(ابْن عَرَفَةَ) الطَّلَاقُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا مَرَّتَيْنِ لِلْحُرِّ وَمَرَّةً لِذِي رِقٍّ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ قَبْلَ زَوْجٍ. قَوْلُهُ: " حُكْمِيَّةٌ " لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنًى تَقْدِيرِيٌّ، " وَتَرْفَعُ حِلِّيَّةَ " أَخْرَجَ بِهِ الظِّهَارَ وَمَا شَابَهَهَا، وَقَوْلُهُ: " حِلِّيَّةَ " لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تُرْفَعُ وَإِنَّمَا يُرْفَعُ الْمُعَلَّقُ بِهَا، وَقَوْلُهُ: " بِزَوْجَتِهِ أَخْرَجَ بِهِ حِلِّيَّةَ الْمُتْعَةِ بِغَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ: " مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا ": إلَخْ صِفَةٌ لِلصِّفَةِ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ عَلَى نُسْخَةِ الرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ.
وَيَظْهَرُ أَنَّهُ زَادَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ يُخْرِجُ بِذَلِكَ صُوَرًا كَثِيرَةً تَمْنَعُ أَوْ تَرْفَعُ الْمُتْعَةَ بِالزَّوْجَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَبِالصَّلَاةِ وَبِالدُّخُولِ
[ ١ / ٢١٧ ]
فِي الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. اهـ
وَقَوْلُهُ: " مُوجِبٌ تَكَرُّرُهَا " التَّكَرُّرُ هُوَ مَا بَعْدَ الطَّلْقَةِ الْأُولَى. وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَصَوَّبَ الْجَوْهَرِيُّ الْفَتْحَ وَاسْتَعْمَلَهَا الْفُقَهَاءُ بِالْكَسْرِ. (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) هُوَ رَفْعُ الزَّوْجِ أَوْ الْحَاكِمِ حُرْمَةَ الْمُتْعَةِ بِالزَّوْجَةِ لِطَلَاقِهَا،
قَالَ: فَتَخْرُجُ الْمُرَاجَعَةُ. اهـ
أَيْ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّجْعَةَ هِيَ مِنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَالْمُرَاجَعَةَ هِيَ مِنْ الْبَائِنِ وَلِذَلِكَ عَبَّرُوا فِيهَا بِالْمُفَاعَلَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ (الرَّصَّاعُ) قَوْلُهُ: " أَوْ الْحَاكِمُ " أَشَارَ بِهِ إلَى إدْخَالِ مَا إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ وَامْتَنَعَ مِنْ الرَّجْعَةِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالرَّجْعَةِ، وَتَصِحُّ رَجْعَتُهُ.
وَيَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ (ابْنُ الْحَاجِبِ) فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْأَدَبِ، وَإِنْ أَبَى ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَلَهُ وَطْؤُهَا بِذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا يَتَوَارَثَانِ بَعْدَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ قَوْلُهُ: " حُرْمَةُ الْمُتْعَةِ " هَذَا هُوَ الْمَرْفُوعُ وَاحْتَرَزَ بِهِ مَنْ رَفْعِ الْحِلِّيَّةِ، أَيْ فَإِنَّهُ نَفْسُ الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ: " بِطَلَاقِهَا " مُتَعَلِّقٌ بِالْحُرْمَةِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ رَفْعِ الزَّوْجِ الْحُرْمَةَ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ كَمَا إذَا رَفَعَ حُرْمَةَ الظِّهَارِ أَيْ بِالتَّكْفِيرِ. ثُمَّ قَالَ الرَّصَّاعُ: لَمْ أَقِفْ لِلشَّيْخِ عَلَى حَدِّ الْمُرَاجَعَةِ. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا تَدْخُلُ تَحْتَ حَدِّ النِّكَاحِ لِأَنَّ النِّكَاحَ إمَّا لِمُرَاجَعَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا فَيُقَالُ فِيهَا نِكَاحٌ مِنْ زَوْجٍ أَبَانَهَا بِغَيْرِ الثَّلَاثِ اهـ.
أَيْ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبِنْهَا فَهِيَ رَجْعَةٌ لَا مُرَاجَعَةٌ، وَأَمَّا إذَا أَبَانَهَا بِالثَّلَاثِ ثُمَّ تَرَاجَعَا بَعْدَ زَوْجٍ فَإِنَّ ذَلِكَ ابْتِدَاءُ نِكَاحٍ لَا شَكَّ فِيهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ١ / ٢١٨ ]
مِنْ الطَّلَاقِ الطَّلْقَةُ السُّنِّيَّهْ إنْ حَصَلَتْ شُرُوطُهَا الْمَرْعِيَّهْ
وَهْيَ الْوُقُوعُ حَالَ طُهْرٍ وَاحِدَهْ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ وَارْتِدَافِ زَائِدَهْ
مِنْ ذَاكَ بَائِنٌ وَمِنْهُ الرَّجْعِيّ وَمَا عَدَا السُّنِّيَّ فَهْوَ بِدْعِي
مِنْهُ مُمَلَّكٌ وَمِنْهُ خُلْعِي وَذُو الثَّلَاثِ مُطْلَقًا وَرَجْعِي
يَعْنِي أَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى وَجْهَيْنِ سُنِّيٌّ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ، وَبِدْعِيٌّ وَهُوَ مَا اخْتَلَّتْ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوطُ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهَا، ثُمَّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
مِنْ ذَاكَ بَائِنٌ وَمِنْهُ الرَّجْعِيّ
إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ السُّنِّيَّ يَنْقَسِمُ إلَى بَائِنٍ وَرَجْعِيٍّ. (قُلْتُ): وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ الْبِدْعِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى رَجْعِيٍّ وَبَائِنٍ كَمَا يَأْتِي، فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ فَطَلَاقُ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَوْ حَائِضًا وَمَنْ بَقِيَتْ عَلَى طَلْقَةٍ وَإِنْ حَصَلَتْ بِشُرُوطِ السُّنِّيِّ سُنِّيٌّ بَائِنٌ، وَطَلَاقُ الزَّوْجَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ سُنِّيٌّ وَرَجْعِيٌّ، وَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ بِدْعِيٌّ رَجْعِيٌّ، وَالطَّلَاقُ الثَّلَاثُ بِدْعِيٌّ بَائِنٌ، وَمَثَّلَ الشَّارِحُ لِلْبِدْعِيِّ الْبَائِنِ بِالطَّلَاقِ الْمُمَلَّكِ قَالَ: وَهُوَ طَلَاقُ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ خُلْعٍ وَبِالْخُلْعِ وَبِالثَّلَاثِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ طَلَاقَ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مُطْلَقًا مَعَ شُرُوطِ السُّنِّيِّ وَعَدَمِهَا. قَالَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ، سُنِّيٌّ بَائِنٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُنِّيًّا مَعَ وُجُودِ شُرُوطِ السُّنِّيِّ، وَاَلَّذِي يُمْكِنُ مِنْهَا هُنَا أَيْ مِنْ شُرُوطِ السُّنِّيِّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا اثْنَانِ فَقَطْ: أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً وَأَنْ تَكُونَ فِي طُهْرٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ فَهُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَأَمَّا عَدَمُ ارْتِدَافِ أُخْرَى فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَنَّ الِارْتِدَافَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الرَّجْعِيِّ وَطَلَاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بَائِنٌ. (وَفِي الرَّصَّاعِ) أَنَّ اللَّخْمِيَّ نَقَلَ عَنْ أَشْهَبَ جَوَازَ طَلَاقِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي صَادَفَتْ آخِرَ الثَّلَاثِ فَيَكُونُ سُنِّيًّا بَائِنًا كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ بِفَضْلِهِ) وَقَدْ كُنْتُ قُلْتُ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَالتَّمْثِيلِ لَهُ أَبْيَاتًا وَهِيَ هَذِهِ
مِنْ الطَّلَاقِ سُنَّةٌ وَبِدْعِي وَالْكُلُّ إمَّا بَائِنٌ أَوْ رَجْعِي
سُنِّيُّهُ فِي حَالِ طُهْرٍ وَاحِدَهْ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ وَارْتِدَافِ زَائِدَهْ
فَغَيْرُ مَدْخُولٍ وَمَنْ تَبْقَى عَلَى وَاحِدَةٍ إنْ بِالشُّرُوطِ حَصَلَا
فَبَائِنُ السُّنِّيّ وَرَجْعِيُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْبِنَاءِ بِشُرُوطٍ مَتَّتْ
مُمَلَّكٌ أَوْ خُلْعٌ أَوْ أَقْصَاهُ بِدْعِيٌّ وَبَائِنٌ فَلَا تَنْسَاهُ
رَجْعِي وَبِدْعِي إنْ تَسَلْ هُوَ وَاحِدُ بَعْدَ الْبِنَا بِفَقْدِ شَرْطٍ يُوجَدُ
وَضَمِيرُ سُنِّيِّهِ لِلطَّلَاقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، وَقَوْلُنَا: " فَغَيْرُ مَدْخُولٍ " إلَخْ هُوَ ابْتِدَاءُ تَمْثِيلِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ تَبَعًا لِلشَّارِحِ وَتَقْلِيدًا لَهُ، وَقَوْلُنَا: " إنْ بِالشُّرُوطِ حَصَلَا " رَاجِعٌ لِطَلَاقِ مَنْ تَبْقَى عَلَى وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَمَتَّتْ مَعْنَاهُ قَرُبَتْ، وَأَقْصَى الطَّلَاقِ هُوَ الثَّلَاثُ، وَجُمْلَةُ " يُوجَدُ " هِيَ صِفَةٌ أُخْرَى لِوَاحِدٍ، وَ" بِفَقْدِ " يَتَعَلَّقُ بِيُوجَدُ أَيْ إنْ تَسْأَلْ عَنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ الْبِدْعِيِّ فَهُوَ الطَّلَاقُ الْوَاحِدُ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِوَصْفَيْنِ آخَرَيْنِ: كَوْنُهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَكَوْنُهُ يُوجَدُ بِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ السُّنِّيِّ وَلْيُرْجَعْ إلَى حَلِّ أَلْفَاظِ النَّاظِمِ. قَوْلُهُ: " الْمَرْعِيَّةُ " أَيْ الْمَرْعِيَّةُ الْمَحْفُوظَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ): وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالسُّنِّيِّ أَنَّهُ رَاجِحُ الْفِعْلَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ مِنْ النِّسْبَةِ إلَى السُّنَّةِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ الَّذِي أَذِنَتْ فِيهِ السُّنَّةُ مُقَابِلَ الْبِدْعِيِّ.
وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ هُوَ مَا وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَالطَّلَاقُ مُبَاحٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: " إنَّهُ مَكْرُوهٌ " لِمَا فِي أَبِي دَاوُد أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ أَبْغَضَ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» . وَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ، وَثَبَتَ أَنَّهُ - ﷺ - «طَلَّقَ حَفْصَةَ وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا وَطَلَّقَ الْعَالِيَةَ بِنْتَ سُفْيَانَ وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى أُمَّ الْمَسَاكِينِ»، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِطَلَاقِ السُّنَّةِ أَرْبَعَةَ قُيُودٍ (الْأَوَّلُ): أَنْ يُطَلِّقَ فِي طُهْرٍ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ كَانَ مُطَلِّقًا لِلْبِدْعَةِ. (عَبْدُ الْوَهَّابِ) وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ، وَاخْتُلِفَ هَلْ الْمَنْعُ فِي الْحَيْضِ تَعَبُّدٌ أَوْ لِطُولِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا؟ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؟ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ لَا تَعْتَدُّ بِهِ فَتَلْغِي بَقِيَّةَ أَيَّامِ حَيْضِهَا.
(الْقَيْدُ الثَّانِي) أَنْ لَا يُجَامِعَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، فَإِنْ جَامَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَانَ مُطَلِّقًا لِلْبِدْعَةِ وَلَيْسَ مَمْنُوعًا كَطَلَاقِ الْحَيْضِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِكَرَاهَتِهِ (قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ): لِأَنَّهُ لَبَسَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ فَلَمْ تَدْرِ هَلْ تَعْتَدُّ بِالْوَضْعِ أَوْ بِالْأَقْرَاءِ؟ (الثَّالِثُ): أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً. (اللَّخْمِيُّ) وَإِيقَاعُ الِاثْنَتَيْنِ مَكْرُوهٌ، وَالثَّلَاثِ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أَيْ مِنْ
[ ١ / ٢١٩ ]
الرَّغْبَةِ فِي الْمُرَاجَعَةِ وَالنَّدَمِ عَلَى الْفِرَاقِ. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى لُزُومِ الثَّلَاثِ فِي حَقِّ مَنْ أَوْقَعَهَا، وَعَنْ بَعْضِ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ مُوقِعَ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، وَعَنْ بَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَحَكَى التِّلْمِسَانِيُّ أَنَّ عِنْدَنَا قَوْلًا بِأَنَّهُ إذَا أَوْقَعَ الثَّلَاثَ فِي كَلِمَةٍ إنَّمَا تَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ (الْقَيْدُ الرَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُعْتَدَّةٍ لِيَحْتَرِزَ مِنْ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً فَإِنْ فَعَلَ فَالْأُولَى لِلسُّنَّةِ وَالْأُخْرَيَانِ لِلْبِدْعَةِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ اهـ بِاخْتِصَارٍ.
فَقَوْلُ النَّاظِمِ: " مِنْ غَيْرِ مَسٍّ " هُوَ إشَارَةٌ لِلْقَيْدِ الثَّانِي الْمُتَقَدِّمِ عَنْ التَّوْضِيحِ وَقَوْلُهُ: " وَارْتِدَافِ زَائِدَهُ " هُوَ إشَارَةٌ إلَى الْقَيْدِ الرَّابِعِ فِي التَّوْضِيحِ (وَفِي الرِّسَالَةِ) وَطَلَاقُ السُّنَّةِ مُبَاحٌ وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهِ طَلْقَةً ثُمَّ لَا يُتْبِعَهَا طَلَاقًا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ اهـ. فَقَوْلُهُ: " ثُمَّ لَا يُتْبِعُهَا طَلَاقًا " هُوَ الْقَيْدُ الرَّابِعُ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ مُرَادُ النَّاظِمِ بِقَوْلِهِ: " وَارْتِدَافِ زَائِدَهُ " أَيْ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْدِفَ عَلَى الطَّلْقَةِ الْأُولَى طَلْقَةً زَائِدَةً عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ كَمَا فِي الرِّسَالَةِ. وَقَوْلُهُ: " مِنْ ذَاكَ بَائِنٌ " أَيْ مِنْ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ مَا هُوَ بَائِنٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ رَجْعِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ، وَقَوْلُهُ: " مَا عَدَا السُّنِّيَّ فَهُوَ بِدْعِيٌّ " أَيْ مَا اخْتَلَّ فِيهِ قَيْدٌ مِنْ قُيُودِ السُّنِّيِّ فَهُوَ بِدْعِيٌّ، وَقَوْلُهُ:
مِنْهُ مُمَلَّكٌ وَمِنْهُ خُلْعِيٌّ
أَيْ مِنْ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ يَعْنِي الْبَائِنَ مُمَلَّكٌ وَخُلْعِيٌّ، وَقَوْلُهُ " وَذُو الثَّلَاثِ مُطْلَقًا " عَطْفٌ عَلَى مُمَلَّكٍ، وَأَشَارَ بِالطَّلَاقِ فِي الثَّلَاثِ إلَى كَوْنِهِ لَا يَكُونُ سُنِّيًّا بِوَجْهٍ، قَالَ الشَّارِحُ: يَعْنِي بِخِلَافِ طَلَاقِ مَنْ بَقِيَتْ عَلَى وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَهُوَ سُنِّيٌّ إنْ كَانَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: " وَرَجْعِي " أَيْ وَمِنْ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ مَا هُوَ رَجْعِيٌّ وَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ:
مِنْهُ مُمَلَّكٌ وَمِنْهُ خُلْعِي
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ:
مِنْهُ مُمَلَّكٌ وَمِنْهُ خُلْعِي
أَيْ وَهُوَ بَائِنٌ.
وَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الرَّجْعِيِّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَمَدِ الْمَرْعِيِّ
وَلَا افْتِقَارَ فِيهِ لِلصَّدَاقِ وَالْإِذْنِ وَالْوَلِيِّ بِاتِّفَاقِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا سَوَاءٌ كَانَ سُنِّيًّا أَوْ بِدْعِيًّا فَإِنَّهُ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا. وَالْعِدَّةُ هِيَ مُرَادُهُ بِالْأَمَدِ الْمَرْعِيِّ، فَإِذَا رَاجَعَهَا فَلَا يَفْتَقِرُ لِصَدَاقٍ وَلَا لِإِذْنِ الزَّوْجَةِ وَلَا لِلْوَلِيِّ بِاتِّفَاقٍ (وَقَالَ فِي الْمَنْهَجِ السَّالِكِ) فَالزَّوْجُ يَمْلِكُ رَجْعَةَ زَوْجَتِهِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا وَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِالْقَوْلِ وَتَصِحُّ أَيْضًا بِالْفِعْلِ الْحَالِّ مَحَلَّ الْقَوْلِ وَالدَّالِّ فِي الْعِدَّةِ عَلَى الِارْتِجَاعِ كَالْوَطْءِ وَالْقُبْلَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْقَصْدِ إلَى الِارْتِجَاعِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ إذَا انْفَرَدَتْ النِّيَّةُ فِي ذَلِكَ دُونَ اللَّفْظِ فَقِيلَ لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِذَلِكَ وَقِيلَ تَصِحُّ وَهُوَ الصَّوَابُ اهـ.
وَمَوْقِعُ الرَّجْعِيِّ دُونَ طُهْرِ يُمْنَعْ مَعَ رُجُوعِهِ بِالْقَهْرِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَهِيَ حَائِضٌ فَإِنَّهُ فَعَلَ مَمْنُوعًا وَيُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، فَإِذَا ارْتَجَعَ أَمْسَكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، (قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ) وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ أُجْبِرَ عَلَى رَجْعَتِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَدْخُولٍ فَلَا بَأْسَ بِطَلَاقِهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا وَإِذَا أُجْبِرَ عَلَى رَجْعَتِهَا أَمْهَلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ دَمِ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا ثُمَّ ابْتِدَاءً أَوْ حِنْثًا أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِدَّةِ شَيْءٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنْ الثَّانِيَةِ فَإِنْ أَبَى ابْتِدَاءً أَوْ حِنْثًا أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِدَّةِ شَيْءٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ: مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنْ الثَّانِيَةِ فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْأَدَبِ وَإِنْ أَبَى ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ. (التَّوْضِيحَ) لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ لِئَلَّا تَطُولَ الْعِدَّةُ أُمِرَ بِالْمُرَاجَعَةِ لِيُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى سُنَّتِهِ فَلَوْ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ إذَا طَهُرَتْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَكَانَتْ تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى فَيَتِمُّ مَقْصُودُهُ فَأُمِرَ بِالْوَطْءِ لِيَقْطَعَ حُكْمَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا وَطِئَهَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ طَلَاقِهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ لِأَنَّهُ - ﷺ - نُهِيَ عَنْ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ اهـ.
وَفِي الْمُمَلِّكِ الْخِلَافُ وَالْقَضَا بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ فِي الْمُرْتَضَى
[ ١ / ٢٢٠ ]
(قَالَ الشَّارِحُ): الطَّلَاقُ الْمُمَلِّكُ هُوَ طَلَاقُ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ خُلْعٍ وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: هُوَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ. وَبِقَوْلِهِ: " الْقَضَاءُ " وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَحَكَى سَحْنُونٌ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهَا الْبَتَّةُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُرْتَضَى لِجَرَيَانِ الْعَمَلِ بِهِ (وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ وَالْمُبَارَأَةُ إذَا انْعَقَدَتْ بِغَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ الزَّوْجُ مِنْ الْمَرْأَةِ فَهِيَ طَلْقَةٌ تَمْلِكُ بِهَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا لَا يُرَاجِعُهَا الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا إلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشُهُودٍ وَرِضَاهَا فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ اهـ كَلَامُ الشَّارِحِ وَتَقَدَّمَ عَنْ الشَّارِحِ أَنَّ مِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدْعِيِّ الْبَائِنِ الطَّلَاقُ الْمُمَلِّكُ، قَالَ: وَهُوَ طَلَاقُ الْخُلْعِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْخُلْعِ الْبَيْنُونَةَ فَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ
[ ١ / ٢٢١ ]
مِنْ غَيْر عِوَضٍ هُوَ الْمُمَلِّكُ.
وَبَائِنٌ كُلُّ طَلَاقٍ أُوقِعَا قَبْلَ الْبِنَاءِ كَيْفَمَا قَدْ وَقَعَا
يَعْنِي أَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ وَقَعَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ بَائِنٌ (قَالَ الشَّارِحُ): كَيْفَمَا وَقَعَ مِنْ كَوْنِهِ سُنِّيًّا أَوْ بِدْعِيًّا (قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ): وَالطَّلَاقُ قَبْلَ الْبِنَاءِ كُلُّهُ بَائِنٌ وَقَعَ عَلَى إسْقَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَمِمَّا يُنَاسِبُ أَنْ يُذْكَرَ هُنَا الطَّلَاقُ الَّذِي يُوقِعُهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ كُلُّهُ بَائِنٌ مِثْلُ هَذَا إلَّا الطَّلَاقَ عَلَى الْمُولِي وَفِي عَدَمِ النَّفَقَةِ. اهـ
ثُمَّ نَقَلَ فَتْوَى بَعْضِ الشُّيُوخِ بِكَوْنِ طَلَاقِ مُثْبِتَةِ الضَّرَرِ رَجْعِيًّا، قَالَ: " وَهُوَ غَلَطٌ " (قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ): وَقَدْ كُنْتُ قُلْتُ فِي ذَلِكَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِ النَّاظِمِ:
وَبَائِنٌ كُلُّ طَلَاقٍ أُوقِعَا
بَيْتًا هُوَ
كَذَا الَّذِي يُوقِعُهُ الْقَاضِي عَدَا طَلَاقِ مُولٍ مُعْسِرٍ رَجْعِيٍّ بَدَا
قَالَ النَّاظِمُ - ﵀ -.
وَبِالثَّلَاثِ لَا تَحِلُّ إلَّا مِنْ بَعْدِ زَوْجٍ لِلَّذِي تَخَلَّى
وَهْيَ لِحُرٍّ مُنْتَهَى الطَّلَاقِ وَحُكْمُهَا يَنْفُذُ بِالْإِطْلَاقِ
هَبْ أَنَّهَا فِي كِلْمَةٍ قَدْ جُمِعَتْ أَوْ طَلْقَةٍ مِنْ بَعْدِ أُخْرَى وَقَعَتْ
وَمُوقِعٌ مَا دُونَهَا مَعْدُودُ بَيْنَهُمَا إنْ قُضِيَ التَّجْدِيدُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا مِنْ بَعْدِ زَوْجٍ وَهُوَ مَعْنَى الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي تَخَلَّى عَنْهَا هُوَ الَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلِلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِتَحِلُّ وَإِنَّمَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدِ زَوْجٍ بِشُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ بَالِغًا وَالزَّوْجَةُ مُطِيقَةٌ لِلْوَطْءِ فَلَا تَحِلُّ بِنِكَاحِ غَيْرِ الْبَالِغِ وَلَا بِوَطْءِ الزَّوْجِ الْبَالِغِ مَنْ لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ، فَإِنَّ وَطْأَهَا كَالْعَدَمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهَا بَلْ أَنْ تُطِيقَ الْوَطْءَ فَقَطْ.
الثَّانِي: أَنْ يَطَأهَا وَطْئًا مُبَاحًا، فَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَ وَطْءٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ أَوْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَوْ فِي الْحَيْضِ فَلَا تَحِلُّ بِذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَتَقَارَرَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْوَطْءِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) فَلَوْ ادَّعَتْ الْوَطْءَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ فَثَالِثُهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا قَبْلَهُ: وَيَكْفِي إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ مِثْلِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي الْقُبُلِ وَلَوْ كَانَ خَصِيًّا عَلَى الْمَنْصُوصِ. (التَّوْضِيحَ) قَوْلُهُ: " وَيَكْفِي إيلَاجُ الْحَشَفَةِ " أَيْ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِنْزَالِ، وَفَسَّرَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ الْعُسَيْلَةَ الْمُشْتَرَطَةَ بِإِيلَاجِ الْحَشَفَةِ وَقَوْلُهُ فِي الْقُبُلِ ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ إلَّا فِي الْقُبُلِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَيَكْفِي إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَكْفِي (ابْنُ الْقَاسِمِ) وَلَوْ وَطِئَ فَوْقَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ وَدَخَلَ مَاؤُهُ فِي فَرْجِهَا وَأَنْزَلَتْ هِيَ فَلَا يُحْصِنُهَا.
وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ كَانَ خَصِيًّا " يَعْنِي قَائِمَ الذَّكَرِ مَقْطُوعَ الْخُصْيَتَيْنِ. الرَّابِعُ: الِانْتِشَارُ فِي الْوَطْءِ، أَيْ قِيَامُ الذَّكَرِ لِأَنَّ الْعُسَيْلَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالشَّاذُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. الْخَامِسُ: عِلْمُ الزَّوْجَةِ خَاصَّةً بِالْوَطْءِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ
[ ١ / ٢٢٢ ]
وَقَالَ أَشْهَبُ عِلْمُ الزَّوْجِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَوْ كَانَا مَجْنُونَيْنِ حَلَّتْ. قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (التَّوْضِيحَ) وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ إلَّا بِأَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا تَحِلُّ بِنِكَاحٍ غَيْرِ صَحِيحٍ كَنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَحِلُّ الذِّمِّيَّةُ بِنِكَاحِ الذِّمِّيِّ لِفَسَادِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ لَازِمًا (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا بِنِكَاحٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَنِكَاحِ الْعَبْدِ الْمُتَعَدِّي وَنِكَاحِ ذَاتِ الْعَيْبِ أَوْ الْمَغْرُورَةِ أَوْ ذِي الْعَيْبِ أَوْ الْمَغْرُورِ إلَّا إذَا لَزِمَ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ وَرَضِيَ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ وَوَطِئَ بَعْدَ اللُّزُومِ (التَّوْضِيحَ) قَوْلُهُ: " الْمَغْرُورِ أَوْ الْمَغْرُورَةِ " أَيْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ: " إلَّا إذَا لَزِمَ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ " رَاجِعٌ إلَى الْعَبْدِ، وَقَوْلُهُ: " وَرَضِيَ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ " رَاجِعٌ إلَى صُورَتَيْ الْعَيْبِ وَالْغُرُورِ، وَقَوْلُهُ: " وَوَطِئَ بَعْدَ اللُّزُومِ " يَعْنِي فِي الْخَمْسَةِ. اهـ
(ابْنُ الْحَاجِبِ) وَلَا تَحِلُّ بِعَقْدٍ وَلَا بِوَطْءِ مِلْكٍ، قَوْلُهُ: " وَهِيَ لِحُرٍّ " أَيْ الثَّلَاثُ يَعْنِي وَأَمَّا الْعَبْدُ فَطَلْقَتَانِ، وَقَوْلُهُ: " وَحُكْمُهَا " أَيْ حُكْمُ الثَّلَاثِ، وَحُكْمُ الثَّلَاثِ هُوَ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَالْإِطْلَاقُ يُفَسِّرُهُ مَا فِي الْبَيْتِ بَعْدَهُ يَلِيَهُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي كَلِمَةٍ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. أَوْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا إلَى الثَّلَاثِ الْحُكْمُ وَاحِدٌ، إلَّا أَنَّهُ فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَفِي كَلِمَةٍ فِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ. (ابْنُ نَاجِي) مَذْهَبُنَا لُزُومُ الثَّلَاثِ، وَقِيلَ بِلُزُومِ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ وَانْظُرْ الْفَائِقَ فِي أَحْكَامِ الْوَثَائِقِ لِسَيِّدِي أَحْمَدَ الْوَنْشَرِيسِيِّ فَقَدْ أَطَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ وَذَلِكَ قَبْلَ تَرْجَمَةِ نَوَازِلِ الطَّلَاقِ وَفُرُوعِهِ. قَوْلُهُ " وَمَوْقِعُ مَا دُونَهَا " - الْبَيْتَ - وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَوْقَعَ مِنْ الطَّلَاقِ مَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ فَإِنَّ مَا أَوْقَعَهُ مَعْدُودٌ عَلَيْهِ وَمَحْسُوبٌ عَلَيْهِ إنْ قَضَى اللَّهُ تَعَالَى بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا فَتَبْقَى عِنْدَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ، وَإِذَا طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ رَاجَعَهَا فَتَبْقَى عِنْدَهُ عَلَى طَلْقَةٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ ثُمَّ رَاجَعَهَا فَإِنَّهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِ مَا كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ تَزَوُّجِهَا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَهْدِمُ إلَّا الثَّلَاثَ، فَلَوْ زَادَ النَّاظِمُ بَعْدَ
وَمُوقِعُ مَا دُونَهَا مَعْدُودٌ
الْبَيْتَ قَوْلَهُ مَثَلًا
وَلَوْ تَزَوَّجَتْ لِغَيْرِهِ وَلَا يَهْدِمُ ذَا إلَّا الثَّلَاثَ مُسَجَّلًا
وَمَعْنَى مُسْجَلًا مُطْلَقًا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ نِكَاحَ الْأَجْنَبِيِّ يَهْدِمُ الثَّلَاثَ كَانَتْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ.