٩٣ - بَابٌ مِنْ النَّفْلِ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالتَّقَدُّمِ وَإِذَا وَقَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَابِ حِصْنٍ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ، وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ.
فَهَذَا تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ حَصَلَ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، بِحَسَبِ الْجَزَاءِ وَالْعَنَاءِ. فَعَنَاءُ الدَّاخِلِ أَوَّلًا (ص ٢٧٨) أَكْثَرُ مِنْ عَنَاءِ الثَّانِي، وَعَنَاءُ الثَّانِي أَكْثَرُ مِنْ عَنَاءِ الثَّالِثِ.
١٥٠٢ - فَإِذَا دَخَلَ ثَلَاثَةٌ تِبَاعًا كَانَ لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ، وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ.
١٥٠٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ، وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ.
لِأَنَّ بِالْعَطْفِ بِلَفْظِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ أَوَّلِ كَلَامِهِ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلٌ، فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ دَخَلَ.
لِأَنَّ أَيَّ كَلِمَةٍ جَمْعٍ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ. بِمَنْزِلَةِ كَلِمَةِ مَنْ.
[ ٨٤٧ ]
- وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ النَّفَلَ إذَا دَخَلُوا فِي الْفَصْلَيْنِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ. فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ بَعْدَ زَوَالِ الْخَوْفِ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
١٥٠٦ - وَإِنْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ الثَّلَاثِ جَمِيعًا مَعًا بَطَلَ نَفْلُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. وَإِنَّمَا لَهُمْ نَفْلُ الثَّالِثِ وَهُوَ رَأْسٌ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.
لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، وَالثَّانِي اسْمٌ لِفَرْدٍ هُوَ تَالٍ لِلسَّابِقِ، وَالثَّالِثَ اسْمٌ لِفَرْدٍ هُوَ تَالٍ لِلسَّابِقِ وَالثَّانِي. هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ. وَلَكِنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ التَّنْفِيلُ. بِحَسَبِ إظْهَارِ الْجَلَّادَةِ وَالْقُوَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الْجَلَّادَةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِدُخُولِ أَوَّلِ الْقَوْمِ لَا تَحْصُلُ إذَا دَخَلَ مَعَهُ اثْنَانِ. فَلِهَذَا يَبْطُلُ نَفْلُ الْأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْجَلَّادَةِ بِدُخُولِهِ بَعْدَ وَاحِدٍ لَا يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ مَعَ اثْنَيْنِ. فَأَمَّا مَا يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ بَعْدَ اثْنَيْنِ يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ مَعَهُمَا بِيَقِينٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلِهَذَا يَجِبُ نَفْلُ الثَّالِثِ.
- ثُمَّ لَيْسَ أَحَدُهُمْ بِأَنْ يُجْعَلَ ثَالِثًا بِأَوْلَى مِنْ صَاحِبِيهِ، فَلِهَذَا كَانَ نَفْلُ الثَّالِثِ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَا يُعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ عَلَى أَنَّهُ ثَالِثٌ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْإِمَامَ أَوْجَبَ لِلثَّالِثِ رَأْسًا وَاحِدًا. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اسْمَ الثَّالِثِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْفَرْدَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْإِيجَابُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَامًّا أَوْ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ جَمِيعًا. وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَحَدَهُمْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ. ثُمَّ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمُسْتَحَقِّ بِاعْتِبَارِ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ.
[ ٨٤٨ ]
- وَلَوْ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا ثُمَّ ثَالِثٌ بَعْدَهُمَا بَطَلَ نَفْلُ الْأَوَّلِ.
لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ لَهُمَا نَفْلُ الثَّانِي.
وَذَلِكَ رَأْسَانِ.
لِأَنَّ الثَّانِي فِيهِمَا يَتَعَيَّنُ، فَجَزَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الدُّخُولِ مَعَ صَاحِبِهِ أَظْهَرُ مِنْ جَزَائِهِ فِي الدُّخُولِ بَعْدَ صَاحِبِهِ.
وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ بَعْدَ اثْنَيْنِ فَهُوَ الثَّالِثُ بِعَيْنِهِ.
- وَلَوْ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا، ثُمَّ اثْنَانِ مَعًا، فَلِلْأَوَّلَيْنِ نَفْلُ الثَّانِي.
لِمَا قُلْنَا.
وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرَيْنِ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الثَّالِثِ رَابِعٌ. وَالثَّالِثُ اسْمٌ لِفَرْدٍ يَدْخُلُ بَعْدَ اثْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِكَوْنِ صَاحِبِهِ مَعَهُ.
١٥١٠ - وَلَوْ دَخَلَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْقَوْمِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ أَوَّلٌ وَلَا ثَانٍ وَلَا ثَالِثٌ، فَإِنَّ الرَّابِعَ مُزَاحِمٌ لَهُمْ. أَرَأَيْت لَوْ دَخَلَ عِشْرُونَ مَعًا، أَوْ دَخَلَ الْعَسْكَرُ جَمِيعًا مَعًا أَكَانُوا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا؟
[ ٨٤٩ ]
- وَلَوْ دَخَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاحِدٌ، ثُمَّ اثْنَانِ، فَالدَّاخِلُ أَوَّلًا يَسْتَحِقُّ نَفْلَ الْأَوَّلِ.
لِأَنَّهُ فَرْدٌ سَبَقَ بِالدُّخُولِ.
وَبَطَلَ نَفْلُ الثَّانِي.
لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي الْآخَرَيْنِ.
وَلَكِنْ لَهُمَا نَفْلُ الثَّالِثِ.
لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الثَّالِثَ فِيهِمَا.
- وَلَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ ثُمَّ وَاحِدٌ ثُمَّ اثْنَانِ فَلَا شَيْءَ لِلْآخَرَيْنِ.
لِأَنَّهُ لَا ثَالِثَ فِيهِمَا. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَابِعٌ مَعَ صَاحِبِهِ. وَالْإِمَامُ مَا أَوْجَبَ لِلرَّابِعِ شَيْئًا.
- وَلَوْ صَمَدَ الْأَمِيرُ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ: لَسْت أَطْمَعُ فِي أَنْ تَدْخُلَ أَوَّلًا، وَلَكِنْ إنْ دَخَلَتْ ثَانِيًا فَلَكَ رَأْسَانِ. فَدَخَلَ أَوَّلَ الْقَوْمِ. فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ مَا أَوْجَبَ لِلْأَوَّلِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ لَهُ التَّنْفِيلَ بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ ثَانِيًا. وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الشَّرْطُ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ رَأْسَانِ.
لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ صَنَعَ مَا طَلَبَ الْإِمَامُ مِنْهُ وَزِيَادَةً فِي إظْهَارِ الْقُوَّةِ وَالْجَلَّادَةِ. فَإِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ:
[ ٨٥٠ ]
لَسْت أَطْمَعُ فِي أَنْ تَدْخُلَ أَوَّلًا.
يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الدُّخُولَ ثَانِيًا. وَإِنَّمَا مُرَادُهُ التَّحْرِيضُ عَلَى إظْهَارِ الْجِدِّ فِي الْقِتَالِ. وَقَدْ أَتَى بِهِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ.
- وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ، وَلَكِنْ قَالَ: إنْ دَخَلَتْ ثَانِيًا فَلَكَ رَأْسَانِ فَدَخَلَ أَوَّلًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.
لِأَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ هَا هُنَا أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ أَوَّلًا إبْقَاءً عَلَى نَفْسِهِ. فَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتَحِمُ الْمَهَالِكَ، فَأَرَادَ أَنْ لَا يَدْخُلَ وَحْدَهُ حَتَّى يَدْخُلَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ، لِيَكُونَ أَقْوَى لَهُ. فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ. ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا مُحْتَمَلٌ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا. وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْمُحْتَمَلِينَ إلَّا بِالدَّلِيلِ. وَقَدْ وُجِدَ الدَّلِيلُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ الْمُقَدِّمَةُ الَّتِي جَرَتْ، وَلَمْ يُوجَدْ الدَّلِيلُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَيَبْقَى الِاحْتِمَالُ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ.
- وَلَوْ دَخَلَ مَعَ آخَرَ فَلَهُ رَأْسَانِ.
لِأَنَّهُ دَخَلَ ثَانِيًا كَمَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ.
- وَلَوْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ هُوَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِإِيجَابِ النَّفْلِ لَهُ إذَا دَخَلَ ثَانِيًا، فَإِنْ أَوْجَبَ لَهُ نَفْلًا إنْ دَخَلَ ثَالِثًا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ ثَالِثٌ فِي الدُّخُولِ إذَا دَخَلَ مَعَ اثْنَيْنِ، كَمَا هُوَ ثَالِثٌ إذَا دَخَلَ بَعْدَهُمَا.
- وَلَوْ قَالَ لِلْقَوْمِ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ ثَانِيًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ وَاحِدٌ أَوَّلًا، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.
[ ٨٥١ ]
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ إنَّ مَعْنَى الْعَنَاءِ وَالْقُوَّةِ فِي الدُّخُولِ أَوَّلًا أَكْثَرُ. فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَتَى بِأَفْضَلَ مِمَّا كَانَ شُرِطَ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا إذَا كَانَ الْإِيجَابُ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْوَصْفِ الَّذِي رُتِّبَ الْإِيجَابُ عَلَيْهِ. أَرَأَيْت لَوْ اسْتَحَقَّ هَذَا النَّفَلَ لِأَنَّهُ صَنَعَ خَيْرًا مِمَّا طُلِبَ مِنْهُ. ثُمَّ دَخَلَ الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، هَلْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؟ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَصْفِ الَّذِي أَوْجَبَ الْإِمَامُ النَّفَلَ بِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا كَانَ التَّنْفِيلُ لِمُعَيَّنٍ.
- وَلَوْ قَالَ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ بِأَعْيَانِهِمْ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ. فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَعَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ. فَلِلدَّاخِلِ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ.
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ النَّفَلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الثَّلَاثَةِ دُخُولًا. لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ النَّاسِ دُخُولًا. وَهُوَ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ حِينَ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ صَاحِبَاهُ. فَلَا يَبْطُلُ نَفْلُهُ بِدُخُولِ قَوْمٍ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ.
- وَلَوْ كَانَ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ قَبْلَ النَّاسِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا بِالدُّخُولِ، سَابِقًا عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَلَمْ يُوجَدْ حِينَ دَخَلَ مَعَهُ غَيْرُهُ. وَفِي الْأَوَّلِ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى صَاحِبِهِ. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ.
[ ٨٥٢ ]
- وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ اثْنَانِ مِنْ الثَّلَاثَةِ مَعًا فِي هَذَا الْفَصْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ لِفَرْدٍ يَسْبِقُ النَّاسَ كُلَّهُمْ بِالدُّخُولِ وَلَمْ يُوجَدْ.
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ الشُّبَّانِ أَوَّلًا فَلَهُ رَأْسَانِ، وَلِلثَّانِي رَأْسٌ. وَمَنْ دَخَلَ مِنْ الشُّيُوخِ أَوَّلًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ. فَدَخَلَ شَابٌّ وَشَيْخٌ مَعًا كَانَ لِلشَّابِّ رَأْسَانِ.
لِأَنَّهُ أَوَّلُ شَابٍّ دَخَلَ. فَإِنَّ الَّذِي مَعَهُ لَيْسَ بِشَابٍّ، فَعَرَفْنَاهُ أَنَّهُ أَوَّلُ الشَّبَابِ دُخُولًا.
وَلِلشَّيْخِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ.
لِأَنَّهُ أَوَّلُ الشُّيُوخِ دُخُولًا، وَاَلَّذِي مَعَهُ لَيْسَ بِشَيْخٍ.
- وَلَوْ دَخَلَ شَابَّانِ وَشَيْخٌ فَلِلشَّيْخِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ.
لِأَنَّ أَوَّلَ شَيْخٍ دَخَلَ.
وَبَطَلَ نَفْلُ الشَّابِّ الْأَوَّلِ (ص ٢٨٠) . .
لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ فِيهِمَا. فَصَاحِبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُزَاحِمُهُ. وَلَكِنْ لَهُمَا نَفْلُ الثَّانِي رَأْسٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. لِأَنَّ فِيهِمَا الثَّانِيَ.
[ ٨٥٣ ]
وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ شَابَّانِ وَشَيْخَانِ مَعًا فَلِلشَّيْخَيْنِ أَيْضًا نَفْلُ الثَّانِي مِنْ الشُّيُوخِ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُزَاحِمٌ لِصَاحِبِهِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِمَا أَوَّلُ شَيْخٍ دُخُولًا.
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا. فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ دَخَلَ شَامِيٌّ فَلَهُ النَّفَلُ.
لِأَنَّهُ أَوَّلُ شَامِيٍّ دَخَلَ، وَهُوَ الَّذِي شَرَطَهُ الْإِمَامُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ فِي كَلَامِهِ أَوَّلُ النَّاسِ. فَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوَّلِ النَّاسِ دُخُولًا.
- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ الْأَحْرَارِ أَوَّلًا، أَوْ قَالَ: مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ. أَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوَّلًا، أَوْ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ، فَاشْتَرَى نَصْرَانِيًّا، ثُمَّ اشْتَرَى مُسْلِمًا، عَتَقَ الْمُسْلِمُ. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَشْتَرِيهِ أَوَّلُ الْعَبِيدِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَعْتِقْ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ عَبِيدِ الْأَتْرَاكِ أَوَّلًا الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ، فَدَخَلَ هِنْدِيٌّ ثُمَّ دَخَلَ تُرْكِيٌّ، عَتَقَ التُّرْكِيُّ. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبِيدِي لَمْ يَعْتِقْ. وَكَانَ الْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَا.
[ ٨٥٤ ]
- وَلَوْ قَالَ: أَيُّ فَارِسٍ دَخَلَ أَوَّلًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ رَاجِلٌ ثُمَّ فَارِسٌ، كَانَ لَهُ النَّفَلُ.
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِأَوَّلِ فَارِسٍ يَدْخُلُ. وَهَذَا أَوَّلُ فَارِسٍ. وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوَّلِ دَاخِلٍ مِنْ النَّاسِ، فَالرَّاجِلُ الَّذِي دَخَلَ قَبْلَهُ مِنْ النَّاسِ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّ حَاسِرٍ دَخَلَ أَوَّلَ. فَدَخَلَ دَارِعٌ ثُمَّ حَاسِرٌ فَلَهُ النَّفَلُ.
لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ الْحَسْرَ بِالتَّنْفِيلِ. وَهُوَ أَوَّلُ حَاسِرٍ دَخَلَ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ. فَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّ دَارِعٍ دَخَلَ أَوَّلًا. لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْقُوَّةَ فِي الْقِتَالِ. فَإِنَّ الدَّارِعَ يَعْمَلُ مَا لَا يَعْمَلُ الْحَاسِرُ، فَسَوَاءٌ دَخَلَ دَارِعٌ أَوْ حَاسِرٌ مَعًا، أَوْ دَخَلَ الدَّارِعُ بَعْدَ الْحَاسِرِ، فَلِلدَّارِعِ النَّفَلُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ.
١٥٢٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّ نَاشِبٍ رَمَى أَوَّلَ، فَرَمَى نَابِلٌ ثُمَّ نَاشِبٌ.
[ ٨٥٥ ]
لِأَنَّ هَذَا أَوَّلُ نَاشِبٍ رَمَى. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ، فَحِينَئِذٍ لَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
- وَلَوْ قَالَ: أَيُّ فَارِسٍ دَخَلَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ، وَأَيُّ رَاجِلٍ دَخَلَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ فَارِسٌ وَرَاجِلٌ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسٌ، سَوَاءٌ دَخَلَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ.
لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَوَّلُ فَارِسٍ دَخَلَ، وَالْآخَرَ أَوَّلُ رَاجِلٍ دَخَلَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
١٥٢٩ - فَلَوْ دَخَلَ فَارِسَانِ وَرَاجِلَانِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ.
لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، وَلَيْسَ فِي الْفَارِسَيْنِ فَرْدٌ سَابِقٌ مِنْ الْفُرْسَانِ وَلَا فِي الرَّاجِلَيْنِ فَرْدٌ مِنْ الرَّجَّالَةِ.
١٥٣٠ - وَلَوْ قَالَ: أَيُّ فَارِسٍ أَوْ رَاجِلٍ دَخَلَ أَوَّلًا، فَدَخَلَ فَارِسٌ وَرَاجِلٌ مَعًا، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا فَرْدٌ سَابِقٌ مُطْلَقٌ. وَقَوْلُهُ: أَيُّ فَارِسٍ أَوْ رَاجِلٍ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ فَرْدًا سَابِقًا مُطْلَقًا. بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، فَأَحَدُ الْكَلَامَيْنِ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُ فَرْدًا سَابِقًا مُقَيَّدًا بِالْفُرْسَانِ خَاصَّةً، وَالْآخَرُ مُقَيَّدًا بِالرَّجَّالَةِ خَاصَّةً. وَعَلَى هَذَا مِثْلُهُ الشَّامِيُّ وَالْخُرَاسَانِيُّ.
- وَلَوْ قَالَ: لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ، فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ.
[ ٨٥٦ ]
لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ تَجْمَعُ الْأَسْمَاءَ عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ فَعِنْدَ ذِكْرِهِ يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ، كَأَنَّ اللَّفْظَ تَنَاوَلَهُ خَاصَّةً، وَكَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ.
١٥٣٢ - وَلَوْ دَخَلُوا مُتَوَاتِرِينَ كَانَ لِلْأَوَّلِ النَّفَلُ خَاصَّةً.
لِأَنَّ كُلَّ الدَّاخِلِ أَوَّلًا هُوَ. فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ بَعْدَهُ لَيْسَ بِأَوَّلٍ حِينَ سَبَقَهُ غَيْرُهُ بِالدُّخُولِ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَسْبِقْ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرَهُ بِالدُّخُولِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ إفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ مُوجِبُ كَلِمَةِ كُلٍّ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوَّلَ دَاخِلٍ. وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلَ. فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا دَخَلَ الْخَمْسَةُ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ. لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ تُوجِبُ عُمُومَ الْجِنْسِ، وَلَا تُوجِبُ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ (ص ٢٨١) مِنْ الدَّاخِلِينَ. كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. وَعَلَى اعْتِبَارِ مَعْنَى الْعُمُومِ لَيْسَ فِيهِمْ أَوَّلُ. فَأَمَّا كَلِمَةُ كُلٍّ فَتُوجِبُ تَنَاوُلَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ رَجُلٍ دَخَلَ أَوَّلَ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ. وَكَلِمَةُ كُلٍّ قَدْ تُوجِبُ الْعُمُومَ أَيْضًا. وَلَكِنْ لَوْ حَمَلْنَاهَا عَلَى مَعْنَى الْعُمُومِ لَمْ يَبْقَ لَهَا فَائِدَةٌ. لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ. وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا زِيَادَةُ فَائِدَةٍ. وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مَا قُلْنَا. وَهُوَ أَنَّهَا تُوجِبُ الْجَمْعَ فِي كُلِّ دَاخِلٍ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ، عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَهَذَا بِخِلَافِ كَلِمَةِ
[ ٨٥٧ ]
أَيُّ. فَإِنَّهَا لَا تُوجِبُ الْجَمْعَ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ الْعُمُومَ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ دَخَلَ أَوَّلَ، وَقَوْلُهُ: مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا سَوَاءٌ، حَتَّى إذَا دَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ.
- وَلَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ أَوَّلَ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلَهُمْ رَأْسُ وَاحِدٍ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوِيَّةِ.
لِأَنَّ مَا أُلْحِقَ بِكَلِمَةِ مَنْ هَا هُنَا يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ دُونَ الْإِفْرَادِ، فَيَصِيرُ بِاعْتِبَارِهِ جَمِيعُ الدَّاخِلِينَ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُمْ أَوَّلُ. فَلَهُمْ رَأْسٌ وَاحِدٌ. فَكَلِمَةُ كُلُّ تَقْتَضِي الْجَمْعَ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ، فَيُجْعَلُ بِاعْتِبَارِهَا كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ تَنَاوَلَهُ الْإِيجَابُ خَاصَّةً.
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلَهُمْ رَأْسٌ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا.
لِأَنَّ الْخَامِسَ فِيهِمْ بِيَقِينٍ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ بِالنَّفْلِ الَّذِي أَوْجَبَهُ لِلْخَامِسِ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ.
١٥٣٥ - وَإِنْ دَخَلُوا مُتَوَاتِرِينَ فَالرَّأْسُ لِلْخَامِسِ خَاصَّةً. لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالِاسْمِ الَّذِي أَوْجَبَ النَّفَلَ لَهُ لَا مُزَاحَمَةً مَعَهُ فِيهِ لِمَنْ سَبَقَهُ بِالدُّخُولِ.
١٥٣٦ - وَإِنْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ اثْنَانِ فَالرَّأْسُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ.
لِأَنَّ الْخَامِسَ فِيهِمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ.
١٥٣٧ - وَإِنْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ.
[ ٨٥٨ ]
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَادِسٌ، دَاخِلٌ بِانْضِمَامِ صَاحِبَيْهِ إلَيْهِ، وَمَا أَوْجَبَ النَّفَلَ لِلسَّادِسِ.
- وَلَوْ قَالَ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مُتَوَاتِرَيْنِ. كَانَ النَّفَلُ لِلْخَامِسِ.
لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاسْمِ الْخَامِسِ حِينَ سَبَقَهُ أَرْبَعَةٌ بِالدُّخُولِ.
١٥٣٩ - وَإِنْ دَخَلَ الْخَمْسَةُ مَعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ.
لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلُّ تُوجِبُ الْجَمْعَ عَلَى وَجْهِ الْإِفْرَادِ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَامِسًا لِوُجُودِ الْأَرْبَعَةِ مَعَهُ، كَمَا يَكُونُ خَامِسًا إنْ دَخَلُوا قَبْلَهُ.
- وَلَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. كَانَ لَهُمْ رَأْسٌ وَاحِدٌ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يُوجِبُ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُمْ الْإِيجَابُ جُمْلَةً. وَذَلِكَ رَأْسٌ وَاحِدٌ بَيْنَهُمْ، بِخِلَافِ كَلِمَةِ كُلُّ.
- وَلَوْ قَالَ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا، ثُمَّ خَمْسَةٌ مَعًا، وَالْخَوْفُ قَائِمٌ عَلَى حَالِهِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ حَتَّى يَأْخُذُوا عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ.
لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ خَامِسُ خَمْسَةٍ. وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي خَامِسُ خَمْسَةٍ. وَإِنَّمَا جَعَلْنَا تَقْدِيرَ كَلَامِهِ هَذَا لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِلْخَامِسِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْخَامِسُ إلَّا فِي خَمْسَةٍ.
[ ٨٥٩ ]
وَلَوْ دَخَلَ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمْ شَيْءٌ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ سَادِسُ سِتَّةٍ.
١٥٤٣ - فَإِنْ دَخَلَ اثْنَانِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا، ثُمَّ دَخَلَ وَاحِدٌ. فَلِهَذَا الْآخَرِ النَّفَلُ.
لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأُولَى لَا يُحْتَسَبُ لَهُمْ إذْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُمْ خَامِسٌ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ دُخُولِهِمْ، بَقِيَ اثْنَانِ ثُمَّ اثْنَانِ ثُمَّ وَاحِدٌ، فَهَذَا الْوَاحِدُ خَامِسُ خَمْسَةٍ، فَلَهُ النَّفَلُ.
١٥٤٤ - وَلَوْ دَخَلَ أَرْبَعَةٌ مَعًا فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ خَمْسَةٌ مَعًا. كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسَةِ رَأْسٌ.
لِأَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ بِالْأَرْبَعَةِ لِمَا بَيَّنَّا. فَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ دُخُولِهِمْ صَارَ كَأَنَّ الْخَمْسَةَ دَخَلُوا ابْتِدَاءً، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَامِسُ خَمْسَةٍ.
- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ عَاشِرًا، فَدَخَلَ تِسْعَةٌ مَعًا، أَوْ مُتَوَاتِرَيْنِ. ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُمْ اثْنَانِ، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ لَا عَاشِرَ فِيهِمْ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ مَعَ أَصْحَابِهِ وَاحِدٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ، لَا مِنْ عَشْرَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا دَخَلَ تِسْعَةٌ مَعًا، فَأَمَّا إذَا دَخَلُوا مُتَوَاتِرِينَ (ص ٢٨٢) فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ عَاشِرَ عَشْرَةٍ كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الْأَرْبَعَةِ.
[ ٨٦٠ ]
قُلْنَا: فَعَلْنَا فِي الْأَرْبَعَةِ ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي تَأَخَّرَ دُخُولُهُ وَحْدَهُ فَيَكُونُ خَامِسَ خَمْسَةٍ. فَأَمَّا هَا هُنَا فَإِنَّمَا دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا آخِرًا، وَكَمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ عَاشِرِ الْعَشَرَةِ مِنْهُمْ بِإِلْغَاءِ الْأَوَّلِ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِإِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَلَيْسَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
- فَإِنْ دَخَلَ بَعْدَ الِاثْنَيْنِ ثَمَانِيَةٌ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ رَأْسٌ.
لِأَنَّ التِّسْعَةَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُمْ حِينَ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُمْ الْعَاشِرُ. بَقِيَ اثْنَانِ ثُمَّ ثَمَانِيَةٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ عَاشِرُ عَشْرَةٍ.
- وَلَوْ دَخَلَ بَعْدَ الِاثْنَيْنِ عَشَرَةٌ مَعًا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ رَأْسٌ.
لِأَنَّهُ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الِاثْنَيْنِ هَا هُنَا كَمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ تِسْعَةٍ؛ يَبْقَى دُخُولُ الْعَشَرَةِ مَعًا، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَاشِرُ عَشَرَةٍ. فَيَسْتَحِقُّ النَّفَلَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٨٦١ ]