
لِأَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ. فَالرَّمْيُ بِالْمَنْجَنِيقِ لِتَخْرِيبِ الْحِصْنِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُمْتَنِعُونَ، وَعَلَى الدَّفْعِ عَنْهُ يُقَاتِلُونَ، بِمَنْزِلَةِ الرَّمْيِ بِالسَّهْمِ لِإِصَابَةِ النُّفُوسِ. وَلَا يُقَالُ إنَّهُمْ يَرْمُونَ فِي مَنْعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُمْ جِهَادًا، لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي مَنْعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالرَّمْيَةُ وَقَعَتْ فِي مَنْعَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ. فَإِنْ قِيلَ: فَفِي حَفْرِ النَّهْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُ، يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى. لِأَنَّ الْمَاءَ يَسِيلُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يُغْرِقَهُمْ فِي مَنْعَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ مَا يُرْمَى مِنْ الْمَنْجَنِيقِ يَذْهَبُ حَتَّى يُخَرِّبَ وَيَقْتُلَ فِي مَنْعَتِهِمْ. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّ الْمَنْجَنِيقَ وَالسَّهْمَ عَمَلُ الْقَوْمِ بِأَيْدِيهِمْ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا يَحْصُلُ يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ بِالْمُبَاشَرَةِ. وَأَمَّا الْغَرَقُ فَلَا يَصِيرُ مُضَافًا إلَى
[ ٨٧٨ ]
حَافِرِ النَّهْرِ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَإِنَّمَا عَمَلُهُمْ هُنَاكَ الْحَفْرُ فَقَطْ. وَتَبَيُّنُ هَذَا الْفَرْقِ فِي فِعْلٍ هُوَ جِنَايَةٌ. فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَرَمَى سَهْمًا وَرَمَى سَهْمًا إلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ كَانَ قَاتِلًا لَهُ مُبَاشَرَةً مُسْتَوْجِبًا لِلْقِصَاصِ. وَبِمِثْلِهِ مَنْ حَفَرَ نَهْرًا فِي مِلْكِهِ فَغَلَبَهُ الْمَاءُ وَانْبَثَقَ عَلَى أَرْضِ جَارٍ لَهُ فَغَرَقَ الزَّرْعُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَافِرِ فِي ذَلِكَ ضَمَانٌ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْفَرْقُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٨٧٩ ]