- وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ دَلَّنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ الرَّقِيقِ فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ بِكَلَامٍ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ. فَذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَجَاءُوا بِالرَّقِيقِ كَمَا قَالَ. فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ النَّفْلِ. .
وَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَسْتَحِقَّ النَّفَلَ.
لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ الدَّلَالَةَ وَقَدْ فَعَلَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الصَّيْدِ مِنْ الْمُحَرَّمِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ؟ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:.
١٣٥٦ - اسْتِحْقَاقُ النَّفْلِ يَكُونُ بِالْعَمَلِ لَا بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ. وَالْمَقْصُودُ بِهِ التَّحْرِيضُ. وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّحْرِيضُ عَلَى عَمَلٍ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ. وَبِمُجَرَّدِ وَصْفِ الْمَوْضِعِ بِكَلَامِهِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ الْعَمَلُ إذَا لَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ، فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ.
[ ٧٧٠ ]
وَلَوْ آمَنُوا حَرْبِيًّا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى مِثْلِهِ، فَدَلَّهُمْ بِكَلَامِهِ فَهُوَ دَالٌ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ فِي مَنْزِلَةٍ بِالْكُوفَةِ أَوْ الشَّامِ فَقَالَ: إنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى عَشْرَةِ أَرْؤُسٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ قَدْ مَرَرْت بِهِمْ أَتَجْعَلُونَ لِي رَأْسًا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَدَلَّهُمْ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ، أَكَانَ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ؟ فَكَذَلِكَ إنْ دَلَّهُمْ وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ شَرِيكُهُمْ بِسَهْمٍ فِي الْغَنِيمَةِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا ذَهَبَ مَعَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ شَرِيكُهُمْ بِسَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ، بِمَنْزِلَةٍ مَا لَوْ لَمْ تَسْبِقْ الدَّلَالَةُ وَالتَّنْفِيلُ.
وَلَوْ ذَهَبَ مَعَهُمْ حَتَّى دَلَّهُمْ عَلَى عَشْرَةِ أَرْؤُسٍ فَلَهُ مِنْهُمْ رَأْسٌ. .
لِأَنَّهُ بَاشَرَ عَمَلًا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ النَّفَلَ بِهِ وَهُوَ الذَّهَابُ. وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ رَأْسًا وَسَطًا.
- وَكَذَلِكَ لَوْ دَلَّ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَهُ مِنْ كُلِّ عَشْرَةٍ رَأْسٌ وَسَطٌ. وَلَوْ دَلَّهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ كَانَ لَهُ نِصْفُ وَاحِدٍ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ.
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ بِمُقَابِلَةِ عَمَلٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: مَنْ جَاءَ بِعَشْرَةِ أَرْؤُسٍ (ص ٢٥٩) فَلَهُ رَأْسٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ. .
- وَلَوْ أَسَرَ الْأَمِيرُ أُسَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَالَ: مَنْ
[ ٧٧١ ]
دَلَّنَا مِنْكُمْ عَلَى عَشْرَةِ أَرْؤُسٍ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ بِكَلَامٍ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الْأَمْرَ كَمَا وَصَفَ لَهُمْ، فَهُوَ حُرٌّ. .
لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ عِتْقِهِ بِالشَّرْطِ، فَيُرَاعَى وُجُودُ الشَّرْطِ فِيهِ حَقِيقَةً. وَبِالدَّلَالَةِ بِالْوَصْفِ يَتِمُّ الشَّرْطُ حَقِيقَةً. وَهَذَا لِأَنَّ الْإِمَامَ مَا أَوْجَبَ لَهُ هُنَا شَيْئًا لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِعَمَلٍ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى تَرْكِ حَقِيقَةَ الدَّلَالَةِ هُنَا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ هُنَاكَ نَفْلًا لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِالْعَمَلِ. فَلِأَجَلِهِ تَرَكْنَا حَقِيقَةَ لَفْظِ الدَّلَالَةِ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْمَجَازِ.
- ثُمَّ لَا يُتْرَكُ هَذَا الْأَسِيرُ يَرْجِعُ إلَى دَارِهِ، وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى دَارِنَا لِيَكُونَ ذِمَّةً لَنَا.
لِأَنَّهُ بِالْأَسْرِ قَدْ اُحْتُبِسَ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ لَهُ بِالدَّلَالَةِ الْحُرِّيَّةَ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ التَّمَكُّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِهِ.
- وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ إنْ ذَهَبَ مَعَهُمْ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ إلَّا أَنْ يَقُولَ: إنْ دَلَلْتُكُمْ فَأَنَا حُرٌّ وَتَدَعُونِي أَرْجِعُ إلَى بِلَادِي. فَحِينَئِذٍ يُوَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ، وَيُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ إنْ أَحَبَّ.
لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ صُلْحٍ جَرَى بَيْنَ الْإِمَامِ وَبَيْنَهُ. وَفِي الصُّلْحِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ.
- إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَظٌّ لِلْمُسْلِمِينَ.
[ ٧٧٢ ]
لِأَنَّهُ نُصِبَ نَاظِرًا، فَلَا يَدَعْ الْأَسِيرَ لِيَعُودَ حَرْبًا لَنَا إلَّا بِمَنْفَعَةٍ عَظِيمَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ. .
نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: أَدُلّكُمْ عَلَى مِائَةٍ مِنْ بِطَارِقَتِهِمْ، فَذَرُونِي أَرْجِعُ إلَى بِلَادِي. فَيُعْلَمُ أَنَّ حَظَّ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ حَظِّهِمْ فِي أَسْرِهِ. فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِإِجَابَتِهِ إلَى ذَلِكَ. وَإِنْ دَلَّهُمْ الْأَسِيرُ عَلَى تِسْعَةٍ وَذَهَبَ مَعَهُمْ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ رَقَبَتِهِ. .
لِأَنَّ عِتْقَهُ هُنَا بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ يُقَابِلُ الْمَشْرُوطَ جُمْلَةً. فَمَا لَمْ يَأْتِ بِكَمَالِ الشَّرْطِ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ. أَوْ هَذَا صُلْحٌ مِنْ رَقَبَتِهِ عَلَى شَرْطٍ الْتَزَمَهُ، فَمَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِكَمَالِهِ لَمْ يَتِّمْ الصُّلْحُ وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِمَّا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ. فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِلنَّفْلِ كَانَ بِاعْتِبَارِ عَمَلٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. فَبِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِعَمَلِهِ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ. .
- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لِلْأَسِيرِ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى عَشَرَةٍ فَأَنْتَ آمِنٌ مِنْ أَنْ نَقْتُلَك. فَدَلَّ عَلَى تِسْعَةٍ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ. .
لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْأَمَانَ لَهُ بِالشَّرْطِ، فَمَا لَمْ يَتِمَّ الشَّرْطُ لَا يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ. .
- وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ حِصْنٍ نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ قَالُوا: إنْ دَلَلْنَاكُمْ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ الْبَطَارِقَةِ أَتُؤَمِّنُونَا وَتَرْجِعُونَ عَنَّا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَدَلْوهمْ عَلَى خَمْسَةٍ أَوْ عَلَى تِسْعَةٍ، فَلَيْسُوا بِآمَنِينَ. وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُمْ.
لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَتِمَّ، فَلَا يَنْزِلُ شَيْءٌ مِنْ الْجَزَاءِ.
[ ٧٧٣ ]
- وَلَوْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: نُعْطِيكُمْ مِائَةً مِنْ الرُّءُوسِ، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونَا وَتَرْجِعُوا عَنَّا عَامَكُمْ هَذَا. ثُمَّ أَعْطَوْا بَعْضَ الْمَالِ، فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ. .
لِأَنَّ الْأَمَانَ تَعَلَّقَ بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ، فَلَا يَثْبُتُ بِأَدَاءِ بَعْضِ الْمَالِ. .
وَلَكِنْ إنْ أَرَادُوا قِتَالَهُمْ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا، ثُمَّ يُنَابَذُوهُمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ. فَإِنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْا مَا لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْعِ عَنْ نُفُوسِهِمْ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ الدَّلَالَة عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ الْبَطَارِقَةِ. فَإِنَّهُ هُنَاكَ إنْ دَلُّوا عَلَى بَعْضِهِمْ فَلَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ. .
لِأَنَّا مَا تَمَلَّكْنَا عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ بِمُقَابِلَةِ مَا وَعَدْنَا لَهُمْ مِنْ الْأَمَانِ. وَلَوْ قَاتَلْنَاهُمْ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ لَا يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ بِطَرِيقِ إهْدَارِ مُلْكِهِمْ. وَهَا هُنَا تَمَلَّكْنَا الْمَالَ بِمُقَابِلَةِ مَا شَرْطنَا لَهُمْ، فَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مَنْفَعَةُ الْأَمَانِ بِهِ.
- وَإِنْ أَبَى الْإِمَامُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ (ص ٢٦٠) فَلْيَرْجِعْ عَنْهُمْ وَلَا يُقَاتِلْهُمْ، إظْهَارًا لِلْمُسَامَحَةِ وَإِتْمَامًا لِلْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ. وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُ السَّبْيِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ ثُمَّ أَرَدْنَا قِتَالَهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْيِ وَقِيمَةِ مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّدِّ دَفْعُ الضَّرَرِ وَالْخَسْرَانِ عَنْهُمْ، وَالتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ.
وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِرَدِّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، كَمَا يَحْصُلُ بِرَدِّ الْعَيْنِ. .
[ ٧٧٤ ]
- وَلَوْ صَالَحُوهُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ سَنَتَهُمْ هَذِهِ وَيَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ، ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ النَّظَرَ لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ فَلْيَرُدُّوا الْمَالَ ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ. .
لِأَنَّهُ مَعَ بَقَائِهِمْ حَرْبًا لَنَا لَا يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ لِإِعْزَازِ الدَّيْنِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْغَدْرُ. وَبِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ، وَهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ، يَنْتَفِي مَعْنَى الْغَدْرِ، وَلَكِنَّ الْمَالَ مَأْخُوذٌ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ. فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ الْمَشْرُوطُ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ. بِمَنْزِلَةِ الْعِوَضِ يَجِبُ رَدُّهُ إذَا لَمْ يَسْلَمْ الْمُعَوَّضُ.
-. فَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ السَّبْيُ فَلْيَرُدَّ عَلَيْهِمْ قِيمَتَهُمْ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا. .
لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْحَرْبِيِّ لَا يَحِلُّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُمْ بِالْهَلَاكِ.
- وَلَوْ كَانُوا لَمْ يَقْبِضُوا مِنْهُمْ الْمَالَ حَتَّى بَدَا لَهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. .
لِأَنَّهُمْ يَخْتَارُونَ مَا فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْحَالُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ يَتَبَدَّلُ سَاعَةً فَسَاعَةً. فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّظَرُ فِي الِابْتِدَاءِ فِي الْقِتَالِ لَمْ يَمِيلُوا إلَى الصُّلْحِ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ النَّظَرُ فِي الْقِتَالِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الصُّلْحَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَادَعَهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِهِمْ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ لِأَنَّهُ رَأَى بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ. .
- وَلَوْ وَادَعَهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ مِائَةً مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ
[ ٧٧٥ ]
لِيَرْجِعُوا عَنْهُمْ عَامَهُمْ هَذَا فَأَعْطَوْهُمْ تِسْعِينَ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ وَقِتَالِهِمْ، لِانْعِدَامِ تَمَامِ الشَّرْطِ الَّذِي عُلِّقَ الْأَمَانُ بِهِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْمَأْخُوذِ. .
لِأَنَّ الْأَحْرَارَ مِنْ الْأُسَرَاءِ مَا كَانُوا فِي مُلْكِهِمْ قَطُّ، وَلَا تَمَلَّكْنَاهُمْ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ، فَلَا يَكُونُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الرَّدِّ مَعْنَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَإِنَّمَا فِيهِ كَفٌّ عَنْ الظُّلْمِ.
-. وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَوْا ذَلِكَ مِنْ مُدْبِرِينَ، أَوْ مُكَاتِبِينَ، أَوْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ كَانُوا لِلْمُسْلِمِينَ أَسْرَى فِي أَيْدِيهِمْ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَلَّكُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْعِتْقِ فِي الْمَحَلِّ، كَثُبُوتِ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ. وَلَكِنَّا نَرُدُّهُمْ عَلَى مَوَالِيهِمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
- وَإِنْ أَعْطَوْا ذَلِكَ مِنْ عَبِيدِ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَسْرَى فِي أَيْدِيهِمْ رُدَّ عَلَيْهِمْ قِيمَتُهُمْ. .
لِأَنَّهُمْ كَانُوا تَمَلَّكُوا الْعَبِيدَ بِالْإِحْرَازِ، ثُمَّ تَمَلَّكْنَا عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ. فَيَجِبُ رَدُّهُمْ إذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ الْمَشْرُوطُ. وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ رَدُّ عَيْنِهِمْ لِإِسْلَامِهِمْ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِمْ.
- وَإِنْ رَدُّوا الْمِائَةَ كَمَا شَرَطُوا مِمَّنْ لَا يَمْلِكُونَهُمْ مِنْ الْأُسَرَاءِ فَلِلْأَمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ بَعْدَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّا لَمْ نَتَمَلَّكْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا كَانُوا يَمْلِكُونَهُ.
[ ٧٧٦ ]
وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ. .
كَمَا وُفُّوا لَهُ بِالْمَشْرُوطِ، لِيَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ. فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرْكَنُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، بِنَاءً عَلَى مَا عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا غَدْرٌ فِي تَخْلِيصِ الْأَسَارَى مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَدْرًا فِي الْحَقِيقَةِ.
- وَإِنْ انْصَرَفَ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا أَخَذَ الْمَشْرُوطَ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا خَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُدَبَّرِينَ رَدَّهُمْ عَلَى الْمَوَالِي بِغَيْرِ قِيمَةٍ، وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا فَإِنْ وَجَدَهُمْ الْمَوَالِيَ قَبْلَ (ص ٢٦١) الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ أَخَذُوهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ أَخَذُوهُمْ بِالْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ إنْ أَحَبُّوا. .
لِأَنَّ التَّمْلِيكَ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ بِمَنْزِلَةِ التَّمَلُّكِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَأْخُوذَ فَيْءٌ يَجِبُ قِسْمَتُهُ بَيْنَهُمْ فِي الْوَجْهَيْنِ. .
- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِلْأُسَرَاءِ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ الْمُقَاتِلَة فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ أَسِيرٌ عَلَى عَشَرَةٍ مُمْتَنِعِينَ فِي قَلْعَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ حُرًّا. .
لِأَنَّا عِلْمنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَقْصُودَ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُ دَلَالَةً فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَحْصُلْ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَشْرَةٌ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَالْمُقَاتِلُ مَنْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا.
قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّ مَقْصُودَهُ دَلَالَةٌ يَسْتَفِيدُ بِهَا عِلْمًا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا لَهُ
[ ٧٧٧ ]
قَبْلَ الدَّلَالَةِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ، فَكَمْ مِنْ عَشَرَةٍ مُقَاتِلَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ يَعْلَمُهُمْ الْأَمِيرُ وَالْمُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَعَرَفْنَا بِهَذَا أَنَّ مُرَادَهُ الدَّلَالَةُ عَلَى عَشَرَةٍ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَخْذِهِمْ.
- فَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى عَشَرَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعِينَ إلَّا أَنَّهُمْ دَرَوْا بِهِمْ فَهَرَبُوا، فَإِنْ كَانُوا هَرَبُوا قَبْلَ وُصُولِ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَوْضِعٍ يَقْدِرُونَ عَلَى أَخْذِهِمْ فَلَيْسَتْ هَذِهِ أَيْضًا بِدَلَالَةِ. .
لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَخْذِ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا.
- وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَدَرُوا عَلَى أَخْذِهِمْ فَفَرَّطُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى هَرَبُوا فَالْأَسِيرُ حُرٌّ. .
لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلَالَةِ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ فَالتَّفْرِيطُ الَّذِي يَكُونُ مِنَّا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ.
- وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي مَوْضِعٍ فَقَاتَلُوا حَتَّى نَجَوَا فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ. .
لِأَنَّهُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى قَوْمٍ مُمْتَنِعِينَ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُمْ بِقُوَّةِ أَنْفُسِهِمْ أَوْ بِحِصْنٍ كَانُوا فِيهِ. .
إلَّا أَنْ يَكُونُوا إنَّمَا نَجَوْا لِتَفْرِيطٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَخْذِهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلدَّالِ مَا شُرِطَ لَهُ. .
[ ٧٧٨ ]
- وَإِنْ قَاتَلَ الْعَشَرَةُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ ثُمَّ ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ فَالْأَسِيرُ حُرٌّ. .
لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَمَكَّنُوا مِنْ أَخْذِهِمْ وَأَسْرِهِمْ بِدَلَالَتِهِ.
- وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَسْرِهِمْ وَلَكِنْ قَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةِ. لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَسْرِ لَمْ يَحْصُلْ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ.
وَهَذَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْعَشَرَةِ كَانُوا يَجِدُونَهُمْ قَبْلَ دَلَالَتِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّلَالَةِ غَيْرُ هَذَا.
- وَلَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ وَاحِدًا وَظَفَرُوا بِالْبَقِيَّةِ، فَإِنْ كَانُوا قَتَلُوا ذَلِكَ الْوَاحِدَ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ لَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ حُرًّا. .
لِأَنَّ التَّمَكُّنَ إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَالْبَاقُونَ بَعْدَ قَتْلِهِ تِسْعَةٌ. فَكَأَنَّهُ دَلَّهُمْ ابْتِدَاءً عَلَى تِسْعَةِ نَفَرٍ. .
وَإِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ بَعْدَ مَا ظَفَرُوا بِالْعَشَرَةِ فَهُوَ حُرٌّ. .
لِأَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا بِدَلَالَتِهِ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ.
- وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا قَتَلُوا بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ظَفَرُوا بِهِمْ أَحْيَاءً. .
لِأَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا مِنْ أَسْرِ الْعَشَرَةِ بِدَلَالَتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ جَهْدٍ وَقِتَالٍ.
[ ٧٧٩ ]
١٣٨٢ - فَإِنْ انْتَهَى إلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَا سِلَاحَ عَلَيْهِمْ، فَفَرَّطُوا فِي أَخْذِهِمْ حَتَّى تَسَلَّحُوا أَوْ امْتَنَعُوا فَالْأَسِيرُ حُرٌّ. .
لِأَنَّهُ مَكَّنَهُمْ بِالدَّلَالَةِ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ، وَإِنَّمَا جَاءَ التَّقْصِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
- وَلَوْ كَانَ الْأَسِير قَالَ: أَدُلّكُمْ عَلَى عَشَرَةٍ عَلَى أَنِّي إنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِمْ فَامْتَنَعُوا أَوْ لَمْ يَمْتَنِعُوا فَأَنَا حُرٌّ. فَرَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَهُوَ حُرٌّ، إذَا دَلَّ عَلَيْهِمْ وَإِنْ امْتَنَعُوا لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ بِالشَّرْطِ نَصًّا. وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ دَلَالَةُ الْحَالِ وَالْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّنْصِيصُ بِخِلَافِهِ. .
- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِلْأُسَرَاءِ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى حِصْنِ كَذَا أَوْ عَلَى عَسْكَرِ فُلَانٍ الْبِطْرِيقِ، أَوْ عَلَى عَسْكَرِ الْمِلْكِ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ ثُمَّ لَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ فَالْأَسِيرُ حُرٌّ (ص ٢٦٢) .
لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلَالَةِ. وَالْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ عَلَى قَوْمٍ مُمْتَنِعِينَ هُنَا وَقَدْ أَتَى بِهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ الدَّلَالَةُ عَلَى عَشَرَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ السَّبْيِ مِنْ نِسَاءٍ أَوْ صِبْيَانٍ فَهُوَ حُرٌّ، فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ جُنْدٍ يَمْنَعُونَهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ؟ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُرَادَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ مُطْلَقُ الْكَلَامِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ. .
- وَلَوْ تَحَيَّرَ الْأَمِيرُ فِي رُجُوعِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: مَنْ دَلَّنَا مِنْكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَهُ رَأْسٌ، أَوْ قَالَ: فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ
[ ٧٨٠ ]
فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ بِوَصْفٍ ذَكَرَهُ، فَمَضَوْا عَلَى دَلَالَتِهِ حَتَّى أَصَابُوا الطَّرِيقَ وَلَمْ يَذْهَبْ هُوَ مَعَهُمْ، فَلَا شَيْءَ لَهُ. .
لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْأُجْرَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْفِيلِ. إذْ التَّنْفِيلُ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لَا يَجُوزُ. وَإِرْشَادُ الْمُتَحَيِّرِ إلَى الطَّرِيقِ لَيْسَ مِنْ الْجِهَادِ لِيَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ النَّفَلَ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إجَارَةٌ. وَاسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ بِعَمَلٍ لَا بِقَوْلٍ. فَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إذَا لَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ.
- وَإِنْ ذَهَبَ مَعَهُمْ حَتَّى دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي ذَهَابِهِ مَعَهُمْ. لِأَنَّهُ أَتَى بِالْعَمَلِ بِحُكْمِ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ. فَإِنَّ الْمَقْصُودَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا حِينَ لَمْ يُتَبَيَّنْ إلَى أَيِّ مَوْضِعِ يَذْهَبُ مَعَهُمْ. وَرُبَّمَا يُوَصِّلُهُمْ إلَى الطَّرِيقِ بِعَشْرَةِ خُطًى، وَرُبَّمَا لَا يُوَصِّلُهُمْ إلَّا بِمَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَجَهَالَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تُفْسِدُ الْعَقْدَ.
- ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ أَجْرَ الْمِثْلِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مِائَةً، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مَعْلُومًا. وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ رَأْسًا مِنْ السَّبْيِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الرَّأْسِ مُطْلَقًا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ لَا يَكُونُ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً. وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يُجَاوِزُهُ الْمُسَمَّى لِتَمَامِ الرِّضَا بِهِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمِائَةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِي الرَّأْسِ، لِأَنَّ الرُّءُوسَ تَتَفَاضَلُ فِي الْمَالِيَّةِ. .
[ ٧٨١ ]
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى يَبْلُغَ بِنَا مَوْضِعَ كَذَا فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ فَلَهُ هَذَا الرَّأْسُ بِعَيْنِهِ. فَذَهَبَ رَجُلٌ مَعَهُمْ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَهُ الْمُسَمَّى. .
لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ هُنَا، وَالْبَدَلَ مَعْلُومٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُخَاطَبُ بِالْعَقْدِ مَجْهُولٌ فَكَيْفَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ صَحِيحًا؟ قُلْنَا: إنَّمَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ حِينَ يَأْخُذُ فِي الذَّهَابِ مَعَهُمْ، وَيَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِحَسَبِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْعَمَلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا جَهَالَةَ فِيهِ. .
- وَلَوْ لَمْ يَتَحَيَّرْ الْإِمَامُ وَلَكِنْ قَالَ: مَنْ سَاقَ هَذِهِ الْأَرْمَاكَ مِنْكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الطَّرِيقَ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ، اسْتَحَقُّوا أَجْرَ الْمِثْلِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمِائَةَ. .
لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ مَجْهُولٌ لِجَهَالَةِ الْمَسَافَةِ.
- وَلَوْ كَانَ قَالَ: إلَى مَوْضِعِ كَذَا. فَلَهُمْ الْمُسَمَّى.
لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ وَالْبَدَلُ مَعْلُومٌ.
- وَإِنْ خَاطَبَ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ فَسَمِعَ قَوْمٌ آخَرُونَ فَسَاقُوهُمْ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.
لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ خَاطَبَهُمْ بِهِ، فَغَيْرُهُمْ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي إقَامَةِ الْعَمَلِ.
[ ٧٨٢ ]
- وَلَوْ نَادَى بِذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَسَاقَهَا قَوْمٌ سَمِعُوا النِّدَاءَ فَلَهُمْ الْأَجْرُ. .
لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا الْعَمَلَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ.
- وَلَوْ سَاقَهَا قَوْمٌ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا الْعَمَلَ مُتَطَوِّعِينَ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ حِينَ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ هُنَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيلِ.
- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَتَحَيَّرَ. فَقَالَ لِأَسِيرٍ فِي يَدِهِ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى الطَّرِيقِ (ص ٢٦٣) فَلَكَ أَهْلُك وَوَلَدُك. فَدَلَّهُمْ بِصِفَةٍ أَوْ بِذَهَابٍ مَعَهُمْ حَتَّى أَوْقَفَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، كَانَ عَلَى حَالِهِ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ.
لِأَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الْجَزَاءِ، فَيَبْقَى هُوَ أَسِيرًا عَلَى حَالِهِ، وَإِذَا كَانَ هُوَ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ فَمَا يَكُونُ لَهُ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
- وَلَوْ كَانَ قَالَ: لَكَ نَفْسُكَ وَأَهْلُكَ وَوَلَدُكَ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ نَفْسَهُ جَزَاءً عَلَى دَلَالَتِهِ. وَقَدْ أَتَى بِهَا فَكَانَ حُرًّا، وَلَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ
إلَّا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْأَهْلِ هُنَا إلَّا زَوْجَتُهُ.
[ ٧٨٣ ]
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي فُصُولِ الْأَمَانِ. لِأَنَّهُمْ هُنَا قَدْ صَارُوا مَمْلُوكَيْنِ بِالْأَسْرِ فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُمْ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهَذَا الْيَقِينُ فِي زَوْجَتِهِ خَاصَّةً.
- وَكَذَلِكَ فِي اسْمِ الْوَلَدِ لَا يَدْخُلُ هُنَا إلَّا وَلَدٌ لِصُلْبِهِ. وَأَمَّا وَلَدُ وَلَدِهِ فَهُمْ فَيْءٌ.
لِأَنَّ الْيَقِينَ فِي وَلَدِ الصُّلْبِ خَاصَّةً. وَهَذَا الِاسْتِحْقَاقُ لَهُ يُبْتَنَى عَلَى الْمُتَيَقِّنِ بِهِ.
- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُسَرَاءِ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَلَهُ أَوْلَادُ بَنِيهِ.
لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ أَبِيهِمْ فِي هَذَا الِاسْمِ، فَيَتَنَاوَلُهُمْ عِنْدَ عَدَمِ آبَائِهِمْ.
- وَلَا يَكُونُ وَلَدُ بَنَاتِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَوْلَادِهِ.
- ثُمَّ لَا يُتْرَكُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَلَكِنَّهُ يُخْرِجُهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِيَكُونُوا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّهُ بَعْدَ تَقَرُّرِ الْأَسْرِ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
- وَيَسْتَوِي إذَا كَانَ دَلَّهُمْ بِكَلَامٍ أَوْ ذَهَبَ مَعَهُمْ.
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ دَلَالَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ. فَلَا يَثْبُتُ بِالْكَلَامِ. وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ. فَيُعْتَبَرُ فِيهِ وُجُودُ الشَّرْطِ حَقِيقَةً.
- فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَسَّمَ السَّبْيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَاعَهُمْ ثُمَّ
[ ٧٨٤ ]
تَحَيَّرَ فَقَالَ لِلْأُسَرَاءِ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ حُرٌّ. أَوْ قَالَ: فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ مِائَةً فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمِائَةَ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ.
لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهِمْ هُنَا. فَمَا أَوْجَبَهُ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ دُونَ الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ.
- وَلِهَذَا لَوْ دَلَّهُمْ بِمُجَرَّدِ كَلَامٍ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ قَالَ: فَهُوَ حُرٌّ، فَهَذَا بَاطِلٌ.
لِأَنَّ الْأَمِيرَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُعْتِقَ أَرِقَّاءَ الْمُلَّاكِ بَعْدَ مَا تَعَيَّنَ مُلْكُهُمْ فِيهِمْ.
- وَلَوْ تَحَيَّرَ قَبْلَ قِسْمَتِهِمْ فَقَالَ: مَنْ دَلَّنَا مِنْكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ أَسِيرٌ عَلَى طَرِيقٍ بَيِّنٍ، إلَّا أَنَّهُ طَرِيقٌ يَأْخُذُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ كَانُوا تَحَيَّرُوا فِي الدُّخُولِ فَهَذِهِ دَلَالَةٌ وَالْأَسِيرُ حُرٌّ. وَإِنْ كَانُوا تَحَيَّرُوا فِي الِانْصِرَافِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ.
وَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ يَأْخُذُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَالتَّقْسِيمُ فِيهِ عَلَى عَكْسِ هَذَا.
لِأَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَقَدْ عِلْمنَا أَنَّ مُرَادَهُ فِي حَالَةِ الدُّخُولِ الدَّلَالَةُ عَلَى طَرِيقٍ يُوَصِّلُهُ إلَى مَقْصِدِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. وَفِي الِانْصِرَافِ مَقْصُودُهُ الدَّلَالَةُ عَلَى طَرِيقٍ يُوَصِّلُهُ إلَى مَقْصِدِهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ
[ ٧٨٥ ]
- وَإِنْ قَالَ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى طَرِيقِ حِصْنِ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِذَلِكَ الْحِصْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ طَرِيقٌ، فَدَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ آخَرَ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ الطَّرِيقِ الْمَعْهُودِ، فَلَهُ شَرْطُهُ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ طَرِيقُ ذَلِكَ الْحِصْنِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَعْتَادُ النَّاسُ الذَّهَابَ إلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ مِنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ. وَالْأَمِيرُ أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ ذَلِكَ.
- وَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ لَيْسَ بِطَرِيقٍ إلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ وَلَكِنَّهُ طَرِيقٌ إلَى غَيْرِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَدُورُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى يَأْتُوهُ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ.
لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ (ص ٢٦٤) مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ كَاشْغَرُ ثُمَّ يَدُورُ حَتَّى يَأْتِيَ بُخَارَى. ثُمَّ لَا يَعُدُّ أَحَدٌ الطَّرِيقَ مِنْ هُنَا إلَى كَاشْغَرَ طَرِيقَ بُخَارَى. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا أَتَى بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ. فَلَا يَكُون حُرًّا.
- وَإِنْ قَالَ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى طَرِيقِ حِصْنِ كَذَا، وَهُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ كَذَا. فَدَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِهِ حَتَّى أَقَامَهُمْ عَلَى الْحِصْنِ. فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ مَنْفَعَةٌ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي عَيَّنُوا لَهُ مِنْ حَيْثُ قُرْبُ الطَّرِيقِ أَوْ أَمْنُهُ أَوْ كَثْرَةُ الْعُلَّفِ أَوْ كَثْرَة الْقُرَى أَوْ كَثْرَةُ مَا يَجِدُونَ مِنْ السَّبْيِ فَهُوَ فَيْءٌ عَلَى حَالِهِ.
لِأَنَّهُ مَا وَفَّى بِالشَّرْطِ. فَإِنَّهُمْ عَيَّنُوا لَهُ طَرِيقًا وَكَانَتْ لَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَالتَّعْيِينُ مَتَى كَانَ مُفِيدًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ.
[ ٧٨٦ ]
- وَإِنْ كَانَ الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَنْفَعَةً مِنْ الَّذِي عَيَّنُوا لَهُ فَهُوَ فَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ أَيْضًا.
لِأَنَّهُ مَا أَتَى بِالْمَشْرُوطِ. وَفِي إيجَابِ الْعِبَادِ يَعْتَبِرُ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى لِجَوَازِهِ أَنْ يَخْلُوَ كَلَامُهُمْ عَنْ حِكْمَةٍ وَفَائِدَةٍ حَمِيدَةٍ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ حُرٌّ
لِأَنَّهُ أَتَى بِمَقْصُودِهِمْ وَزِيَادَةٍ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّعْيِينُ إذَا كَانَ مُفِيدًا. فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ فَائِدَتَهُمْ فِيمَا أُتِيَ بِهِ أَظْهَرُ، سَقَطَ اعْتِبَارُ التَّعْيِينِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّهمَا أَنْفَعَ فَهُوَ فَيْءٌ عَلَى حَالِهِ.
لِأَنَّ التَّعْيِينَ كَلَامٌ مِنْ عَاقِلٍ. فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الْأَصْلِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ بَخِلُوهُ عَنْ الْفَائِدَةِ. وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ.
- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى طَرِيقِ دَرْبِ الْحَدَثِ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ عَلَى طَرِيقِ الْمِصِّيصَةِ أَوْ عَلَى طَرِيقِ مَلَطْيَةَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ وَأَكْثَرَ مَنْفَعَةً فَهُوَ حُرٌّ. وَإِنْ كَانَ لَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ لَا يَدْرِي أَهْوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا فَهُوَ فَيْءٌ
[ ٧٨٧ ]
لِأَنَّهُ مَا أُتِيَ بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ أَرَأَيْت لَوْ ذَهَبَ بِهِمْ إلَى طَرِيقٍ غَيْرِ مَا ذَكَرُوا لَهُ، فَكَانَ فِيهِ الْمَلِكُ وَجُنْدُهُ. فَقَاتَلَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ، أَوْ ذَهَبَ بِهِمْ فِي طَرِيقٍ لَا عَلَفَ فِيهِ فَهَلَكَتْ دَوَابُّهُمْ، أَوْ مَاتُوا جُوعًا، أَكَانَ يُوفِي لَهُ بِشَرْطِهِ؟ وَإِنَّمَا قَصْدَ بِهَذَا بَيَانَ أَنَّ التَّقْيِيدَ مَتَى مَا كَانَ مُفِيدًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ.
[ ٧٨٨ ]