٨٥ - بَاب مَنْ يَكُونُ لَهُ النَّفَلُ وَمَنْ لَا يَكُونُ ١٣٤٢ - وَإِذَا قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ السَّلْبُ لِلْقَاتِلِ، وَاحِدًا كَانَ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. .
لِأَنَّ " مَنْ " مِنْ أَسْمَاءِ الْعُمُومِ، فَيَتَنَاوَلُ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ جَمِيعًا.
- وَلَكِنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ فِي هَذَا قَبِيحٌ إذْ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَسْكَرَ كُلَّهُمْ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ وَاحِدٍ اسْتَحَقُّوا سَلَبَهُ. وَقَدْ عِلْمنَا أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بِالتَّنْفِيلِ.
لِأَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيضِ يَفُوتُ بِهِ. .
وَلَكِنْ لِلِاسْتِحْسَانِ فِيهِ وُجُوهٌ.
أَحَدُهَا أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ فَلَهُمَا السَّلْبُ. وَإِنْ قَتَلَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَلَبُهُ.
لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الْكَلَامَ وُحْدَانٌ وَتَثْنِيَةٌ وَجَمْعٌ.
فِيهِ تَبَيَّنَّ أَنَّ الْجَمْعَ غَيْرُ التَّثْنِيَةِ. ثُمَّ أَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ كَأَعْلَى الْجَمْعِ. وَمُرَادُ الْإِمَامِ بِهَذَا تَحْرِيضُ الْآحَادِ عَلَى الْقِتَالِ لَا تَحْرِيضَ الْجَمَاعَةِ. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ
[ ٧٦٤ ]
أَنْ يَفِرَّ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ الْوَاحِدِ وَلَا مِنْ الِاثْنَيْنِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦] فِيهِ تَبَيَّنَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ حُكْمَ الِاثْنَيْنِ كَحُكْمِ الْوَاحِدِ. وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ السِّلَاحُ، وَهُوَ يَطْمَعُ (ص ٢٥٧) فِي أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْ اثْنَيْنِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ وَلَا يَطْمَعُ فِي أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْحَازَ إلَى فِئَةٍ وَلَا يُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ. .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لِلِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ قَوْمٌ لَا مَنْعَة لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ السَّلَبُ. وَإِنْ قَتَلَهُ قَوْمٌ لَهُمْ مَنَعَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ السَّلَبُ. .
لِأَنَّ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْوَاحِدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ لَمْ يُخَمَّسْ مَا أَصَابُوا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فِي حُكْمِ التَّنْفِيلِ، لِأَنَّهُ بِصِحَّةِ التَّنْفِيلِ فِيهِ يُبْطِلُ حَقَّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ عَنْهُ. .
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ قَوْمٌ يَرَى الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَتِيلَ كَانَ يَنْتَصِف مِنْهُمْ لَوْ خَلَّى بَيْنه وَبَيْنهمْ فَلَهُمْ سَلَبَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْتَصِفُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَلَبُهُ. .
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحْرِيضُ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ مَنْ يَنْتَصِفُ مِنْهُمْ دُونَ مَنْ لَا يَنْتَصِفُ. .
قَالَ: وَكُلُّ هَذَا وَاسِعٌ إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ وَرَآهُ عَدْلًا. .
وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ كُلَّ هَذَا حَقٌّ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ كُلَّ هَذَا طَرِيقُ الِاجْتِهَادِ.
[ ٧٦٥ ]
وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - فِيمَا صَنَعَ مَسْرُوقٌ وَجُنْدُبٌ: " كِلَاكُمَا أَصَابَ "، يَعْنِي طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ. .
قَالَ: وَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ عِنْدِي وَأَقْرَبُهَا مِنْ الْحَقِّ الْوَجْهُ الْأَخِيرُ.
لِأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ وَهُوَ التَّحْرِيضُ. .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ انْتَهَوْا إلَى مَطْمُورَةٍ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ نَاهَضَهَا أَيْ قَامَ بِأَخْذِهَا فَلَهُ مَا فِيهَا بَعْدَ الْخُمْسِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَ يَنْتَصِفُ مِنْهُمْ أَهْلُ الْمَطْمُورَةِ اسْتَحَقُّوا النَّفَلَ، وَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَى الْمَطْمُورَةِ مِنْ الْعَسْكَرِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ لَا يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ النَّفَلُ. .
لِمُرَاعَاةِ التَّحْرِيضِ. .
- وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَهُ سَلَبُهُمْ جَمِيعًا، كَمَا لَوْ قَتَلَهُمْ بِضَرَبَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. .
لِأَنَّ كَلِمَةَ " مَنْ " عَامَّةٌ. فَيَتَعَمَّمُ بِهِ الْمَقْتُولُونَ أَيْضًا. .
- وَإِذَا دَخَلَ الْأَمِيرُ مَعَ الْعَسْكَرِ أَرْضَ الْحَرْبِ فَقَالَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا: مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَهَذَا جَائِزٌ.
وَيَبْقَى حُكْمُ هَذَا التَّنْفِيلِ إلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ.
[ ٧٦٦ ]
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْرِيضُهُمْ عَلَى الْإِمْعَانِ وَالطَّلَبِ، فَيَتَقَيَّدُ مُطْلَقُ كَلَامِهِ بِهَذَا الْمَقْصُودِ. .
١٣٤٦ - حَتَّى إذَا انْتَهَى مُسْلِمٌ إلَى مُشْرِكٍ نَائِمٍ أَوْ غَافِلٍ فِي عَمَلِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَهُ سَلَبُهُ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ لَقُوا الْعَدُوَّ فَقَتَلَهُ فِي الصَّفِّ أَوْ بَعْدَ مَا انْهَزَمُوا. .
لِأَنَّ تَنْفِيلَ الْإِمَامِ عَمَّ الْمَقْتُولِينَ عَلَى أَيْ حَالٍّ كَانُوا، بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَحِلُّ قَتْلُهُمْ. .
١٣٤٧ - وَكَذَلِكَ عَمَّ الْقَاتِلِينَ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُمْ سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ أَوْ رَضْخٌ، كَالنِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ وَالْعَبِيدِ.
فَأَمَّا إذَا قَالَ الْأَمِيرُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ بَعْدَ مَا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ حَتَّى يَنْقَضِيَ. .
لِأَنَّ الْحَالَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَّرَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ حَضَرَ الْقِتَالُ، فَقَدْ عِلْمنَا أَنَّ مَقْصُودَهُ التَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ إنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ حِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ التَّحْرِيضُ عَلَى الْجَدِّ فِي الدُّخُولِ وَالطَّلَبِ. .
ثُمَّ إنْ بَقُوا فِي ذَلِكَ الْقِتَالِ أَيَّامًا فَحُكْمَ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ بَاقٍ.
١٣٤٨ -. وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ الْمُنْهَزِمُونَ حِصْنَهُمْ فَتَحَصَّنُوا فِيهِ وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَهُمْ فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. .
[ ٧٦٧ ]
لِأَنَّ ذَلِكَ الْقِتَالَ بَاقٍ إذَا لَمْ يَتْرُكُوهُ حِينًا، وَلَا حَصَلَ مَقْصُودُهُمْ بِهِ، وَهُوَ تَمَامُ الْقَهْرِ. .
١٣٤٩ - وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهُمْ (ص ٢٥٨) الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ مَا انْهَزَمُوا حَتَّى لَحِقُوا بِحُصُونِهِمْ، ثُمَّ مَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ بِحُصُونِهِمْ فَقَتَلَ مُسْلِمٌ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. .
لِأَنَّهُمْ حِينَ تَرَكُوا أَتْبَاعَهُمْ فَقَدْ انْقَضَتْ تِلْكَ الْحَرْبُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَالتَّنْفِيلُ كَانَ مُقَيَّدًا بِهَا. .
١٣٥٠ - وَلَوْ كَانُوا عَلَى إثْرِهِمْ فَمَرُّوا بِحِصْنٍ آخَرِ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَتِيلًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. .
لِأَنَّ النَّفَلَ كَانَ عَلَى الْحَرْبِ الْأُولَى، وَهِيَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ هَذَا الْحِصْنِ. إنَّمَا كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ حَضَرُوا. فَهَذَا إنْشَاءُ حَرْبٍ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ التَّنْفِيلُ مُتَنَاوِلًا لَهَا.
١٣٥١ - وَلَوْ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَرْبِ الْأُولَى انْهَزَمُوا، فَدَخَلُوا حِصْنًا آخَرَ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي إثْرِهِمْ. فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي هَذَا الْحِصْنِ غَيْرَ الْمُنْهَزِمِينَ، وَالْمَنَعَةُ مَنَعَتُهُمْ، ثُمَّ قَتَلَ مُسْلِمٌ قَتِيلًا، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبُهُ.
سَوَاءً كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ الْمُنْهَزِمِينَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ. .
لِأَنَّ هَذِهِ حَرْبٌ سِوَى الْأُولَى.
[ ٧٦٨ ]
- وَإِنْ كَانَ عَظْمُ الْقَوْمِ الَّذِينَ انْهَزَمُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَنَعَةُ لَهُمْ، فَحُكْمُ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ بَاقٍ، وَأَهْلُ الْحِصْنِ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ مَدَدٍ لَحِقَهُمْ. فَتَبْقَى الْحَرْبُ الْأُولَى. وَمَنْ قَتَلَ مِنْ الْمُنْهَزِمِينَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَهُ سَلَبُهُ. .
وَهَذَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَنَعَةِ وَالْغَلَبَةِ. .
١٣٥٣ - وَلَوْ جَاءَ مَلِكَهُمْ الْأَعْظَمُ بِجُنْدِهِ فَانْحَازَ إلَيْهِ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَتَلَ مُسْلِمٌ مِنْهُمْ قَتِيلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. .
لِأَنَّ هَذِهِ مَنَعَةٌ أُخْرَى، وَالتَّنْفِيلُ كَانَ مُفِيدًا بِالْحَرْبِ الْأُولَى، فَبَعْدَ مَا حَدَّثَ لَهُمْ مَنَعَةٌ أُخْرَى تَكُونُ الْحَرْبُ غَيْرَ الْأُولَى.
- فَإِذَا لَمْ يُجَدِّدْ الْإِمَامُ تَنْفِيلًا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَاتِلُ السَّلَبَ.
وَإِنْ جَدَّدَ الْإِمَامُ التَّنْفِيلَ فَسَمِعَهُ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ الْبَعْضِ، فَكُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا اسْتَحَقَّ سَلَبُهُ. الَّذِي سَمِعَ وَاَلَّذِي لَمْ يَسْمَعْ فِيهِ سَوَاءٌ. .
لِأَنَّ هَذَا مَحْضُ مَنْفَعَةٍ فِي حَقِّ الْقَاتِلِينَ. وَلِأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ لَمَّا اُشْتُهِرَ فِي النَّاسِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاصِلِ إلَى جَمَاعَتِهِمْ فِي الْحُكْمِ. .
[ ٧٦٩ ]