٢٩ - بَابٌ مِنْ الْجَعَائِلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ -: تُكْرَهُ الْجَعَائِلُ مَا دَامَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَوِّيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] وَحَقُّ الْجِهَادِ أَنْ يُجَاهَدَ بِالْمَالِ أَوْ النَّفْسِ. فَإِذَا كَانَ الَّذِي يَخْرُجُ صَاحِبَ مَالٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِهِ جُعْلًا فِي عَمَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ. لِيَكُونَ هُوَ مُجَاهِدًا بِنَفْسِهِ وَصَاحِبُ الْمَالِ مُجَاهِدًا بِمَالِهِ.
١٣٤ - كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ يُغْزِي الْعَزَبَ عَنْ ذِي الْحَلِيلَةِ، وَكَانَ يُعْطِي (٤٢ ب) لِلْغَازِي فَرَسَ الْقَاعِدِ.
١٣٥ - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجَعَائِلِ فَقَالَ: مَنْ جَعَلَهُ فِي كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
[ ١٣٨ ]
وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ إنَّمَا أُعْطِيَ الْمَالَ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ مُجَاهِدًا بِمَالِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ وَيَتَفَضَّلُ لِنَفْسِهِ.
- كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ - ﵁ - عَنْ الرَّجُلِ يَجْعَلُ الْجُعَلَ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُجْعَلُ أَقَلَّ مِمَّا اجْتَعَلَ. قَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ أَرَادَ الْفَضْلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ أَنْ يَحْبِسَ الْفَصْلَ لِيَصْرِفَهُ عَلَى حَوَائِجِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَيَرُدُّ مَا فَضَلَ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إذَا رَجَعَ. بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ إذَا رَجَعَ بِفَضْلِ نَفَقَتِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّهُ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ الْفَضْلَ كَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْأُجْرَةِ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْجِهَادِ بَاطِلٌ.
- وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَهِّزَهُمْ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ النَّاسِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَكَّمَ عَلَى النَّاسِ بِمَا يَتَقَوَّى بِهِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْجِهَادِ. لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لَهُمْ، وَتَمَامُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - ضَرَبَ بَعْثًا عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَرَفَعَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ وَلَدِهِ فَقَالَا: لَا نَقْبَلُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَجْعَلُ مِنْ أَمْوَالِنَا لِلْغَازِي.
[ ١٣٩ ]
- وَذَكَرَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ مَثَلَ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَأْخُذُونَ الْجُعَلَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ كَمَثَلِ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا» . يَعْنِي أَنَّ الْغُزَاةَ يَعْمَلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] ثُمَّ يَأْخُذُونَ الْجُعَلَ مِنْ إخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَذَلِكَ لَهُمْ حَلَالٌ. كَمَا أَنَّ أُمَّ مُوسَى كَانَتْ تَعْمَلُ لِنَفْسِهَا فِي إرْضَاعِ وَلَدِهَا وَتَأْخُذُ الْأُجْرَةَ مِنْ فِرْعَوْنَ تَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْإِرْضَاعِ، وَكَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَهَا.
- قَالَ: وَإِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ رَجُلًا جُعْلًا عَلَى أَنْ يُسْلِمَ فَأَسْلَمَ فَهُوَ مُسْلِمٌ، لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ.
وَبِاشْتِرَاطِ الْجُعَلِ لَا يَتَمَكَّنُ خَلَلٌ فِي ذَلِكَ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، سَلَّمَ لَهُ الْجُعَلَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ رِضَاهُ بِدُونِ سَلَامَةِ الْجُعَلِ لَهُ: وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِسْلَامِ، كَمَنْ أَسْلَمَ مُكْرَهًا. وَلِلَّذِي شَرَطَ الْجُعَلَ أَنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ، وَإِنْ أَعْطَاهُ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ لَهُ ذَلِكَ. وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ وَخُلْفُ الْوَعْدِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُنَافِقِينَ إلَّا أَنَّ الَّذِي أَسْلَمَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فَلَا يُسْتَوْجَبُ الْجُعَلُ بِهِ عَلَى (٤٣ آ) غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا اُسْتُوْجِبَ الْجُعَلُ عَلَيْهِ عِوَضَ عَمَلِهِ لَهُ، وَالْمَالُ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ لَيْسَ بِعَامِلٍ لَهُ لِيَسْتَوْجِبَ عَلَيْهِ الْعِوَضَ. فَمَا وَعَدَ لَهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ رِشْوَةً أَوْ صِلَةً لِتَزْدَادَ بِهِ رَغْبَتُهُ فِي الْإِسْلَامِ. وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. فَإِذَا أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْجُعَلَ فَرَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ
[ ١٤٠ ]
اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً يَنْدَرِئُ بِهَا الْقَتْلُ، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْجُعْلِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ فَيَتِمُّ إسْلَامُهُ بِلَا شُبْهَةٍ، فَإِذَا ارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ.
- وَذَكَرَ عَنْ غَالِبِ بْنِ خَطَّافٍ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا بِبَابِ الْحَسَنِ فَأَتَانَا شَيْخٌ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَقَعَدَ، ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَوْمٍ إلَّا فَضَلَهُمْ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ وَإِنْ رَدُّوا» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبِدَايَةَ بِالسَّلَامِ أَفْضَلُ، وَأَنَّ ثَوَابَ الْمُبْتَدِئِ بِهِ أَكْثَرُ، لِأَنَّ الْجَوَابَ يُبْتَنَى عَلَى السَّلَامِ، وَالْبَادِئُ بِالسَّلَامِ هُوَ الْمُسَبِّبُ لِلْجَوَابِ، وَهُوَ الْبَادِئُ بِالْإِحْسَانِ، وَالرَّادُّ يُجَازَى إحْسَانُهُ بِالْإِحْسَانِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي «عَنْ جَدِّي أَنَّهُ جَعَلَ لِلْقَوْمِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا. فَبَعَثَنِي أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِأُخْبِرَهُ بِذَلِكَ وَأَسْأَلَ لَهُ الْعِرَافَةَ. فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْت: إنَّ أَبِي يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ. فَقَالَ: عَلَيْهِ وَعَلَيْك» . فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَّغَ غَيْرَهُ سَلَامًا مِنْ غَائِبٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّ ﵉، لِأَنَّ الْغَائِبَ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِالسَّلَامِ وَالرَّسُولَ بِالْإِيصَالِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَازِيَهُمَا
[ ١٤١ ]
قَالَ: فَقُلْت: وَإِنَّهُ جَعَلَ لِلْقَوْمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَقَدْ أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ، أَفَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَاهُمْ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ، فَإِنْ ثَبَتُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ فَذَلِكَ وَإِلَّا بَعَثْنَا إلَيْهِمْ الْخَيْلَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَالَ الَّذِي شَرَطَهُ لَهُمْ صِلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَأَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ مَا لَمْ يُعَوَّضْ مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُرَغِّبَ غَيْرَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِهَذَا الطَّرِيقِ. أَلَا تَرَى أَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ؟ وَقَدْ كَانُوا يُعْطُونَ ذَلِكَ لِلتَّأْلِيفِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا وَعَدُوا أَنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا ارْتَدُّوا بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا عَلَى شَرْطِ الْجُعْلِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «بَعَثْنَا إلَيْهِمْ الْخَيْلَ» أَيْ لِلْقِتَالِ. «قَالَ: وَأَمَرَنِي أَنْ أَسْأَلَك لَهُ الْعِرَافَةَ. قَالَ: إنْ شَاءَ، وَلَكِنَّ الْعَرْفَاءَ فِي النَّارِ» (٤٣ ب)، أَيْ لَا أَمْنَعُهُ مَا سَأَلَ، وَلَكِنْ أَخْبِرْهُ أَنَّهُ لَا خَيْرَ لَهُ فِيمَا سَأَلَ. وَالْعِرَافَةُ: هِيَ الرِّئَاسَةُ، وَالْعَرِيفُ: هُوَ الْوَازِعُ. قَالَ - ﷺ -: «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ وَازِعٍ، وَالْوَازِعُ فِي النَّارِ» يَعْنِي أَنَّهُ يَظْلِمُهُمْ وَيَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ إذَا تَرَأَّسَ غَالِبًا، وَمَأْوَى الظَّالِمِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ النَّارُ. فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ.
- قَالَ: وَإِنْ أَعْطَى رَجُلٌ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا مَالًا عَلَى قَتْلِ حَرْبِيٍّ
[ ١٤٢ ]
فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأُحِبُّ لِلَّذِي أَعْطَاهُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْحَرْبِيِّ جِهَادٌ، فَمَنْ يُبَاشِرُهُ يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ أَوْ عَامِلًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي إعْزَازِ الدِّينِ أَوْ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَفْعِ فِتْنَةِ الْمُحَارِبِ عَنْهُمْ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى الَّذِي وَعَدَ لَهُ الْمَالَ، لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ، وَلَكِنْ إنْ وَفَى بِمَا وَعَدَ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ، فَهُوَ أَفْضَلُ. وَإِنْ أَبِي لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.
- ثُمَّ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِيَاسِينَ بْنِ وَهْبٍ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ: أَلَا تَرَى إلَى مَا هَمَّ بِهِ ابْنُ عَمِّك مِنْ قَتْلِي؟ فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ وَجَعَلَ لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: جَعَلَ لَهُ خَمْسَةَ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ. وَهَذَا الْمَقْتُولُ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ» . وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ مَا أَعْطَاهُ كَانَ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَا مَحَالَةَ.
[ ١٤٣ ]
- قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ لَهُ، لِأَنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْقَاتِلُ مِنْ وَجْهٍ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِمَا وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
[ ١٤٤ ]