- وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ فَلَهُ ثَوْبٌ فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَجْنَاسِ فَلَهُ عُشْرُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا.
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ بِالتَّنْفِيلِ عُشْرَ مَا يَأْتِي بِهِ.
فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ فَلَهُ ثَوْبٌ مِنْهَا. وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ كَلَامِهِ إلَّا هَذَا. فَإِنَّ إيجَابَ الثَّوْبِ مُطْلَقًا لَا يَصِحُّ فِي شَيْءِ مِنْ الْعُقُودِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ ثُمَّ لَبِسَ بَعْضَ الْأَثْوَابِ بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُ نَفْلًا بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. وَالثِّيَابُ إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ لَا تُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً. فَلِهَذَا كَانَ لَهُ عُشْرُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا. .
- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ مِنْ الدَّوَابِّ فَلَهُ دَابَّةٌ.
لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَاسَ الْمُخْتَلِفَةَ كَالثِّيَابِ.
- وَلَوْ جَاءَ بِالْكُلِّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَسَطٌ.
لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ مُحْتَمِلٌ لِلْقِسْمَةِ. وَعَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يُرَاعِي النَّظَرَ لِلْغَانِمِينَ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ. وَتَمَامُ النَّظَرِ فِي أَنْ يُعْطِيَهُ الْوَسَطَ مِمَّا جَاءَ بِهِ. .
[ ٨١٢ ]
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِدَابَّةٍ فَلَهُ ثُلُثُهَا. فَجَاءَ بِبَقَرَةٍ أَوْ جَامُوسٍ أَوْ بَعِيرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
لِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْحِمَارَ وَالْفَرَسَ وَالْبَغْلَ اسْتِحْسَانًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً لَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ غَيْرَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ؟ وَحَقِيقَةُ اللَّفْظِ. هَا هُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِلَا شُبْهَةٍ. فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ: لَوْ جَاءَ بِجَارِيَةٍ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ مِنْهَا. وَاسْمُ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُهَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُبْنَى هَذَا عَلَى مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ.
- فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِي مَوْضِعِ دَوَابِّهِمْ الْجَوَامِيسِ أَوْ الْبَقَرِ إيَّاهَا يَرْكَبُونَ وَإِيَّاهَا يُسَمُّونَ الدَّوَابَّ فَهُوَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ.
فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَالدَّوَابُّ هِيَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ. .
- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَصَابَ جَزُورَةً فَهِيَ لَهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِجَزُورٍ أَوْ بَقَرَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَإِنْ جَاءَ بِشَاةٍ مَاعِزٍ أَوْ ضَأْنٍ فَهِيَ لَهُ.
لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي كُلِّ مَا يُجْزَرُ، لَكِنَّ النَّاسَ اعْتَادُوا اسْتِعْمَالَهُ فِي الْغَنَمِ خَاصَّةً. فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: " أَجْزِرْنِي مِنْ نَعَمِك " فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ سُؤَالُ الشَّاةِ دُونَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ. .
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِجَزُورٍ فَهُوَ لَهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهَذَا اللَّفْظِ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْإِبِلَ خَاصَّةً. وَإِنْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُجْزَرُ وَلَكِنَّ اسْمَ الْجَزُورِ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْإِبِلِ.
[ ٨١٣ ]
ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ إذَا جَاءَ بِبَعِيرٍ قَدْ رُكِبَ أَوْ نَاقَةٍ قَدْ رُكِبَتْ لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهَا شَيْئًا. ٩٨.
لِأَنَّ الْجَزُورَ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ مُعَدًّا مِنْ هَذَا النَّوْعِ لِلْكَرِّ دُونَ الرُّكُوبِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُرْكَبَ. فَأَمَّا مَا رُكِبَ فَهُوَ لَا يُنْحَرُ لِلْأَكْلِ عَادَةً بَعْدً ذَلِكَ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ النَّفَلُ إذَا جَاءَ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
لِأَنَّ الِاسْمَ يُطْلَقُ اسْتِعْمَالًا عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْعُرْفِ. .
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِبَعِيرٍ أَوْ جَمَلٍ فَهُوَ لَهُ، فَجَاءَ بِبُخْتِيٍّ فَهُوَ لَهُ
لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِبُخْتِيٍّ أَوْ بُخْتِيَّةٍ، فَجَاءَ بِجَمَلٍ عَرَبِيٍّ أَوْ نَاقَةٍ.
لِأَنَّ الْبُخْتِيَّ اسْمٌ خَاصٌّ لِجَمَالِ الْعَجَمِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْعَرَبِيَّ.
كَمَا أَنَّ اسْمَ الْعَجَمِيِّ فِي التَّنْفِيلِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَرَبِيَّ، وَاسْمُ الْبُخْتِيِّ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. كَمَا أَنَّ اسْمَ الْجَمَلِ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ الْإِبِلِ الْعَرَبِيِّ.
وَاسْمُ الْبَقَرِ فِي التَّنْفِيلِ لَا يَتَنَاوَلُ الْجَامُوسَ. فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُكَمَّلُ نَصَّابُ الْبَقَرِ بِهِ فِي الزَّكَاةِ، وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ قَوْلَهُ - ﵊ - «فِي ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ» . لَكِنَّهُ اعْتَبَرَ الْعُرْفَ.
وَفِي الْعُرْفِ يَنْفِي عَنْ الْجَامُوسِ اسْمَ الْبَقَرِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ إلَّا مُقَيَّدًا كَمَا يُقَالُ بِالْفَارِسِيَّةِ كاؤميش بِخِلَافِ اسْمِ الْبَعِيرِ وَالْجَمَلِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْبُخْتِيِّ فِي كُلِّ لِسَانٍ. .
[ ٨١٤ ]
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِشَاةٍ فَهِيَ لَهُ. فَلِذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مَعْزًا كَانَ أَوْ ضَانًّا. وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ الْمَاعِزُ.
لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِاسْمٍ آخَرِ. وَيَنْفِي عَنْهُ اسْمَ الشَّاةِ كَمَا فِي الْجَامُوسِ. وَلَكِنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ يُخْلَطُ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ عَادَةً. وَيُعَدُّ الْكُلُّ شَيْئًا وَاحِدًا، فَيُطْلَقُ اسْمُ الشَّاةِ وَالْغَنَمِ عَلَى الْكُلِّ. وَهَذَا الْوَجْهُ بِخِلَافِ الْجَوَامِيسِ.
وَاسْمُ الْكَبْشِ وَالتَّيْسِ لَا يَتَنَاوَلُ النَّعْجَةَ لِأَنَّهُ اسْمُ نَوْعٍ خَاصٍّ. وَاسْمُ الدَّجَاجِ يَتَنَاوَلُ الدِّيكَ وَالدَّجَاجَةَ جَمِيعًا.
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ لَبِيدٍ
بَاكَرَتْ حَاجَتَهَا الدَّجَاجَ بِسَحَرَةٍ لِأُعَلَّ مِنْهَا حِينَ هَبَّ نِيَامُهَا
وَقَالَ آخَرُ:
لَمَّا مَرَرْت بِدَيْرِ الْهِنْدِ أَرَّقَنِي صَوْتُ الدَّجَاجِ وَضَرْبٌ بِالنَّوَاقِيسِ
فَأَمَّا اسْمُ الدَّجَاجَةِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الدِّيكَ. وَاسْمُ الدِّيكِ لَا يَتَنَاوَلُ الدَّجَاجَةَ أَيْضًا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي أَيْمَانِ الْجَامِعِ فِيمَا إذَا قَالَ: لَا آكُلَ لَحْمَ دَجَاجٍ.
فَأَكَلَ لَحْمَ دِيكٍ حَنِثَ وَلَوْ عَقَدَ الْيَمِينَ بِاسْمِ الدَّجَاجَةِ لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ عَقَدَ الْيَمِينَ بِاسْمِ الدِّيكِ لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ دَجَاجَةً. فَحُكْمُ التَّنْفِيلِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ قِيَاسِ الْيَمِينِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٨١٥ ]