١٥ -
[ ١٠١ ]
بَابُ مَنْ قَاتَلَ فَأَصَابَ نَفْسَهُ وَذَكَرَ عَنْ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَنَاوَلَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ لِيَضْرِبَهُ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ رِجْلَهُ فَنَزَفَ حَتَّى مَاتَ. فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ أَصْحَابُهُ - ﵃ -: أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ» . وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ شَهِيدٌ فِيمَا تَنَاوَلَ مِنْ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. فَأَمَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِهَذَا فِي الدُّنْيَا يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، لِأَنَّ الشَّهِيدَ الَّذِي لَا يُغَسَّلُ مَنْ يَصِيرُ مَقْتُولًا بِفِعْلٍ مُضَافٍ إلَى الْعَدُوِّ. وَهَذَا صَارَ مَقْتُولًا بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَصَدَ الْعَدُوَّ لَا نَفْسَهُ، فَيَكُونُ شَهِيدًا فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ، وَيُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَيِّتِ فِي الدُّنْيَا.
وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ - ﷺ -: «الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَمُوتُ بِجُمْعٍ لَمْ تُطْمَثْ شَهِيدٌ» . يَعْنِي فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ تَعَمَّدَ قَتْلَ نَفْسِهِ بِحَدِيدَةٍ أَنَّهُ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ فِي حَقِّ الَّذِي أَخْطَأَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ
[ ١٠٢ ]
يَجَأُ بِهَا نَفْسَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَمَاتَ فَهُوَ يَشْرَبُهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا» .
قَالَ - ﵁ -: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ إنْ كَانَ تَابَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ فِيمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» .
قَالَ - ﵁ -: وَسَمِعْت الْقَاضِيَ الْإِمَامَ (٣٥ ب) عَلِيًّا السُّغْدِيَّ يَقُولُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لَا لِأَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ بَاغٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْبَاغِي.
٩٦ - وَذَكَرَ عَنْ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ - قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سِنَانِ بْنَ الْأَكْوَعِ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَكَانَ ضَرَبَ يَهُودِيًّا فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَرَجَعَ السَّيْفُ عَلَى عَامِرٍ فَعَقَرَهُ فَمَاتَ مِنْهَا. فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. إنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ. إنَّهُ جَاهِدٌ مُجَاهِدٌ وَإِنَّهُ لَيَعُومُ فِي الْجَنَّةِ عَوْمَ الدُّعْمُوصِ» .
[ ١٠٣ ]
وَبِهِ نَقُولُ إنَّهُ مَعْذُورٌ فِيمَا أُصِيبَ بِهِ، مُثَابٌ عَلَى مَا صَنَعَ. فَإِنَّهُ جَاهِدٌ فِي قَتْلِ الْكَافِرِ مُبَالِغٌ فِي ذَلِكَ، مُصَابٌ حِينَ رَجَعَ إلَيْهِ السَّيْفُ فَعَقَرَهُ، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ، فَهُوَ جَاهِدٌ صَابِرٌ، و: ﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] . فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ -: «إنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ» .
- قَالَ: وَإِذَا الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ لَيْلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَرَى أَنَّ صَاحِبَتَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَاقْتَتَلُوا فَأَجْلَوْا عَنْ قَتْلَى ثُمَّ عَلِمُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّرِيَّتَيْنِ بَاشَرَتْ دَفْعًا مُبَاحًا، فَقَدْ قَصَدَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ إلَى الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا قَتَلَتْهَا الْأُخْرَى دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ. وَذَلِكَ دَفْعٌ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً.
٩٨ - وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ - قَالَ: خَرَجَتْ طَلِيعَتَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ الْخَنْدَقِ لَيْلًا فَالْتَقَتَا تَحْتَ اللَّيْلِ وَلَا يَشْعُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ الْعَدُوُّ. فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ جِرَاحَاتٌ وَقَتْلَى. ثُمَّ تَنَادَوْا بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ فَكَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: جِرَاحَاتُكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَمَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ فَهُوَ شَهِيدٌ» .
[ ١٠٤ ]
- وَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ. فَقَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا، ظَنَّ أَنَّهُ مُشْرِكٌ، أَوْ رَمَى إلَى مُشْرِكٍ فَرَجَعَ السَّهْمُ فَأَصَابَ مُسْلِمًا فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ لِأَنَّ هَذَا صُورَةُ الْخَطَأِ. وَالدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ.
١٠٠ - وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَتْ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى الْيَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ فَقَتَلُوهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِيهِ الدِّيَةَ، فَوَهَبَهَا لَهُمْ حُذَيْفَةُ» . وَكَانَ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَالْأَوَّلِ أَنَّ الْمَقْتُولَ هَا هُنَا مَا كَانَ قَاصِدًا قَتْلَ صَاحِبِهِ الَّذِي قَتَلَهُ، وَكَانَتْ حُرْمَةُ نَفْسِهِ بَاقِيَةً فِي نَفْسِهِ، فَيَجِبُ الدِّيَةُ صِيَانَةً لِدَمِهِ عَنْ الْهَدَرِ. وَفِي الْأَوَّلِ الْمَقْتُولُ كَانَ قَاصِدًا إلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ يُسْقِطُ حُرْمَةَ نَفْسِهِ فِي حَقِّهِ، فَإِنَّمَا قَتَلَهُ بِدَفْعِ مُبَاحٍ.